اريج المنصوري لـ”الكومبس”:” اميل في اعمالي الى مزاوجة التراث والمعاصرة، واللوحة تولد تباعا دون ارادتي”

Views : 590

التصنيف

الكومبس – ثقافة: اريج المنصوري فنانة تشكيلية عراقية، عُرف تألقها ونجاحها من خلال مساهماتها التشكيلية منذ ان كانت في بغداد وصولا الى مدينة هلسنبوري السويدية حيث تقيم الان، تخرجها من كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد اضاف لتجربتها افاق واسعة من خلال تقديم البحوث النظرية ونقد الاعمال الفنية العالمية من منظور فلسفي.

المنصوري التي اختيرت من الادارة الثقافية السويدية كموديل امرأة محجبة ترمز للتسامح الديني والعرقي، تعتقد ان من الضروري اتاحة الفرصة للفنان العربي الوافد حديثا الى السويد عبر اشراكه في الانشطة الثقافية المختلفة لكي يفصح عن طاقاته الكامنة وتفجيرها بمساهمات فنية وثقافية فاعلة.

شبكة “الكومبس” اجرت حوارا معها للحديث عن تجربتها الفنية والابداعية من بغداد الى السويد:

كيف كانت بداياتك مع الفن التشكيلي وهل ساعد درس التربية الفنية في صقل موهبتك الفنية؟

 حين ابصرت عيناي النور في دار جدّي حيث كنا نقيم معا، كانت الالوان الزيتية والباستل والاقلام الملونة منتشرة في اروقة مرسم والدي الذي يعج باللوحات الدراسية المكتملة والنصف مكتملة وكذلك اعمال التخطيط لموديلات شخصية او طبيعة صامتة (ستلايف) بالاقلام الرصاص او الفحم او الباستيل الزيتي او الجاف او اعمال المناظر الطبيعية (اللاند سكيب) وان من اسعد اللحظات عندي هي عندما اتأمل والدي وهو يتحرك مابين اللوحات المختلفة الاحجام المركونة على جوانب المرسم او المثبتة على الحامل (الستاند) الخشبي الانيق او الاعمال الورقية الكثيرة جدا المثبتة بفوضى على الجدران او المكدسة على المنضدة الخشبية الكبيرة الملطخة بالاصباغ القديمة.

 كانت اصابعي تتسلل للامساك باحد اقلام الباستيل لكي ادون على اقرب لوحة من لوحات والدي ما يخطر ببالي، وبينما كانت والدتي تنظر إليّ بذعر لما اقترفت من تخريب بحق لوحة مكتملة الانجاز، كان والدي ينظر بفرح وسرور وانا امعن في تلطيخ بعض لوحاته بكل ما توصل اليه يدي الصغيرة غير عابئة بكل شيء ويدفعني اكثر تشجيع والدي وافتتانه بخربشاتي التي تبدو لي حاليا ضرب من ممارسة حريتي على سطوح لوحات ابي.

كان والدي لا ينزعج ابدا حيال ما اسببه من خراب في لوحاته المكتملة بل يقف مندهشا امام حمىّ الرغبة العاتية التي تدفعني لغمس اصابعي في باليت الالوان القريبة منى ومن ثم مسحها بملابسي او بوجهي وشعري او ملابس والدي حتى! كنت اشعر بعبثيتي هذه على انها اشباع لحاجة ما في داخلي، لكني الان ادركت بأن والدي كان وحده هو الذي يرسم الخطوط البيانية لمستقبلي كطالبة متفوقة في دروس التربية الفنية في المدارس الابتدائية والمتوسطة.

وبعدها في معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون الجميلة، ما كنت ادرك ان شخبطاتي البريئة يمكن ان تفصح عن مشروع فنانة مستقبلا.

هل دراستك للرسم في معهد وكلية الفنون الجميلة ببغداد وحصولك على الشهادة التخصصية قد افادك لترصين موهبتك الفنية؟

لا شك ان التحصيل العلمي النظري والعملي لكل راغب في الاحتراف مهم جدا وضروري وخصوصا على يد نخبة من الاساتذة الكفوئين المعروفين في الاوساط الفنية والمشهود لهم في هذا الميدان، فقد درست في معهد الفنون الجميلة في المجال العملي، التخطيط والالوان المائية والزيتية واستخدام الوان الباستيل الزيتي والطباشيري واقلام الفحم والرصاص، كما درست النحت من الطين والجبس والخشب وكذلك الخزف والحفر على المعادن ودرست الموزائيك الملون والرسم على الجص ونقل اللوحات العالمية بمختلف الالوان.

اما في المجال النظري فقد درست تاريخ الفنون التشكيلية منذ زمن الكهوف في التاميرا وفي لاسكو الى بقية الحقب التاريخية اللاحقة منذ عصر الكتابة مرورا بحضارات وادي الرافدين ووادي النيل وصولا الى عصر النهضة واكتشاف المنظور والتشريح واستخدام النسبة الذهبية في مقاسات مثالية للانسان النموذجي.

كما درسنا تاريخ المدارس الفنية القديمة والمعاصرة والبواعث الاجتماعية والسياسية على ظهورها منذ زمن الباروك والركوكو مرورا بالفترة الرومانتيكية والكلاسيكية الحديثة والانطباعية والسريالية وصولا للمدارس الحديثة كالتكعيبية وانتهاء بالتجريدية.

لذلك اعتقد باني امتلك اساسا متينا يضمن لي مزاولة تخصصي على وفق دراية عملية ونظرية والفضل يعود لدراستي الاكاديمية الاولى ما قبل تخرجي من جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة. اما دراستي الجامعية فقد عمقت دراستي السابقة ووسعت افاق تجربتي وفتحتها على افاق اوسع من خلال تقديم البحوث النظرية ونقد الاعمال الفنية العالمية من منظور فلسفي وباشراف متخصصين في النقد الفني.

11391761_698570743588159_7436748969480519849_n

متى ترسمين وماهي المدارس الفنية التي تنتمين اليها؟

بصراحة ان قضية الشروع في الرسم ليست خاضعة لرغبة الفنان او ارادته، بل خاضعة الى منشأ اعمق مما قد يظن البعض، فكم من مرة او مرات اجد اللوحة جامدة على الاستاند والباليت قد يبست عليها الالوان وبقت الفرش ساكنة في محلها تنتظر ولادة لحظة خاطفة تومض في نفسي او خاطري، ولا تأتي تلك اللحظة ولا يحط طائر الالهام على اغصان ارادتي، وتمر الايام وتنقضي الاسابيع والقماشة تنتظر ان اضمخها بالخطوط والالوان دون جدوى، لكن في بعض الاحيان استيقظ من نومي لانقض على الفرشاة واغمسها في كل الالوان على التوالي واعاود هذا الجهد لساعات من الذهول والغياب عن الاشياء.

وفي لحظات اخرى امسك الفرشاة بشهية عجيبة وازاول التخطيط والتلوين ومعالجات بسيطة للاسطح وتوزيع المساحات والكتل اللونية، فأجد ان اللوحة العصية سابقا قد صارت اطوع ما يكون ليدي وفرشاتي واصبحت عبارة عن سيل رقراق من الجمال فتأخذني في حلم آخر لولادة مشروع عمل جديد.

هكذا تتوالد اللوحات تباعا دون ارادتي و كأني كنت اعاني من ثقل كسر ظهري وهدّ كياني وامسك بانفاسي فاشعر بالراحة وتفريغ الضغط النفسي الداخلي فاستريح لبعض الوقت قبل ان اعاود العمل من جديد وهكذا.

وهذا ما يجعلني اتنقل مجبرة في نزهات قد تطول او تقصر مابين المدارس الفنية بشكل تراتبي مرورا بالمدارس التقليدية القديمة لأجد نفسي في نهاية المطاف مبهورة بالمدرسة التجريدية الصوفية التي سادت في القرن الماضي ذلك لانها تعتمد التزويق التجميلي وتعنى بمسألة الحرية التي صارت الشغل الشاغل لفلاسفة ومفكري هذا الجيل المتمرد على التقاليد البالية في كل مناحي الحياة .

استطيع ان اقول انا اميل الى مزاوجة التراث والمعاصرة في اعمالي لحد هذه الساعة، لكن الزمن كفيل بتغيير مسار قواربي الى شواطئ اخرى، من يدرى! وهذه هي لعبة الفن التي تشبه بالضرورة لعبة الوجود والحياة دائما، في صراعها الدائم مابين الثابت والمتغير.

العراق مرّ باحداث صعبة على مستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فهل برايك استطاع الفن العراقي متابعة هذه الاحداث؟

الفن يسعى لتجسيد موضوعة التعاسة والمظلومية التي يعانيها الانسان بسبب عدوانية الانسان الاخر، وعلى هذا الاساس فالفنان يسجل احساسه هو عن تلك المعاناة العامة والخاصة الرازح تحت وطأتها الضعفاء والمستلبين والمسحوقين بسبب شراهة الغير، الفنان واجبه ان يشجب القبح باعتباره احد مظاهر الشر البشري وان يدين العدوان وان يشهر اصابع الاستنكار من خلال اثاره الفنية لمناهضة القبح بكل اشكاله من خلال التأكيد على ابراز قيم الجمال والخير والحب والتبشير بها دائماً .

تقيمين في مدينة هلسنبوري وشاركت في كثير من المعارض التشكيلية، كيف تقيّمين واقع الحركة الثقافية فيها؟

اشعر بالسرور حين احس بانتمائي لدولة جميلة مثل السويد العريقة في مجال الثقافة والفنون، اذ المس منذ قدومي الى هنا التمازج الثقافي والتلاقي الانساني القائم على مبدأ تقبل الآخر ونبذ التمييز العرقي والديني بل اجد اشاعة روح التسامح الوطني هي الاكثر وضوحا على المشهد الثقافي العام.

لذا كانت الفرصة سانحة امامي ومشجعة من اجل انتهازها لغرض تحقيق شهرة لا بأس بها قد تحقق لي بعض طموحي في تحقيق نجومية ولو على مستوى مدينتي الصغيرة . لذا كنت حريصة جدا على حضور اي معرض في المدينة حتى مرة اخذت اجازة من العمل كي اكون مضيفة في صالون الدول الاسكندنافية 2014 وكان هاجسي الاول هو لكي اثبت حضور عربي من خلال كوني إمرأة عربية مهتمة بالجانب الفني الثقافي.

اما هاجسي الثاني فهو ان امثل جيلي في اي محفل وطني او دولي يسنح لي، مما لفت انتباه احد الصحف السويدية لاختياري كموديل امراة محجبة ترمز للتسامح الديني والعرقي، فدعيت من قبل دائرة الثقافة السويدية لانجاز هذا المشروع. ولاول مرة يتم ترشيح موديل ممثل لثقافة التسامح الديني في المدينة من اصول عربية لدعم الثقافات الاخرى القادمة الى السويد.

انا من جهتي كنت ممتنة ومبتهجة وفخورة بهذا الاختيار الذي بعث في نفسي الشجاعة والطموح لكي اكون خير ممثل لبلدي السويد من ناحية الالتزام بالمبادئ الاخلاقية ومراعاة لاهداف هذا التكليف الذي تشرفت به.

لذلك احرص تماما في تعميق ثقافة التسامح ونبذ العنف والتمييز العرقي والديني الذي تكلفت بها وساحملها بشرف وامانة واخلاص وتفان . ومما شجعني اكثر هو نظرات الناس المشجعة والداعمة وهو الذي سيزيد في حماستي وتقدمي في هذا المضمار الجميل . وان هذا التنوع الديني والعرقي سوف يزيد في جمال الامة السويدية وينوع مصادر ثقافاتها لانتاج جيل جديد يؤمن بهذه القيم النبيلة.

12294822_778692125576020_8954666439929447724_n

ماهي الصعوبات والتحديات التي تواجه الفنان العربي القادم حديثا الى السويد، وماهي السبل الكفيلة لاثبات حضوره ؟

اعتقد ان اول الصعوبات هي تعلم لغة البلد الجديد، التي من خلالها يتواصل الوافد الى اي دولة اجنبية مع بيئتها. فمن خلال اللغة يبدأ الانسان بالتأقلم مع ثقافة وعادات وتقاليد محيطه الجديد، وبدون تحقق هذا الشرط يتوقف التسلل للاطلاع على خلفيات هذا المحيط لغرض الاندماج به.

الفنان اذا هو اكثر الناس حاجة للتغلغل مع المحيط ودراسة حضارته من خلال الاطلاع على فنونه وثقافته، الامر الذي يستدعي المرور لتحقيق ذلك من بوابة اللغة التي اصبحت هنا هي المفتاح الذهبي الذي يفتح كل المغاليق والاقفال.

ان الفرد العربي القادم من محيط مغلق تقريبا كالعراق مثلا، يتميز بتشبعه بحمولات ثقيلة من موروثات متأصلة فيه ولغرض تذويبها تدريجيا يحتاج الى عامل الزمن الكفيل باحداث المتغيرات في السلوك دون الوقوع في المحضورات بسبب العقد الاجتماعية التي سترافقه حتما حتى في حالة الشروع بالتأقلم مع مجتمعه الجديد وسيجد مصدات نفسية تحول دون ذوبانه وتلاشيه بسرعة.

الفنان يحتاج الى اتاحة الفرص امامه من خلال اشراكه في الانشطة الثقافية المختلفة ومنها الندوات والتجمهرات الشبابية الايجابية والمعارض الفنية والمسرحيات وعرض الازياء ليجد نفسه عنصرا فاعلا وشاعرا باهميته الشخصية لكي يفصح عن طاقاته الكامنة وتفجيرها عبر المساهمة الفاعلة فيها.

كما ان ارتياده للمعارض والكالاريات المهمة ستسهم في اكسابه مهارات وتكوين علاقات جديدة . الجالية العربية تحتاج ايضا الى دعم حكومي من خلال العناية بترويج نتاجاتها الابداعية عبر المطبوعات الانيقة وتسليط الاضواء الاعلامية عليها، واقتناء منتوجاتها الفنية من قبل سفارتنا العراقية او السفارات العربية والاجنبية لتشجيع مبدعيها ودعمهم ماديا لدفع غائلة العوز والحاجة للانشغال باعمال يومية اخرى لكسب العيش مما يبعدهم عن تحقيق اهدافهم وامانيهم الابداعية . هذه هي بعض الصعوبات ولكنها الاكثر اهمية من ناحية الاعاقة الجدية التي تحول دون تحقيق طموحات المغتربين الشباب.

كم معرضا اقمت عبر مسيرتك الفنية، وماهي اهم الجوائز التي حصلتِ عليها؟

اعتقد ان الفنان الحقيقي لا يهمه الحصول على الجوائز التقليدية وغيرها طالما ان هدفه هو حب الاستكشاف الدائم عبر التواصل والاستمرار في البحث في متغيرات الحياة وبالتالي في مستجدات الفن . لذا لا ادعي اني حصلت على جوائز مهمة طالما لم تكن ضمن طموحي ولا محط اهتمامي، اذ ان لدي ما يشغلني ويملء فراغ وقتي وتبعث نتائجه المرضية السرور في نفسي وتحثني على المثابرة الدائمة لغرض الاستكشاف.

كما لا ازعم اني اقمت معارضاً شخصية مهمة، لكني لا انكر كثرة مساهماتي عبر تجمعات فنية جميلة، فبتّ احرص على المساهمة فيها، لأنها تنطوي على تكوين علاقات انسانية فنية حميمية بعيدا عن روح المغالبة والتفاخر، فكل المشاركات التي تجمعنا يحملن نفس المشاعر والاحساس والاهداف، نحن نعمل عبر هذا المجال لغرض ايجاد انفسنا وتحقيق ذواتنا عبر منجزنا الابداعي، وحتى قضية البيع او الاقتناء لم تكن من اساسيات توجهنا وحساباتنا.

اتمنى ان افوز برضا والدي معلمي الاول الفنان غالب المنصوري والذي لم يبخل عليّ بالارشاد والنصح والتوجيه، سابقا وحاليا واشكر جميع اساتذتي الذين علموني حرفيات عملي، وقدموا لي الدعم والتسديد و كذلك زملاء الدراسة.  


حاورها عمار السبع – خاص بالكومبس