الابتزاز الجنسي في لبنان – والضحايا أو المجرمون من الأطفال

Views : 3492

التصنيف

الكومبس – دولية: قصصُ حبٍ “طفولية” تجمع “صغاراً” يختبرون أولى نبضات قلوبهم قد لا تثير الدهشة، لكن قصة طفل في الثالثة عشرة يبتز جنسياً طفلة تبدو فضيعة، وماذا لو تكاثرت القصص ولم تقتصر على قصة يتيمة.

DW عربية تابعت قصة قد تثير عاصفة.”سمر” (اسم مستعار) طفلة تبلغ من العمر 14 عاماً، عاشت تجربةً مؤلمة مع الابتزاز الجنسي. قصة جرت قبل أيام قليلة وبقيت بعيدة عن الضوء. التقينا سمر مؤكدين حرصنا التام على خصوصيتها، لتنطلق بسرد بوقائع مثيرة. أول الكلام أن علاقة حب جمعتها بزميل على مقاعد الدراسة يكبرها بأشهر قليلة، تطورت سريعاً إلى أحاديث حميمة، وتبادل للصور (العارية) عبر أحد التطبيقات، و”لكن غيرته علي دفعته لتهديدي وابتزازي بنشر صوري”. تتوقف الطفلة عن الحديث باكية. ترفع نبرة صوتها قائلة: “كنت خائفة من بابا إذا عرف يمكن أن يقتلني” !

-هل تخشين والدك أكثر من الفضيحة؟

– “إي أكيد”.

-وما الذي قمت به بعد ذلك؟

-“أمضيت ساعات فضلت فيها الموت والانتحار، وقد أخبرت صديقتي بما حدث، وللصدفة أخبرتني عن حملة “ما يبتزك نحن حدك” فاتصلت بهم، وتمت معالجة الموضوع (يتواصل بكاء الطفلة) أرجوكم لا تذكروا اسمي”. تتوقف للحظات عن الكلام باكية لتختم: “ما بقى بحياتي ممكن عيدها (أكررها). ”

“#ما_يبتزك_نحن_حدّك ”

بعد لقاء “سمر”، حاورت DW عربية الناشطة اللبنانية لطيفة الحسنية، وهي التي أطلقت قبل أيام قليلة حملةً تحت هاشتاغ: “#ما_يبتزك_نحن_حدّك (بجانبك)”. قبل الإجابة عن أسئلتنا تؤكد الحسنية حرصها التام على سرية ما يصل مسامعها، لكن ما بحوزتنا عن قصة “سمر” دفعها للتحدث عن الطفلة التي تواصَلَت معها عبر أحد تطبيقات الهواتف الذكية طالبةً المساعدة. “كانت ترتجف باكية خائفة، لا معلومات كافيةً لديها للتعامل مع حالتها. بعد طمأنتها استمعت إلى تفاصيل قصتها. توسّلَت الصغيرة ألا يعرف والدها فاحترمنا أرادتها لكننا عملنا على خط المُبتز ونجحنا في إنقاذ الضحية من مشاعر سلبية كادت تودي بحياتها.”

تتحفظ الحسنية على ذكر المزيد من التفاصيل، لكنها عبّرت عن صدمتها من قصص مُرعبة وردتها بعيد إطلاق الحملة: “لم أكن أتصور أن حجم المأساة وصل إلى فئات عمرية صغيرة، كأن يكون المُبتز بعمر 13 سنة مثلا ويبتز طفلة من جيله. وأكثر ما استوقفني هو قلق بعض الفتيات من معرفة ذويهم قبل أي شيء آخر”.

ولماذا فكرت بالحملة إلكترونيا؟ تجيب: “بعد تزايد عدد حالات الابتزاز الجنسي الإلكتروني، ووصول الخوف عند بعض من ينالهم الابتزاز إلى حدّ الانتحار، كان لا بدّ من إطلاق صرخة وعي فبدأت الفكرة ببعض التغريدات، ثم فكرت بتأسيس فريق عمل لإطلاق حملة موسعة وتنظيم وُرش عمل لتوثيق أواصر التواصل بين الأهل وأبنائهم”.

الآباء في سلة واحدة؟

في إحدى تغريداتها تتحدث الناشطة الحسنية عن “حالة ابتزاز لفتاة تبلغ من العمر 17 سنة، قام زميل لها بتركيب صور لوجهها على صور عارية. الفتاة تحدثت إلى أهلها، فاستدرج الأبُ الشابَ الذي سبق أن طلب مبلغ 500 دولار أميركي، واتفقوا على موعد وعندها حضرت القوى الأمنية بالتنسيق مع الأب واعتقلوا المُبتَز” .

الحسنية تصف هذه التجربة بـ “التجربة النموذج”، ولدى سؤالنا تتحفظ عن ذكر اسم الأب، لأنه “كما تعلم نحن في مجتمع يعطي للعائلة مكانة، وليس بسيطا على الأهل إقحامهم في مشاركة تجربتهم عبر الإعلام”.

جرى هذا وثمة مزيد

في سبيل السعي للتعرف إلى قصص على صلة بالابتزاز الجنسي كان لا بدّ من سلوك اتجاهين: الأول هو الإفادة من معلومات تصل إلى المراجع الأمنية المختصة بمتابعة قضايا الابتزاز الجنسي، أما الاتجاه الثاني فهو صوبَ الناشطين في الإطار… فسلكنا المسارَ الثاني أولاً وعُدنا إلى الأول؛ لعلمنا المسبق أن في هذا الاختيار قصصُ أبطالُها مراهقون وأطفال لم يتقدموا بشكاوى من الابتزاز إلى الجهات الأمنية، ولعلمنا ثانيا، أن الجهاز الأمني المعني “يُقيده” القانون، وهو ما تؤكده الحسنية بقولها: “الوقائع على الأرض تُبيّن أنّ الفتيات يخفن الحضور إلى مركز أمني وسلوك الطريق القانوني وهذه حقيقةً عقبةٌ كبيرة أما نحن فنتعاطى مع الحالات بحسب إمكاناتنا ومعرفتنا”.

قصص مخيفة أفضى بعضها إلى الانتحار

تعاطي “سمر” مع قصتها يختلف عن قصة طفلة أخرى بعمر 14 عاماً أيضا. الأخيرة أحدثت ضجة كبيرة في محيطها ووصلت قصتها إلى الإعلام بعدما تسبب تسريب صور فاضحة لها من قبل إحدى زميلاتها بإقدام الضحية على الانتحار بسلاح توفر في منزل ذويها.

قصة أخرى وقعت في أواخر العام الماضي، حيث كشفت صحيفة النهار البيروتية عن إدخال​ فتاة لبنانية قاصر مصابة بكسور وجروح في أنحاء جسدها من جراء سقوطها من سطح منزل ذويها إلى أحد المستشفيات، وما لبثت أن فارقت ​الحياة​ “ونتيجة المتابعة أمنيا تبين أن للضحية حساباً خاصاً على ​فيسبوك​ تتواصل من خلاله مع شخص استحصل منها على صور خاصة، وبدأ بابتزازها طالباً منها مبلغ ألفي دولار أميركي، ومهدداً بنشرها” ، حسب الصحيفة.

من بين الضحايا من رضخ للابتزاز، ودفع للجاني مبالغ وصلت أحيانا إلى 5 آلاف دولار أميركي للتستر على “الفضيحة”. ومن الضحايا من قرر المواجهة وتقديم شكوى والاعتراف بالخطأ، لكنّ الأخطر أن يكون المبتز أحد أفراد نفس العائلة. ومن بين القصص هذه، “قصة سيدة تعرضت للابتزاز من شقيقة زوجها”، وقصة “زوج إبتز زوجته وهددها بنشر صورها بسبب خلافات عائلية”.

عصابات وتكرار للجرائم!

مصدر أمني مطلع في وزارة الداخلية اللبنانية، فضل عدم الكشف عن اسمه، قال لـ DW عربية إنه وعلى الرغم من التوعية المستمرة عبر مواقع التواصل، ومن خلال المحاضرات في المدارس لآلاف الطلاب، إلا أن جريمة الابتزاز الجنسي لا تزال تخرق بيوتنا، وتصل إلى غرف نومنا، وتطال الشبان والشابات بخاصة القاصرات”. الملفت أنّ “البعض ممن نُلقي القبض عليهم، يعودون لممارسة نشاطهم في الابتزاز بعد اطلاق سراحهم. فمن يُسجن قد يعيد الكرّة لأن في الأمر كسباً مادياً كبيراً خصوصاً في مجتمع كلبنان يُعلي من شأن العائلة”. حسب المصدر.

وكشف المصدر: “صادفنا حالات كثيرة يكون فيها المجرم واحدا وفي رصيده عشرات الضحايا، فهو يعرف من يطال من طبقات المجتمع، إلا أننا نُلقي القبض عليهم، ونصل إليهم أينما كانوا في لبنان، ولكن ثمة عمليات ابتزاز منفذوها في الخارج، ويشكلون عصابات تبغي الكسب المادي، وأحيانا يكونون من جنسيات أجنبية، نحاول متابعتهم من خلال أجهزة دولية صديقة ” .

القصص تتوالى فصولها، حتى غدت “نسبة جرائم المعلوماتية المتعلقة بالابتزاز الجنسي هي الأعلى مقارنة بغالبية الجرائم الأخرى” حسبما يقول المصدر الأمني رفيع المستوى في وزارة الداخلية اللبنانية.

قصص فردية مخيفة تُسجّل، أبطالها صغار أحيانا، ولكن ثمة ما هو أكثر تشعباً وتعقيدا، وفي كل الحالات يستمر الابتزاز.

خلدون زين الدين- بيروت