الحل قد يخرج من أيادي السودانيين في زحمة الوساطات

Views : 763

التصنيف

بعد أن وصلت المفاوضات بين الجيش وقوى المعارضة في السودان إلى طريق مسدود، استطاعت وساطة أثيوبية أن تقنع الطرفين بالعودة لطاولة الحوار. الآن دخلت الولايات المتحدة على الخط لتبدأ مرحلة جديدة في تدويل الأزمة السودانية.في نفس اليوم الذي انتهى فيه العصيان المدني الذي استمر لثلاثة أيام، بفضل الوساطة الإثيوبية، عيّنت الولايات المتحدة الدبلوماسي المخضرم دونالد بوث مبعوثاً لها إلى السودان. كما اجتمع مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون أفريقيا، تيبور ناجي، مع كل من “قوى إعلان الحرية والتغيير”، وهو تحالف المعارضة الرئيسي، والمجلس العسكري.

وتثير الوساطات الخارجية والمساعي الإقليمية والدولية لحل الأزمة السودانية تساؤلات حول أسباب كل هذه التدخلات، وتأثيرها على التحول الديمقراطي في البلاد.

فقد طالب مجلس الأمن جميع الأطراف بـ”الاستمرار بالعمل معًا من أجل إيجاد حل توافقي للأزمة الحالية”، معربًا عن دعمه للجهود الدبلوماسية التي تقودها دول إفريقية. ودعا لوقف فوري للهجمات ضد المدنيين وشدد على أهمية احترام حقوق الإنسان، وذلك بعد أسبوع من منع روسيا والصين صدور مسودة بيان مشابه عن الأزمة.

“تم تدويل الأزمة والوساطة الخارجية حتمية”
ويرى الخبير بشؤون السودان في مجموعة الأزمات الدولية، آلان بوسويل، أن الملف السوداني “تم تدويله بالفعل نتيجة الدعم المكثف للمجلس العسكري من قبل مصر والسعودية والإمارات”. ويتابع في حديث لـDW عربية: “الوساطة الخارجية للأزمة تبدو حتمية على نحو متزايد”، مضيفاً أن “الاتحاد الأفريقي يقود جهود حل الأزمة، لكنه يحتاج إلى مساعدة واشنطن، لإيقاف التدخل الخليجي بشكل خاص”.

وكانت الإمارات والسعودية قد أعلنتا تقديم دعم مالي قيمته ثلاثة مليارات دولار للسودان، بعد عشرة أيام على الإطاحة بالبشير. كما توالت زيارات مسؤولي المجلس العسكري الانتقالي إلى الإمارات والسعودية في الآونة الأخيرة.

ويعتقد بوسويل أن موعد تعيين الولايات المتحدة مبعوثاً للسودان يعود إلى خوفها من انحسار دورها في هذا البلد. ويضيف لـDW عربية: “حلفاء الولايات المتحدة في السودان كانوا في اضطراب بسبب عدم مشاركتها في الأزمة السودانية”.

“تنافس دولي في السودان”
ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية،عبد الفتاح الفاتحي، أن تعيين الولايات المتحدة مبعوثاً لها في السودان يعكس رغبتها في صنع الملامح السياسية للسلطة المستقبلية وتجاوز الخلافات التاريخية معها، خصوصاً بعد “فشل حلفائها الإقليميين في حل الأزمة”.

ويضيف الفاتحي في حديث مع DWعربية: “اليوم بدأت أمريكا بتنفيذ استراتيجيتها في السودان، خصوصاً وأنها تدرك الاتفاقيات والتحالفات التي تربط السودان مع دول منافسة لها مثل روسيا والصين”. ففي العامين الماضيين زار الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، موسكو مرتين. ووقع البلدان على عدة اتفاقيات تتعلق بتنفيذ مشاريع في السودان في مجالات النفط والغاز والتعدين.

وهو ما فعلته الصين أيضا إذ توصلت إلى عدة اتفاقيات مع السودان على هامش “قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي” العام الماضي، لاستخراج وإنتاج النفط والغاز. وقدمت الصين وقتها 600مليون يوان صيني (90 مليون دولار) كمنح وقروض لدعم مشارع التنمية في السودان.

“تطويل عمر الأزمة”
ويشير الفاتحي، الذي يدير “مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية” في الرباط، إلى أن تدخل العديد من الدول الكبرى والدول الإقليمية في الأزمة السودانية سيطيل عمر الأزمة”. ويوضح لـ DW عربية: “الدول الإقليمية القريبة من السودان، خصوصاً مصر والسعودية والإمارات مقربة من الولايات المتحدة، لكن هذا لا يعني أن روسيا والصين لن تدافع عن مصالحها هناك، وهذا ما قد يطيل عمر الأزمة، هذا إن لم تصل الأمور إلى نشوب حرب أهلية”.

وما عدا الإمارات والسعودية ومصر، فإن دولاً إقليمية أخرى، تراقب الأوضاع في السودان عن كثب، كما يشير الفاتحي، مشيراً إلى قطر وتركيا. ففي نيسان الماضي أّكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن السودان الذي وصفه بـ”قلب أفريقيا”، “تعرض لتدخلات خارجية في جميع شؤونه”.

وكان أردوغان قد زار السودان في عام 2017 وأعلن رغبة بلاده في رفع استثماراتها تدريجياً داخل السودان حتى تصل إلى 10 مليارات دولار، وذلك عندما استلمت تركيا إدارة جزيرة سواكن السودانية، من أجل ترميم الآثار العثمانية فيها، كما تقول تركيا.

“انتظار تسوية خارجية”
وفي خضم التدخلات الخارجية في شؤون السودان، كما يرى الفاتحي، فإن السودانيين سيكونون مضطرين لانتظار تسوية بين الدول الخارجية. ويضيف الخبير في الشؤون الإفريقية: “السودانيون في موقف ضعيف، وأقصد هنا المجلس العسكري والمعارضة على حد سواء، وبسبب الضغط الكبير عليهم فإنهم يريدون أن تكون هناك وساطة لحل الأزمة، لكنهم يعرفون بنفس الوقت أن هناك العديد من الأطماع الأجنبية في السودان”.

ويرى الفاتحي أنه وبالرغم من عدم قبول شريحة واسعة من السودانيين بالتدخل الأمريكي، بسبب الاختلافات الإيديولوجية تاريخياً، فإن أمريكا موقفها أقوى في السودان من الأطراف الأخرى، ويتابع: “تبدو أمريكا أقرب إلى السلطة منها إلى حراك الشارع، وعلى العموم فإن المصالح الأمريكية ستكون ممثلة في أي تصور مستقبلي للسلطة في السودان”.

ويشير الخبير بالشؤون الأفريقية إلى أن “أمريكا تبحث عن زعيم آخر في السودان يحافظ على مصالحها، كما فعلت في مصر، بغض النظر عن المطالبات المتعلقة بحقوق الإنسان وبالانتقال الديمقراطي للسلطة”، ويختم :”همّ الولايات المتحدة هو إيجاد رجال أقوياء في كل دولة من الدول التي كانت تختلف معها في نظرتها السياسية، لأن ذلك سيسهل عليها تنفيذ أجنداتها المستقبلية في المنطقة”.

محيي الدين حسين

المصدر: DW – عربي