الفنَّان التَّشكيلي السُّوري نزار صابور مشبّع بتقنياتٍ وتوهّجاتٍ لونيّة خلَّاقة

Views : 618

التصنيف

الكومبس – ثقافة: الفنّان التَّشكيلي د. نزار صابور في سطور

مواليد سورية، اللَّاذقيّة 1958. خرِّيج كلِّية الفنون الجَّميلة، قسم الرَّسم والتَّصوير، دمشق 1981. حائز على دكتوراه فلسفة في علوم الفنِّ، موسكو 1990. عضو الهيئة التَّدريسيّة في كلِّية الفنون الجَّميلة، جامعة دمشق. أستاذ في الجَّامعة الدَّوليّة الخاصّة للعلوم والتَّكنولوجيا، غباغب، سورية.

الكومبس – ثقافة: الفنّان التَّشكيلي د. نزار صابور في سطور

مواليد سورية، اللَّاذقيّة 1958. خرِّيج كلِّية الفنون الجَّميلة، قسم الرَّسم والتَّصوير، دمشق 1981. حائز على دكتوراه فلسفة في علوم الفنِّ، موسكو 1990. عضو الهيئة التَّدريسيّة في كلِّية الفنون الجَّميلة، جامعة دمشق. أستاذ في الجَّامعة الدَّوليّة الخاصّة للعلوم والتَّكنولوجيا، غباغب، سورية.

أقام أكثر من ستِّين معرض في كلٍّ من سورية، لبنان، الأردن، مصر، البحرين، الإمارات، الكويت، السُّعوديّة، تونس، روسيا، أميريكا، فرنسا، سويسرة، ألمانيا، إيران، تركيا، اليونان، بنغلادش والصِّين … حملت معارضه العناوين التَّالية:

"جسدٌ يهوي فتنهره الرّوح، بوّابات الرّوح، عن الحبّ، حياة في الرّماد، عن دمشق، عنترة زماننا، سعادة ما أمكن، جدران تدمريّة، حتّى الحرب لها حدود، باريس دمشق: رؤى متبادلة، كرسي ولوحة، الفنّ السُّوري اليوم، جدران السّعادة، النِّساء والحرب، الفنّ العربي المعاصر، أيقونة تدمريّة، لك ولي، أيَّام شاميّة" ..

حصل على عدَّةِ جوائز منها، "الجَّائزة الأولى في التَّصوير، بينالي المحبَّة الأوَّل، اللَّاذقيّة، سوريّة، شهادة تقدير، بينالي الشَّارقة الثَّاني، الشَّارقة، الجَّائزة الأولى بالتَّصوير، ملتقى دبي العلمي للفنون، دبي، وجائزة بينالي طهران 2006 .. وغيرها من الجَّوائز".

أعمال الفنّان موجودة في "المتحف الوطني وقصر الشَّعب، سورية، المتحف الوطني الأردني، عمان ــ الأردن، متحف البحرين، متحف الشَّارقة، مؤسَّسة كندة، مؤسّسة إعمار، متحف فنون شعوب الشَّرق، موسكو، روسيا، صالة أوسكار، واشنطن، وفي مجموعات خاصَّة موزَّعة في العديد من دول العالم".

*****

أتابع الفنّان نزار صابور منذ ثمانينات القرن الفائت، فهو مشبَّع بقدرات وطاقات لونيّة راقية في ترجمة أفكاره ورؤاه الخلَّاقة على بياض اللّوحة، جانحاً نحو الفرح والسَّلام والسَّعادة والأصالة والتَّجديد، مستمِدَّاً أفكار لوحاته من وقائع الحياة وتجربته الرَّحبة في الحياة. يرسم لوحته برويّةٍ كبيرة، وبأسلوبٍ بديع من حيث البناء الفنِّي والتَّناغمات اللَّونيّة والتَّرميزات المعبّرة، النَّابعة من أعماقه، مجسِّداً عوالمه وآفاقه الفنّية الفسيحة، كي يقدِّم كلّ هذا الجَّمال الرَّاقي لإمتاعِ عينِ المشاهد.

تواصلتُ معه في الآونة الأخيرة، فأبدى إستعداده برحابة صدر لهذا الحوار:

د. نزار صابور،

منذ فترة، أرفض الِّلقاءات الصّحفية والتِّلفزيونيّة، لاعتقادي أنَّ الوقت غير ملائم، فأمام الموت والدَّمار، لا قيمة لشيء وأنا القائل: الحياة أقوى، وستمضي بكلِّ الأحوال!! لكنِّي، أرى الحديث عن الفنّ، ضرب من الكماليات في غير مكانها ونهر الموت يجري في بلدي ..! أعيش حالة انتظار، انتظار النّهاية، نهاية كلّ هذا الجُّنون، لنعود الى الحياة!.

لكن بناءاً على طلب الأستاذ الأديب الفنّان صبري يوسف أعود الى اللِّقاءات الصّحفيّة.

1. كيف ترعرعَ عبورُكَ في عوالم اللَّون إلى أنْ شعرْتَ أنَّ لا فكاك منه، إلَّا بالارتواءِ من متعةِ العبورِ في أعماقِه السَّاحرة؟

– هذا العبور أسمّيه "تكريس"، تكريس الحياة للفنِّ، كما يفعل رجال الدِّين، وآخرون ..، ومع ذلك يمرُّ بفترات "مارقة" غير خاضعة للرقابة التَّامّة!

تلميذ يحبُّ الرَّسم، يتابع شغفه دون مشرف أو مساعد، لا يفكِّر كثيراً بالتَّفاصيل! يسافر الى العاصمة للدراسة الجَّامعيّة في كلّية الفنون الجَّميلة ويعمل باجتهاد تلبيةً لشغفه … وهكذا مع مرور الوقت حدث كلّ شيء، مع متاعب ومتع دون نهايات، وتشعر بأنّك متورّط!!! لكن لا خلاص! فحياتك أصبحت له – الفنّ.

2. متى ترتوي من متعةِ مشاهدةِ اللَّون، أمْ أنَّكَ تزدادُ عطشاً كلَّما تغيبُ عنكَ بهجةُ تجلِّياتِ الألوان؟!

– العلاقة مع الألوان والأفكار يوميّة، لحظيّة، فتكريس الحياة للفنِّ يصبح كلّ شيء، فمن خلاله: العمل، الأصدقاء، السَّفر وسبل الحياة، فهو إذاً منظومتك المحيطة بك! والَّتي تعيش من خلالها. لذلك لا يوجد ابتعاد بالمعنى العميق، أحياناً يوجد ابتعاد عن التَّنفيذ، تنفيذ العمل على حامل الألوان والأفكار.

3. لديك نزوع عميق نحو الحرّيِّة والمساحات الفسيحة، هل للبيئةِ دورٌ عناقيّ في هذا النُّزوع المتوَّج على أجنحةِ اللَّوحات؟

– عندما بدأت أخرج الى الطَّبيعة للرسم في بداية سبعينات القرن الماضي، لم يكُنْ لديّ أستاذ أو مشرف، كان معلمي هو الإحساس! وألبومات لفنّانين سوفييت، أهداها لي أخي الَّذي درس هناك. لذلك انطبعت بداياتي بالحرِّيّة، ما طبع حياتي الفنِّيّة كلّها.

4. يتأثَّر كلّ فنّان بفنَّانين آخرين، خاصَّة في البدايات، كيف تخلّصْتَ من عباءة الفنّانين الَّذين تأثَّرْتَ بهم، وأسَّسْتَ لنفسِكَ أسلوباً صابوريَّاً خاصَّاً بعوالمكَ المنسابة معَ آفاقِ تطلُّعاتِ طموحِكَ وخيالِكَ الإبداعي؟!

– كنت دائماً ضدّ مفهوم الأسلوب بمعناه "الحازم" – مجموعة من المفردات والعناصر والحلول الفنِّيِّة تتكرَّر بآليّة واحدة، وحلول واحدة! وهذا ما لاحظته مبكراً في التَّشكيل السُّوري، كيف يكتشف الفنَّان حلَّاً ما ويأخذ بتكراره الى ما لا نهاية. لكن دائماً لا بدّ من خصائص ذاتيّة في مجمل التَّجربة، رغم تنوُّعها وتعدُّد مواضيعها وتقنياتها. وهذه الخصائص قد تكون "منتمية" – كما نريد – الى المكان والزَّمان.

مِلْتُ دائماً الى الاعتقاد بضرورة "الانتماء" في الفنِّ، أمَّا العولمة فيه، غير مفهومة تماماً عندي.

تأثَّرت من بداية تجربتي – والى الآن – بكثير من الفنَّانين العرب والآخرين أمثال: فاتح المدرس وجواد سليم، والرُّوسيَّين: أندريه روبلوف وميخائيل فروبل، المكسيكي روفينو تامايو، واليوم أسعى لمشاهدة ما يمكن من التَّجارب البشريّة، وأحبُّ منها أحياناً لدرجة التَّأثُّر.

غريزة الإبداع البشريّة – واحدة عند الجَّميع – ولا أعرف عبر عصور تواجد الإنسان أنَّها تغيَّرت!!! سوى بوسائل إظهارها! لذلك قد تشبه تجربتك تجربة فنَّان من "تل براك" السُّوري قبل 5000 سنة، وأنت لا تعرفه، ولا تعرف ما أنتج، وقد تشبه فنَّاناً إيطاليَّاً معاصراً، تعرَّفت إليه بالصُّدفة!

الغريزة الإبداعيّة البشريّة، واحدة، تظهر بأساليب تنتمي للبيئة والعصر.

5. كيفَ يطوِّرُ الفنّان فضاءات تقنياته الفنِّية عبر تشكيلات لونيّة متجدِّدة ويبقى محافظاً على خصوصيّة وفرادةِ عوالمه؟!

– كنتُ أتساءل دائماً: هل يتطوَّر الفنّ أم التَّقنيّة؟ مع الزَّمن، أعتقد كلَّ شيء يتطوَّر بمرور الوقت وحركة الحياة، لكنّ الفنّ! الفنّ هو الفنّ، قد تبدو أعمال فنِّيّة قديمة أعمالاً معاصرة! وهذا جمال الفنّ، التَّقنيّة نعم تتطوَّر، آليّة التَّفكير تتطوَّر، المدخل الى العمل يتطوَّر، ووظيفة الفنّ تتغيّر.

تقنيَّاً، أحبُّ التَّجريب، و كنت غير مقتنع – كما ذكرت سابقاً – كيف يكرِّر الفنَّان حلولاً فنِّيّة اكتشفها لسنوات طويلة، فحاولت تجريب كلّ ما يمكن! ما يحافظ على الخصوصيّة، بعض آليات التَّنفيذ، والحساسيّة الذَّاتيّة، وكلّ ما ينعكس من مسامات الرُّوح على سطح العمل.

6. هل تقفُ أحياناً مذهولاً أمامَ بعضِ لوحاتِكَ وكأنّ انسيابيّة تدفَّقاتها، انبعثَتْ بإيقاعٍ باهر لا يمكن أن يتكرَّرَ أبداً؟! وعندما ترسم، هل يصاحبكَ شرودٌ ما، خاصة لو كنتَ تسمعُ إلى موسيقى جامحة، فتنسابُ ألوانُكَ من خلال تدفُّقات أبهى التَّشكيلات من اللَّاشعور الضُّمني المبدع؟!

– يحدث أحياناً، كما وصفتَ بجمالٍ ضمن سؤالك: "وكأنّ انسيابيّة تدفُّقاتها انبعثَتْ بإيقاعٍ باهر لا يمكن أن يتكرّرَ أبداً". من عدّة سنوات حاضرتُ في الجّمعيّة العمانيّة للفنون – في مسقط – حول نقطة تلامس هذا الموضوع، عن العلاقة بين الشُّعور واللَّاشعور في تنفيذ العمل الفنِّي، عن الشُّرود والسَّلطنة!! وما آليّة هذه الحالات؟

لكلِّ فنَّان طقوس في عمله، أحاول تجهيز وترتيب المرسم، وأبدأ بتحضير المواد المستخدمة ووضعها على سطح القماش، وتجفيفها، وأبدأ بالطِّباعة، وأعود مرَّات عديدة ومرّات. ثمَّ بعد أيَّام، أضع العمل أمامي، لساعاتٍ أو لأيَّامٍ، وقد تأتي لحظات تنسى كلّ شيء، الإحساس بالمكان والزَّمان، المعرفة، آليات العمل … كلّ شيء كلّ شيء، و كأنّك أنت والعمل بتوحُّد تام، ثمَّ تعود خطوة الى الخلف وتصرخ: يا إلهي ما هذا!!! آليّة أخرى لم تتوقّعها، هي نتاج المعرفة الظَّاهرة وكنوز اللَّاوعي المخزَّنة تحت طبقات الرُّوح.

7. كيف ترسم اللَّوحة، من خلال فكرة، كروكيه، تخطيطات معيّنة، أم من خلال ومضة إشراقيّة خاطفة؟!

– مع الزَّمن تغيَّرت كثيراً بوقوفي أمام اللَّوحة وتنفيذي لها!

كانت الأفكار، المستقاة من الواقع والأسطورة، تُحضّر إمّا بتخطيطات أو بالمخيَّلة، وأقف أمام اللَّوحة وأُفرّغ الشُّحنة مرّة واحدة، مهما امتدَّ الزَّمن، فللعمل وقته الخاصّ، ومكان تنفيذه الخاصّ، ولا يقبل زمن آخر، حيث يتغيّر كلّ شيء، من تفاصيل المادّة الى تفاصيل المزاج والحساسيّة!

لكنِّي مع الوقت، أصبحت أتقبَّل أفكاراً أخرى لم أفهمها سابقاً، وما كان بعيداً أصبح قريباً، فمراحل تنفيذ العمل تستغرق وقتاً طويلاً، وبالتَّالي من الممكن البدء بأكثر من لوحة في نفس الوقت، وهذا كان من المحرّمات سابقاً، وهكذا كلّ شيء قابل للتغيير.

8. الإبداع حالة استثنائيّة لدى المبدع، غير موجودة لدى الإنسان العادي، ما هي الحيثيّات الَّتي يركن إليها المبدع؟

– يركن المبدع الى عدّة أمور قد تُميّزه عن الآخرين، حساسيته الخاصّة تجاه الحياة والطَّبيعة، رغبته الخارقة بالإنتاج الغريزي " كشجرة المشمش" اهتمَّيت بها أو لا فإنّها ستزهر!، وتطوير آليات التَّعبير عن موقفه في الحياة. وهذه الأمور الثَّلاثة قد تتواجد عند الجّميع بسويَّات متفاوتة، لكنَّها عند المبدع تكون أكثر حِدَّةً.

9. كيف يتعمِّق لدى الفنّان تذوّقَ الجَّمال، الرّؤيةَ الخلّاقة، تجلّياتِ الرّوح، جموحَ الخيال، ويترجمها على رحابِ اللَّوحات؟!

– تذوُّق الجَّمال، غريزة بشريّة، بإعتبار الفنَّان أكثر حساسيّة، فإنّها تتفاعل معه بشكل مغاير قليلاً، لكن الجَّمال نفسه متغيّر بالزَّمان والمكان، بالرُّغم من ثبات "الجَّمال الإنساني"، وليس مواصفاته!

لكنّ الجَّمال الفنّي، شيء آخر، أعتقد! فالفنُّ كما إيماني به، هو اقتراح لجمالٍ غير متعارف عليه! والملاحظ، كيف نرفض الجَّديد بداية ثمَّ ندخل غواياته! هل هذه الرُّؤية الخلاقة؟ قد تكون! ومع تقدُّم التَّجربة، تصبح اللُّغة الفنِّيّة والرُّؤية الخاصّة حاسمة في حمل تجلِّيات الرُّوح وبثّها في العمل.

10. ما رأيكَ بترويج ثقافة السَّلام والحبّ والفكر الإنساني الخلّاق عن طريق مبدعي ومفكِّري العالم، لتأسيس فكر إنساني موحّد عبر هذا المثلَّث الرَّاقي الَّذي سيقودُنا إلى حلِّ الكثير من مشاكل البشر؟!

– أعتقد جميع الفنون بجوهرها تدعو الى السَّلام، وتطوُّر الثَّقافة والفنون، وإنشاء مؤسَّسات كاملة لدعمها وتقديمها خلال قرون من حياة البشريّة، دليل أهمِّيتها في الحياة البشريّة "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان". يدين الفنّ الموت والبشاعة ويدعو الى الحبِّ والسَّلام، لكن السُّؤال الملحّ، ماذا قدَّمت الثَّقافة السُّورية بخبرتها المتواضعة، خلال العامين والنّصف الأخيرين؟ كلّ ما عُمل من قصص وأشعار، مسرح وموسيقا، لوحات و تماثيل، دراما تلفزيونيّة وسينمائيّة، هل ردّت الموت عن صدورنا؟ هل حمتنا من الموت؟.

11. هناك رمزيّة في لوحاتكِ، يصعب أحياناً الدُّخول في مغاليقها، كيف تترجم أفكارك عبر رموزك وتقدِّمها للمشاهد؟!

– منذ الوعي الفنِّي، وأنا أكرِّر عبارة – بأنّ الغموض جانب أساسي في اللَّوحة، وبقدر ما هي مباشرة، بقدر ما تفقد قيمتها التَّأثيريّة مع الزَّمن!!! واليوم أنظر للفن المعاصر وأراه "بمجمله" شديد الوضوح! وكأنّه يُركّز على تفاصيل التَّفاصيل

عام 2011 حين مشاركتي في بينالي فينيسيا، قال لي صاحب صالة للعرض في إيطاليا، بأنَّ أعمالنا رمزيّة – غير واضحة الفهم! فقلت: نعم هل نحن أمام مفهومين للفن؟ هل الرَّمزية جزء أساسي من الشّرق؟ وهل ارتباطنا بالمفهوم العام للأشياء جعلنا نبتعد عن تفاصيلها؟ وهل نحن ظلال الحياة في الأرض؟ كما ترى، ما زلت أكرِّر عبارتي تلك منذ أكثر من أربعين سنة!

رفضت دائماً استخدام الرُّموز المتعارف عليها، لكنّي أقترح رموزاً فيها التباس! الدَّائرة السَّوداء – على سبيل المثال، في تجربة "سعادة ما أمكن"، هل هي – شمس سوداء؟ ببساطة لا، كانت بطلاً أساسيَّاً في التَّجربة، الّتي أردت فيها أن أبتعد عن العناصر المعروفة في العمل! .. وهكذا، هناك بعض الرُّموز المتداولة، لكن على الفنَّان اقتراح رموزه!

وتقبَّل المتابع لهذه الرّموز، أعتقد بالتَّدريب تصبح أقرب لتفهم آليات العمل، والتّساؤل!

12. ترسم الكثير من الأشكال والشُّخوص عبر التَّجريد، هل ترى أنَّ الفنّان يأخذ امتداده الفنِّي الفسيح عبر التّجريد؟!

– التَّجريد – ليس ظاهرة عابرة ! التَّجريد أساسي في الفنِّ بكلِّ تجلِّياته! هو الذِّهاب بالشَّكل إلى اختزاله الأقوى، وشحنه بالطَّاقة بالقدر الأعلى!

هو ليس مدرسة فقط! بمعنى المدارس الفنِّيّة – الَّتي تدرّس لطلاب الفنون، هو جوهري في الفنِّ، استمرّ منذ وجود الإنسان إلى اليوم، هو تكثيف للرؤية وساحة للتعبير لا تنضب، والأهم له تجلِّياته المبتكرة في كلِّ زمان ومكان.

13. هل توافقني الرَّأي أنَّ الشِّعر والرَّسم وجهان لعشقٍ واحد هو الإبداع، هل ممكن أن تستوحي من الشِّعر لوحةً ما؟

– أعتقد للشعر جبهة عريضة للتعبير، تتجاوز الرَّسم، يستطيع الشَّاعر التّعبير عن كلِّ شيء بعمق وتجريد، ولغة الشّعر أشدّ تعبيراً من لغة الألوان وأكثر خطورة، فللكلمات معاني!.

اشتركا عبر التّاريخ معاً، وأثّرا ببعضهما البعض، وبدوري استوحيتُ من بعض الأشعار أعمالاً لي، منذ تخرُّجي من كلّية الفنون الجَّميلة – من أسطورة جلجامش، الى تجربتي "عن الحبِّ -2001، واستلهام "جدارية" محمود درويش، وتجربتي حول "عنترة وعبلة"-2005 الى "المتنبِّي مالئ الدُّنيا وشاغل البشر" مؤخَّراً.

14. تعمل مثل النَّحل لاستخلاص العسل، صبور للغاية، وقد جاءت كنيتكَ الصَّابوريّة متوَّجة لشخصيَّتِكَ الصَّبورة صبر الطَّامحين إلى تربُّعِ القممِ الفنّيَّة، من أين تستمدُّ كلّ هذا الصَّبر الدَّؤوب في هذا الزَّمن المغلَّف بالأسى والأنين؟!

– محبَّتي للفنِّ جعلتني مخلصاً له، اعتقدته دائماً طريقة للحياة، وطريق للخلاص، تحتاج الى التَّضحية، وتكريس كلّ شيء له! فأعطيته كلّ اهتمامي، وكنت آمل بأنّه درع ضدَّ الشُّرور البشريّة، نستطيع باللَّوحة محاربة الخوف والبشاعة، فهل صدقت أنا .. اليوم؟!

لم أكُنْ صادقاً، للأسف لا شيء يقف أمام البشاعة والخوف والموت، وهل "قتلتك يا موت الفنون"؟!

لم يرأف بنا أيّ شيء، لا ثقافة ولا ماضٍ، لا سعي ولا تطوُّر، وكأنّ هذا الإنسان – الوحش لا يتطوَّر، مولعٌ أبديٌّ بالدِّماء!

15. أنتَ خرّيج كلّية الفنون الجَّميلة، قسم الرَّسم والتَّصوير من جامعة دمشق، ماذا منحتكَ دراساتك الفنّية في دمشق؟

– دراستي في دمشق منحتني المعرفة والمهارات الأوليّة اللَّازمة، لكن أستطيع القول بعد مرور كلّ هذا الزَّمن، بأنّها منحتني "الحماس" اللَّازم لإكمال الطَّريق. في دمشق تعرَّفت والتقيت بأصدقاء وفنَّانين وأماكن، أغنت حياتي.

16. بعد دمشق، تابعتَ دراسة دكتوراه فلسفة في علوم الفنِّ في موسكو، كيف تلخِّص ما أضافته لك موسكو إبداعاً فنِّياً؟!

– في موسكو تعرَّفت على نفسي، وعلى موهبتي. وتعرَّفت على مدرسة فنِّية عريقة – المدرسة الرُّوسيّة – السُّوفييتيّة، وتعرَّفت على فنون العالم، الَّتي سعت الى موسكو وقتها "البيريسترويكا"، وعرضت الى جانب فنَّانين معروفين وتعرَّفت عليهم عن قُرب، مثل: فرنسيس بيكون، جان تانغلي، هيربيرت وجورج … وآخرين.

17. قدَّمتَ الكثير من المعارض في دول العالم، سورية، لبنان، الأردن، مصر، البحرين، الإمارات، الكويت، السُّعوديّة، تونس، روسيا، أميريكا، فرنسا، سويسرة، ألمانيا، إيران، تركيا، اليونان، بنغلادش، الصِّين، ماذا أضافت لك هذه المعارض؟!

– المعرض هو تعريتك أمام الآخرين، هو حياتك السُّريّة وكيف تنتشر وتصبح للعموم!

أضافت لي المعارض "لذَّةً ما"، حياةً مادِّيّة، وأيضاً كثيراً من الألم. لتبدع لا بدّ من الألم، ليس فقط ألم الجسد: الظّهر واليد والرَّأس، بل وألم الرُّوح!

أعترف لأوَّل مرّة، في لقاء صحفي، بأنَّ الفنَّ مرافق للعزلة والآلام، لتُبدع عليك التَّنحِّي جانباً أي أن تنعزل! و هذا ما يؤثِّر على أجزاء حياتك الأخرى، العائلة، المجتمع … وهنا لا أتكلَّم عن الشُّهرة – الَّتي لا أحبُّها!

18. العمر ـــ الزَّمن! ماذا يعني لكَ العمر: الزَّمن الَّذي نعيشه في سياق الإبداع والفنِّ والأفكار الخلَّاقة؟

– العمر …! فعلنا كلّ شيء ممكن لنعمّر! العمر للبعض هو النُّضوج وتسليم الأسلحة، والرّكون لما جمعناه من معارف وخبرات وأصدقاء، .. والآن وقت الاستمتاع والقطاف!

العمر … بالنّسبة لي – همٌّ دائم، هل لأنِّي في الشَّرق المحترق؟ أم لأنِّي هكذا من طينةٍ أخرى؟ العمر … هو الأولاد، الحياة والاستمرار، وهو الاكتشافات المستمرة في الفنّ.

19. مُنِحْتَ عدّة جوائز ولوحاتكَ معروضة في عدّةِ متاحف، ماذا تعني لك الجّائزة وعرْض لوحتكَ في متحفٍ بديع؟!

– الآن لا تعني لي شيئاً، سابقاً عنت لي: التَّقدير لجيلي ولتجربتي، والآن ما أريده هو: الحفاظ على الحياة .. والإستمرار!! عندما كنت صغيراً، كانت أحلامي كبيرة، وعندما كبرت، أصبحَتْ صغيرة!!!

حوار صبري يوسف ـــ ستوكهولم

كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم

المزيد من الصور.. أنقر هنا