طائِر تِشرينْ ـ من أبو غريب إلى المنفى

Views : 1256

التصنيف

الكومبس – ثقافة: صدر هذا الكتاب عن دار نشر أپيك في سبونگا ـ ستوكهولم/السويد (أوكتوبر 2019) للمؤلف د. منهل سيرت وهو كتاب سيرة ذاتيّة كُتِبت بإسلوب أدبي شاعري ومتفرّد حيثُ يُمثل الكتاب رواية حياتين متوازيتين في مضمونهما الإنساني والسياسي واللتان عاشمهما المؤلف فعلياً.

 الأولى كانت في سجون العراق، السجن الصغير في أبوغريب والتي إستمرت 45 شهراً والسجن الأكبر في العراق كُلُه حيثُ كان النظام يُقسم المجتمع إلى فئتين؛ مع أو ضد النظام والتي إنتهت بمغادرة المؤلف العراق في عام 1991. والحياة الثانية كانت في المنفى حيثُ رُفضَ طلب لجوئه السياسي في دولة كانت تٌمثّل إحدى أفضل الدول الأورپية في صون حقوق الإنسان المُضطهد سياسيا في بلده الأم. تداعيات ذلك الرفض كان قاسياً جداً على نفسيّة وروح المؤلف المجروحة أساساً في الوطن الأم، فكان شعوره عارماً بالغُبن لا سيّما وأن قضيته لمّا تزل تُمثل تطابقاً تامّاً لما جاء في إتفاقية جنيف حول تعريف اللاجئين السياسيين.

ضمن هاتين الحياتين والتداخل فيما بينهما إستعرض د.سيرت أهم لحظات حياته في السجن والمنفى مع التركيز على المواقف الإنسانية والسياسيّة في فواصل هامّة من الأحداث لاسيّما في العراق وذلك من منظور مُراقب موضوعي إنغمس لحد الموت في هذه الأحداث وبذلك صار شاهداً صادقاً وناقلاً دقيقاً لها.

يستعرض الكتاب سنوات السجن في أبو غريب والتي كانت في ثلاثة مراحل:

  1. الإعتقال والتحقيق والتي دامت تقريباً سنة كاملة  تنقل فيها في مواقف الأمن والإستخبارات العديدة في بغداد لغرض التحقيق، وصولاً إلى محكمة الثورة حيثُ تمّ الحكم عليه بالسجن المؤبد.
  2. فترة السجن في قسم الأحكام الخاصّة والتي دامت حوالي 16 شهراً حيثُ مكث مع رفاق السجن في زنزانات بمُعزل عن العالم والحياة والشمس وبدون مقابلة الأهل والأصدقاء وبدون القراءة أو الكتابة أو حتى حديث سوى الهمس.
  3. فترة السجن في قسم الأحكام الخاصّة أيضاً والتي دامت 17 شهراً كمساجين كان يُسمح لهم بمقابلة الأهل والأصدقاء مرّة واحدة كل 3 أسابيع، وكان يُسمح لهم بالقراءة والكتابة (تحت المراقبة الشديدة من أفراد الأمن)، والتي إستمرت حتى إطلاق سراحه بعفو عام مشروط وذلك لحاجة العراق لمقاتلين في حربه مع إيران.

ويستعرض الكتاب بشكلٍ موازٍ السنتين الأوليتين له كلاجيء في السويد لغاية حصوله على العمل حيثُ يطرح بأسلوب أدبي مؤثّر المصاعب النفسية والحياتية في بلاد يطبع البرد علاقات المجتمع الجديد مع اللاجئين، الذين دأب معظمهم للحصول على الإحترام والإنتماء في بلد صار وطناً بديلاً كما يُفترض سيّما وقد حرق مُعظمهم مراكب العودة لوطنهم الأم.

يقع الكتاب في 223 ورقة من حجم A5 ويتضمن 36 فصلاً مقسومة بين السويد والعراق على التوالي. لغة الكتاب العربية والسرد فيها مُركّز ومباشر ويُظهر مواقف الإنسان بشكل عام بدون بطولات زائفة وحيثُ تكون البطولة الوحيدة إن صح التعبير هي في الصمود دون التلوّث. تبدأ كل فصول الكتاب بأبيات شعرية كتبتُ مُعظمها في فترة السجن الثالثة أو من إقتباسات لشعراء عرب وعالميين، تكوّن مدخلاً لموضوع الفصل.

الهدف من نشر الكتاب هو مشاركة القاريء أولاً لتلك الظروف التي عاشها المؤلف والتي كانت تُمَثّل مفاصل مهمّة من تأريخ العراق، والتي تأسس عليها وإستمرّ بعدها إنحطاط العراق بكل مآسيه المُستمرة لغاية اليوم. وثانياً لتقديم تجربته المُعاشة كلاجيء كان ممنوعاً عن العمل والدراسة لحين الحصول على الإقامة الدائمة، مع إستعراض مصاعب العيش كلاجيء في الوطن البديل وصراعه للتأقلم في محيط غريب.

د.منهل سيرت

عن المؤلف:

ولد د.منهل سيرت في مدينة الموصل/ العراق، وأقام في السويد منذ سنة 1991. حصل على البكالوريوس من جامعة الموصل 1977 والماجستير في علوم الأرض من جامعة بغداد عام 1982 وكان الأول على دفعته. أعتقل بعد ذلك ثم حكم عليه بالسجن المؤبد من قبل محكمة الثورة حيثُ سُجن في قسم الأحكام الخاصّة للسياسيين في سجن أبو غريب ثُمّ أُطلق سراحه بعد صدور عفو عام مشروط في 1986 بعد أن أمضى 45 شهراً في السجن.

ترك العراق بعد حرب عاصفة الصحراء ولجأ للسويد. حصل على شهادة الدكتوراه في علوم الأرض من جامعة أوپسالا العريقة عام 1999، ثُمّ عمل في جامعات عديدة في السويد وأميركا والأردن وألمانيا وأخيراً في أبو ظبي. كما عمل بعد ذلك كخبير نفطي في شركة شلمبرجر العالمية وشركة الأعمال البريّة لأبو ظبي. عاد للعمل في السويد في شركة ڤاتّنفال للطاقة البديلة ويعمل الآن كخبير جيولوجي ومستشار في شؤون الطاقة والطاقة البديلة. له ثلاث كتب علمية منشورة، وأكثر من 40 بحثاً علمياً منشوراً في المجلات العلمية المتخصصة.

في الفن والأدب المُعاصر، فهذا هو كتابه الأول، وله كتاب شعري آخر بإنتظار النشر. له عدة مقالات في الأدب والسياسة نُشرت على مواقع التواصل الإجتماعي المُختلفة. تُرجمت فصول من كتابه هذا للإنگليزيّة وهي قيد النشر. أقام أكثر من معرض فنّي للرسم في مدينة أوپسالا وإقتنيت إحدى لوحاته الفنيّة  للمكتبة العامة في مدينة أوپسالا.

مقتطفات من الكتاب:

“جاء نوفمبر وإختفى عُرس الألوان في الشجر، وصار الليل يُخيِّم في الثالثة والنصف بعد الظهر. أمّا الثلج فكان ينهمر بشراسة ليقتل الظلام فتصنع إلتماعاته دروباً من الفضّة نُميّز بها طُرقاتنا بين الشجر العاري نحوغرفنا الدافئة. في خِضَم هذا البرد والعُتمة أمست كريستينا شمعة تضيء لي عُتمة المكان وتجعل المستقبل أزهى وأجمل … كانت أصابعها الحانية تتلمس الخدود الغائرة في ظهري وتتسائل عن ماهيّة أولئك البشر الذين ينحتون خرائط القهر والعذاب على أجساد الرجال؟”

“وحين دفعني إلى داخل الزنزانة بعد أن فكّ وثاقي ورفع العصابة عن عينيّ لم أصدّق ذلك المنظر! كانت الأجساد المُتفصدة عرقاً تقف عارية إلّا من السراويل الداخليّة تُبَحلِقُ بالقادم الجديد! رجال كانوا بأعمارٍ مُختلفة صارت تُحدّق فيّ وأنا منذهل من غرابة بل بشاعة الموقف.”

“تكلمتُ عن مشاريعي في السويد التي لم تبدأ بعد .. تكلمتُ عن تلاقح وتكامل الحضارات وحلم الإنتماء من جديد .. كنت كمن يهذي عندما ذكرتُ “الحوتة و أبوغريب” وإنتهاك إنسانيتنا اليومي وفي كل لحظة في سنوات البؤس والموت البطيء تلك .. وعندما ذكرتُ أمي وعائلتي هناك في الوطن المستباح إختنقتُ بعبراتي ولم أستطع الإستمرار.”

“هل تعلمين كيف يمكن أن يعيش المرء مع ثلاثين فرداً في خمس أمتار مربعة ودرجة الحرارة تزيد عن الأربعين؟ وهناك متر سادس هو مرحاض فيه صنبور للماء لا يجري الماء فيه إلاّ لملء سطل صغير وحيد ولكن فقط عندما يسمح بذلك سجّانونا. كُنّا نشرب من ذاك السطل أيضاً .. كُنّا نتنفس هواءً مُشبّع بالعرق والبول والغائط وكان دبقاً وكأنّه هُلامٌ قابلٌ للتقطيع.”