عدنان ومحمد الجر ينشأن فرقة هيب هوب (راب) في كالمار: نقدم فناً يعبر عن محنتنا وينشد الأمل

التصنيف

الكومبس – كالمار: حلم كان يراوده منذ الصغر وهو يشاهد البرامج التلفزيونية الغنائية والتمثيلية، ويخطو خطواته الأولى في مدرسة (زنوبيا) الابتدائية، أن يصبح في يوم من الأيام ممثلاً مشهوراً، فانتقل مع عائلته محتضناً حلمه من حي (الخالدية)، الذي ولد فيه عام (1995)، إلى حي (الوعر) في مدينة (حمص) السورية، ليفقد بعدها وهو في العاشرة من عمره أعز الناس على قلبه، والده الذي كان يرعاه ويشاركه حلمه ويرسم له مستقبله.

 تحول الفتى (عدنان كنعان الجر) في مرحلة الدراسة المتوسطة، من القيام بتقليد الفنانين إلى المشاركة في النشاط المدرسي، ليقدم مع زملائه الطلبة أعمالاً مسرحية عديدة، ولم تثنه دراسته للتجارة في المرحلة الثانوية في مدرسة (عز الدين القسام)، عن الانتساب إلى معهد لتعليم فنون التمثيل المسرحي لسنة واحدة، وراح يحث الخطى نحو تحقيق حلمه المرتجى، وفي هذه الأثناء بدأت الأحداث المأساوية في سوريا عام (2011)، وارتفع صوت الرصاص على صوته الحالم وعلى المدينة والحي الذي يسكنه، مما اضطره إلى ترك الدراسة والتنقل مع عائلته من حي إلى حي ومن مدينة إلى أخرى، حتى قررت العائلة في عام (2012)، الهروب من الموت والنزوح إلى لبنان بحثاً عن الحياة.

بداية المشوار 

رغم الألم والحزن الذي يعتصر قلبه على ما آلت إليه الأوضاع في وطنه سوريا، وعلى فراق الأصحاب والأحبة والأهل في الوطن، قرر الشاب (عدنان الجر) أن يبدأ حياة جديدة في لبنان وأن يواصل مشواره الفني، فبدأ بإكمال دراسته الثانوية والبحث عن مصدر للعيش، والعمل في محل لبيع الملابس الرجالية، والتحق في ذات الوقت بالمسرح اللبناني ليتعلم نوعاً جديداً من الفن، وهو الموسيقى وغناء الهيب هوب (الراب) باللغة العربية، وقد حالفه الحظ في الحصول على وظيفة في تسجيل الوافدين الجدد، لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة في لبنان، ثم عمل في المجلس الدنماركي لمساعدة اللاجئين، وكان من المقترحين لمشروع (المركز الاجتماعي)، حيث يتواجد الكثير من اللاجئين العاطلين عن العمل في لبنان، والمحرومين من فرص التعليم والدراسة ولا يجيدون أية مهنة أخرى، فانتظم أغلبهم في دورات مهنية ودراسية مثل: (الخياطة، الأشغال اليدوية، صيانة الهواتف النقالة، الكمبيوتر، اللغة الانكليزية، اللغة الفرنسية، الموسيقى، والمسرح)، وشهد المشروع اقبالاً كبيراً واستمر لمدة سنتين فقط، وتوقف بسبب توقف التمويل وتوقف الجر حينها عن العمل.

التأهيل المسرحي والموسيقي 

أكمل عدنان تدريباته المسرحية والموسيقية في الرابطة الثقافية في لبنان، بإشراف الأستاذ (براق صبيح) في المسرح، والأستاذ (جون حجار) في الغناء والموسيقى، واستفاد من إدارته لمشروع (مراهقون لإفادة مجتمعهم)، الذي يشرف عليه الصليب الأحمر واليونسيف، فشكل مع أخيه (محمد) الذي يشارك غناء الراب، ومجموعة من الشابات والشباب السوريين واللبنانيين في مدينة (طرابلس) اللبنانية، فريقاً مسرحياً أطلقوا

عليه تسمية (أنا أستطيع)، وقد حظي هذا الفريق بدعم من المجلس الدنماركي لمساعدة اللاجئين ومن الصليب الأحمر، وقدموا أعمالهم المسرحية والموسيقية على المسارح اللبنانية، وكان من أهمها مسرحية (الزعيم الدكتاتوري)، ونتيجة للظروف المعيشية الصعبة وتوقف الدعم والمساعدة وهجرة البعض من أعضاء الفريق، قرر الجر وأخيه وباقي أفراد عائلته أن يهاجروا إلى أوروبا، فغادروا لبنان في الثلاثين من سبتمبر / أيلول عام (2015) إلى تركيا، ليبدأوا رحلة العذاب والموت باحثين عن مكان آمن، فركبوا البحر و تسلقوا الجبال وخاضوا المستنقعات الآسنة، حتى وصلوا إلى بر الأمان وحطوا رحالهم في السويد، وأقاموا في مدينة (نيبروا) في مقاطعة (كالمار) السويدية.

السويد عالم آخر

بدأ الجر تعلم اللغة السويدية عن طريق الإنترنت وهو في مخيم اللاجئين، وصار بإمكانه التحدث مع السويديين في مختلف الأمور، وقرر في نهاية عام (2015) أن يقوم بفعل شيء ما، فشكل مع أخيه فريقاً مسرحياً من الأطفال والشباب في المخيم، وقرروا أن يعيدوا عرض مسرحية (الزعيم الدكتاتوري) في الشارع وأمام أنظار المارة، وعكف الجر على تدريب الفريق على هذا النوع من العمل الفني، وهو المسرح الصامت الذي يعتمد على لغة الجسد، فبنوا مسرحاً متواضعاً من الخشب وقطع القماش، بمساعدة إحدى المتطوعات السويديات واسمها (هيلين)، التي تزور المخيم بين الحين والأخر وتقدم الملابس والاحتياجات الضرورية للأطفال، وقد وفرت لهم أجهزت الصوت والمعدات اللازمة، وتحدثت إلى جهات أخرى طلباً للمساعدة، منها إدارة مدرسة (Vuxenskolan)، وتجمع يوم عرض المسرحية في الشارع أكثر من (500) شخصاً، وقد بدى التأثر واضحاً على الجمهور وهم يشاهدون وطناً يتمزق، حتى نقلهم الأخوين الجر إلى فسحة من المرح، عندما قاما بالغناء في نهاية العرض، على أنغام موسيقى الهيب هوب (الراب).

نعم أنا أستطيع 

وكما أعاد الجر عرض مسرحية (الزعيم الدكتاتوري)، فقد أطلق ذات الاسم تقريباً على فريقه المسرحي الجديد (أنا أستطيع)، لكن هذه المرة باللغة الإنجليزية (YES I CAN)، وكان النجاح الباهر الذي تحقق في العرض المسرحي الأول، دافعاً ومحفزاً للأخوين الجر على كتابة نص مسرحي جديد، يتحدث عن رحلة الموت للوصول إلى أوروبا بعنوان: (We Arrived)، وقد وفرت مدرسة (Vuxenskolan)، التي قدمت لهما بعض اللوازم والمعدات في العرض المسرحي الأول، وفرت لهما هذه المرة صالة للتدريب على هذا العمل الجديد، وأطلق الأخوين الجر دعوة لكل من يهتم بالفنون المسرحية، ويرغب بالانضمام إلى فريقهما فهو مرحب به، وذاع صيتهما بين الناس في البلدة، وتخطت شهرتهما حدود المدينة لتصل إلى الصحافة والإعلام، فكتبت العديد من الصحف والمجلات عنهما وعن عائلتهما، وعن فريقهما المسرحي وعن كتابة النصوص المسرحية، والموسيقى وفن غناء الهيب هوب (الراب) الذي يجيدانه هو وأخيه بامتياز، وفي المقابل هناك البعض من يغيضه التفوق والنجاح، ويسعى دائماً لوضع العصي في العجلة، ونجح فعلاً في انفرط عقد الفريق المسرحي، وهذا شيء مؤسف جداً خصوصاً إذا كان هذا البعض من أبناء جلدتك، لكن، وكما هو معروف أن الشجرة المثمرة دائماً هي من ترمى بالحجارة.

رحلة الموت على المسرح 

لم تثن الفنان عدنان الجر هذه التطورات السلبية المؤسفة، عن مواصلة مشواره الفني والسعي لتحقيق حلمه في الوصول إلى عالم الشهرة، فشكل فرقة مسرحية شبابية جديدة بذات الاسم (YES I CAN)، وباشر مع أخيه وأعضاء الفرقة التدريب على النص المسرحي (We Arrived)، بالتعاون مع مدرسة (Vuxenskolan) ومنظمة (Fryshuset)، التي قدمت لهم قاعة عرض مسرحي، مجهزة بالإنارة وبكل تقنيات ومستلزمات المسرح الحديث، وتولى أعضاء الفرقة دعوة سكان المدينة لمشاهدة عملهم الجديد، عبر محطات الراديو ومن خلال الملصقات في الشوارع، التي تشير إلى مكان وزمن وتاريخ العرض، وتوافد الجمهور إلى القاعة وتفاعل مع أحداث المسرحية وحاز العمل على نجاح باهر، وقدمت الفرقة عملها المسرحي هذا في مدن أخرى مثل: (Nybro، Bunjäs، Kolboda Kalmar)، وشارك الأخوين الجر بمهرجانات عديدة في مدينة (Nybro) منها: في (Folkthus) وفي (Frezdiska) وفي مركز (Merjejt) وفي بلدة (Alvsta) وفي مهرجان التذوق في مدينة (Nybro)، بموسيقى وغناء (الراب)، إضافة إلى كل ما تقدم فإن الأخوين الجر يقدمان أيضاً، موسيقى وغناء الهيب هوب (الراب) في نهاية كل عرض مسرحي، ليأكدا المقولة اللازمة (YES I CAN) نعم أنا أستطيع.

الاقتراب من الشهرة 

المبدعون دائماً سفراء لبلدانهم خصوصاً إذا ما أجادوا فن التأثير في المجتمعات المستضيفة، ولعل هذا ما أراد أن يؤكده الفنان عدنان الجر، بصحبة أخيه الفنان محمد الجر وفرقتهما المسرحية الشابة، من خلال الأعمال المسرحية الجريئة والغناء المتميز والموسيقى الحديثة، ولعل الجر أراد أن يوصل رسالة إلى هذه المجتمعات مفادها: نحن أتينا إلى بلدانكم بحثاً عن الأمن والسلام وكرامة الإنسان، وهذه البديهيات في حياة الشعوب، أصبحت في بلداننا أمنيات يصعب تحقيقها، فنحن نقدم فناً يعبر عن محنتنا وينشد الأمل، ونتمنى أن يكون تعاطفكم معنا أكثر من فرجة، ورسالة أخرى إلى الشباب المهاجر تدعوهم إلى فعل كل ما يمكن فعله، من أجل إطلاق طاقاتهم الكامنة وهم على ذلك قادرون، لأن من يتخلف عن قافلة النجاح يصبح فريسة لقطعان الفاشلين، وعلى المرء أن يثبت لنفسه قبل الآخرين بأنه قادر على الوصول إلى هدفه، فلا يدع أحداً يتخذ عنه قراراته ولا يلتفت كثيراً إلى الوراء، ويمضي قدماً لتحقيق أحلامه فإنها قريبة منه وفي متناول يده، فيبدأ بخطواته الأولى ويدع الآخرين يدفعونه إلى الأمام.

محمد المنصور