غراميات برهان الخطيب

Views : 104

التصنيف

ثقافة: استضافت رابطة الأنصار في ستوكهولم وشمال السويد الروائي برهان الخطيب، في أمسية أدبية للحديث عن روايته الأخيرة “غراميات بائع متجول”، بمشاركة عدد من الكتاب والباحثين والمثقفين في السويد والعراق والإمارات العربية وسوريا، وأدار الأمسية الشاعر محمد المنصور، معرفاً بالخطيب، بأنه من جيل كتاب التنوير والتجديد في ستينات القرن الماضي، الذين امتهنوا كلمة (لا) لرفض الخنوع السياسي وانكسار الذات على المجتر الثقافي، ليسمو الإنسان عندهم على كل الحسابات ويعلو الوطن لديهم فوق كل المسميات، هاجس لازم الخطيب منذ كتابة مجموعته القصصية الأولى (خطوات إلى الأفق البعيد) على إيقاعات نكسة حزيران عام (1967)، حتى روايته عنوان هذه الأمسية (غراميات بائع متجول) الصادرة عام (2015)، وما بينهما من أعمال قصصية وروائية تمثلت في خمسة عشرة رواية ومجموعتين قصصيتين، إضافة إلى عدد من الروايات والدراسات المترجمة عن اللغة الروسية بلغت اثني عشر كتاباً، والكثير من المقالات والكتابات النقدية في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، وله تحت الطبع رواية (الحكاية من الداخل) وكتاب (الرواية والروائي)، والخطيب مرشح لجوائز عالمية وعربية منها جائزة (عويس)، كما قرأ مقدم الأمسية على الحاضرين، الأراء النقدية والإنطباعية حول الرواية للمشاركين من خارج السويد.

الدكتور حسام الزوين من الشارقة في الإمارات العربية المتحدة:

برهان الخطيب روائي جوال منذ بواكيره الأدبية وسط الستينات: (خطوات إلى الأفق البعيد، وضباب في الظهيرة)، إلى السبعينات: (شقة في شارع أبي نؤاس، الجسور الزجاجية، الشارع الجديد، نجوم الظهر، وحب في موسكو)، إلى الثمانينات والتسعينات: (ليلة بغدادية، بابل الفيحاء، صيف في اسكندرية، الجنائن المغلقة، وليالي الأنس)، إلى (غراميات بائع متجول) بأجوائها، محتواها، بنائها، مع متعة ثرّة، وصور غنّاء، عبر نوافذ بهية، يحق لنا القول بأن رواية (غراميات بائع متجول) جميلة، مثيرة، جريئة، كأنها العطر الباريسي أو العربي الشرقي، يغور في رئة المتابع من على بُعد، يجعل المنتظر القارئ الولهان، يقتفي أثر حورية بحر، فتاة أحلام، على أمل ملاقاتها ليال وأيام، معها تترى أخيلة: (سكارليت، مارلين مونرو، صوفيا لورين، ليف يوهانسون، وكلارك غيبل)، تزحزحك من نومك، لو تسرح مع الحلم تجرك إلى الواقع، إلى طاق كسرى في الليل، يهيب بك أن تسبح في عيون شقراء.

الأستاذة مروج حسين من بغداد في العراق:

دافعت طالبة الماجستير مروج حسين عن رسالتها الموسومة: “الفضاء الروائي في روايات برهان الخطيب” تحت إشراف الدكتور كرنفال أيوب، أمام مجلس كلية الأداب في جامعة بغداد الصيف المنصرم، وحصلت على درجة (جيد جداً)، وجاء في أحد فصول الرسالة: “يُقدِّم الروائي المكان بواسطة الوصف غالباً، الوصف وسيلة اللُّغة في جعل المكان مُدرَكاً لدى القارئ، تجسيده مشهداً من العالم الخارجي في لوحة مصنوعة من كلمات، صورة بصرية تجعل إدراكه بواسطة اللُّغة أمراً ممكناً، الروائي يلجأ إلى الوصف يبذل قصارى جهده، يثبت قدرته على أن يجعلنا نرى الأشياء أكثر وضوحاً، يستحضر الأحوال، الهيئات، الأشياء في مظهرها الحسي الموجودة عليه في العالم الخارجي، مستثمراً العناصر الفيزيائية للمكان، مبرزاً مجموعة من الصفات المختلفة المتنوعة، أيضاً الكشف عن الفروق الاجتماعيَّة والنفسيَّة والإيديولوجيَّة لشخوص الروايَّة، وكذا رؤية هؤلاء للعالم وموقفهم منه، ذلك ما نراه في (غراميات بائع متجول)”.

الأستاذ سعد شاهين من ستوكهولم في السويد:

الشخصية الرئيسية في الرواية (أصلان) العراقي، الذي يقع في غرام (هيلين) بائعة الخبز الروسية، يقع (أصلان) في علاقة لا هي ثابتة ولا هي عابرة، لكنها عاطفة عميقة وملتهبة، رغم أن (هيلين) متزوجة من رجل روسي مدمن خمر، كذاب ومتحايل، علاقة فيها الكثير من الرومانس والجنس الملتهب، وفي أحد فصول الرواية يصور الخطيب جانباً من التحولات في المجتمع الروسي، وهو في أسوء حالاته بعد سقوط التجربة الإشتراكية: فقراء يجمعون القناني الفارغة، معوّق حرب يعزف على آلة موسيقية ليكسب المال، نساء كُنّ بطلات العمل وقاهرات الفاشية تحولن إلى متسولات، كل شئ تقريباً تحول إلى بيع وشراء، ضياع، لا عودة إلى الوراء ولا قدرة على التقدم إلى الأمام!، وصفُ الخطيب للحياة وتفاصيلها في روسيا، يعكس تجربة ومعرفة عميقة في المجتمع الروسي، وتتصاعد أحداث (غراميات بائع متجول) كما قمم الجبال التي لا تنتهي، فكلما تعتقد أنك وصلت! تكتشف أنك أمام قمة أو عقدة أخرى.

الدكتور صالح الرزوق من حلب في سوريا:

رواية برهان الخطيب (غراميات بائع متجول)، تصطدم بجدار المغامرة الروائية في عدة أمور، بعضها له علاقة بمفهومنا المتسامح عن الرواية، هل هي تسلية وترفيه؟ أم أنها أداة تربية وثقافة؟ قد تجد الإجابة عن ذلك عند (غراهام غرين)، الذي يقسم أعماله لا سيما الروايات نوعين: أدب ترفيه منها (رجلنا في هافانا، والرجل الثالث)، وأدب تحرري يهتم بقضايا إنسانية وفلسفية عامة مثل (قضية منتهية، ونهاية غرام) وسواها، (غراميات بائع متجول) توليفة من الرومانس والمفاجأت والغرام والخطيئة فقد هضمت خلفياتها، بمعنى أنها وظفت عناصر من رواية التشويق كما يكتبها (جون لي كاري) مع عناصر من رواية السلوك والأخلاق كما عودنا عليها (غراهام غرين)، بالإضافة لعناصر من الرواية السياسية ذات المضمون التاريخي، التي طور فيها رؤيته منذ (شقة في شارع أبي نواس) حتى (على تخوم الألفين)، بهذه الطريقة أصبح بمقدورنا أن نقترب من روايته هذه من عدة محاور، سواء اتفقنا معها أو كانت لدينا ملاحظات عليها، فهي تجربة تستحق الاهتمام والتنويه، إنها ورقة أخرى تضيف لكاتبها رصيداً ملحوظاً.

الروائي برهان الخطيب:

يتداخل كلام المؤلف برهان الخطيب عن روايته مع الكلام عن الواقع نقداً إلى بعض ظواهر اليوم، يراها من سلسلة تخريبات بدءاً من افتعال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، إلى إسقاط الاتحاد السوفيتي في التسعينات، إلى غزو أو تحرير العراق بداية الألفية الثانية، وصولاً إلى حرب داعش، تخريبات تستفاد منها نخب لا تلتفت إلى مصالح شعوب المنطقة، تؤدي إلى نمو طبقة لصوص سياسية وطفيليين، إذا لا تُكبح ينهار ما تبقى من بنيان المنطقة إلى أبعد، طبقة تساهم في خلقها أجهزة إعلام وتدخلات الخارج، في مطلع كلمته يقول: “هرباً من مواقع انترنت كاذبة تتقنع الوطن، النهرين، التنوير، يلجأ الواحد أحياناً إلى مواقع خداعية، عبثا يداوي قرفه. حضوركم النوعي أمسية أدبية يثبت عندنا خيار ثالث لارتفاع فوق كارثة. عنوان كلمتي: (مصادرة إدراك الشعوب هل تنتهي؟) يلائم بوح رواية (غراميات بائع متجول). السرد يُطرد من حدائق العواطف إلى ميادين حرب، فناء، إلى عراك ساسة، الذي يضطر يخرج إليه دفاعاً عن وطنه أو جيبه تبقى له عائلة، حبيبة وراءه، هكذا تبقى روايتنا العراقية تنشد لحنها الرومانسي وسط قرقعة رشاشات. (غراميات بائع متجول) أمامكم تصدح نشيد عصرها مثلما غيرها قبلها لها أناشيد عهود أخرى” إلى أن

يختتم: “في عالم كذب كيف تنجو الرواية؟ كيف نعرّفها؟ الرواية همس خاص عن موضوع عام. ذلك منهجي في غراميات بائع متجول، في كل رواياتي. تصبحون على حقيقة، أو في بيئة ملوثة لا ينجو أحد”.

محمد المنصور