متعافون من كورونا يجيبون.. كيف نعيش مع خطر لا ينتهي؟

Views : 704

التصنيف

التعافي من كورونا لا يعني انتهاء التجربة، فالآثار الاجتماعية والنفسية من الإصابة بالفيروس غالبا ما تستمر. ومع الدعوة للتعايش مع الفيروس والتحذير من موجة ثانية له في بعض البلدان الأوروبية التي فرضت حجرا كاملاُ للمجتمع، كيف نتعامل مع الوضع؟

مع التصريح الأخير لمنظمة الصحة العالمية بعدم وجود إمكانية “للعودة إلى الوضع الطبيعي في المستقبل القريب”، تتضح أكثر فأكثر الحاجة للتعايش مع فيروس كورونا والتعامل معه كأمر واقع وخطر محتمل لم يواجهه الكثيرون بالفعل فقط، بل ونجوا منه أيضا.

وصحيح أن هؤلاء قد تعافت أجسادهم من الآثار الصحية لفيروس كورونا المستجد، لكنهم ربما مازالوا يحملون الآثار النفسية والاجتماعية للإصابة به، والتي ربما يساعد التعرف عليها في معرفة أفضل سبل التعايش معه.

ما بين “قلة الحيلة” و”الوحدة”…

تبدأ المصرية سلمى عودة حديثها مع DW عربية، بالتعبير عن قلقها، الذي دفعها لمتابعة كافة المواد المتعلقة بالفيروس عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن القلق تحول إلى رعب بسبب إصابة والديها وحاجتهم للدخول للمشفى.

واضطرت سلمى للبحث طويلا لإيجاد مؤسسة طبية يمكنها استقبال أسرتها، لتدرك حينها صعوبة الموقف. وتقول سلمى: “شعرت بقلة الحيلة لأنه مهما وصل حجم مدخراتي، فتكلفة الإقامة في المشفى الخاص مرتفعة جدا، فضلا عن الحاجة لامتلاك علاقات تضمن لك الدخول مع انخفاض الأماكن المتاحة لاستقبال حالات حينها”.

كما عانت سلمى أيضا من تأمين الأدوية المطلوبة للعلاج حيث لاحظت محاولات البعض شراء الأدوية المستخدمة في علاج حالات كورونا والاحتفاظ بها، فيما وصفته بـ”محاولات للاستحواذ علي الدواء”، ما خلق بدوره لديها شعورا “بالعجز”.

وجدير بالذكر أنه مع بدء أزمة فيروس كورونا في مصر، انطلق جدل واسع بشأن حال قطاع الصحة في البلاد ومطالبة الأطباء المصريين للحكومة “بتوفير معدات الوقاية الشخصية وإمكانية الحصول على الرعاية الصحية في حالات الإصابة بالفيروس”.

أما الصيدلي ومندوب الأجهزة الطبية أحمد موسى، والذي يرجح إصابته بالفيروس بسبب طبيعة عمله التي تضطره لزيارة العيادات الطبية بشكل شبه يومي، فقد عانى من أمر آخر. ويروي أحمد لـ DW عربية معاناته الشديدة بسبب شعوره بالوحدة أثناء إصابته بكورونا ويقول: “في لحظات المرض والضعف نرغب في وجود أشخاص محيطين بنا، ولكن الشعور بأن الجميع يخشى الاقتراب منك جعل الوضع أصعب نفسيا”.

وحتى بعد تعافيه، شعر أحمد بمعاملة غريبة له من جانب البعض خوفا من الفيروس. لكنه أصر على عدم إخفاء الأمر عن الجميع لتوعيتهم بطبيعة الإصابة بالفيروس والتعافي منه “كنزلة برد أصابتني رغما عني”، على حد تعبيره.

“فوبيا الخروج للعالم”!

ويتشارك كل من سلمى وأحمد فيما يتولد لدى كل منهما من “مشاعر الغضب الشديد”، على حد تعبيرهما، عند ملاحظة تراخي البعض في اتباع إجراءات الوقاية من الإصابة بالفيروس.

ويقول أحمد: “من لم يخض تجربة الإصابة لا يعلم مدى صعوبتها وقسوتها، حتى أنني أصبحت آخذ بعض التجاوزات بشكل شخصي وكأنها أمر مهين لي”. أما سلمى فتقول: “أبكي أحيانا عندما أشعر بانعدام الإدراك بحجم الموقف، فقد تجد مكانا لك في المول التجاري أو المقهى ولكنك ربما لن تجد مكانا في العناية المركزة”.

وبالرغم من تعافيها، مازالت سلمى تشعر وكأنها حاملة للفيروس وتخشى من نقل العدوى للآخرين، كما تخشى الشابة المصرية من أن ينقل لها الآخرون الفيروس مجددا بما تصفه بـ “فوبيا الخروج للعالم والتعامل معا لآخرين”.

انعكاسات اجتماعية للفيروس؟

وفي حوار أجرته DW عربية معها، تنبه الدكتورة نسرين البغدادي، الأستاذة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة، إلى أنه بالرغم من إتاحة فرصة اللقاء رقميا باستخدام التكنولوجيا، تصبح فرص اللقاء الحقيقي بين الأصدقاء والأقارب “شبه منعدمة” بما يُحدث تباعدا اجتماعيا من نوع آخر إلى جانب إجراءات التباعد الاجتماعي المتخذة بالفعل، على حد تعبيرها.

أما الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية في القاهرة، فيتخوف، في حوار معDW عربية، من الأثر الاقتصادي للفيروس وانعكاساته الاجتماعية حيث يشبه فيروس كورونا بـ “الزلزال” الذي ينتظر الجميع توابعه المجهولة. ويقول: “هناك حالة من عدم اليقين؛ ووفاة مشاهير بالفيروس نبهت الجميع إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بامتلاكك للمال”.

ويرى الدكتور صادق أن التأثير، سواء الاجتماعي أو الاقتصادي، وصل للجميع على اختلاف مستوياتهم بما يدفع نحو “تأجيل الخطط وتقليل المصروفات غير الضرورية وتفضيل الادخار لمواجهة أي وضع صعب ربما يقع في أي لحظة كالفصل من العمل أو الإصابة والحاجة لمصاريف العلاج”، على حد وصفه.

كيف نتعامل مع موجة ثانية؟

وترى نسرين البغدادي، الأستاذةبالمركزالقوميللبحوثالاجتماعيةوالجنائية، أن لدى البشر القدرة على التكيف مع الأوضاع الصعبة و”ابتداع أساليب جديدة تسمح بالاستمتاع بالحياة ولو بأشياء صغيرة”. كما ترى أنه مع تخفيف القيود المفروضة للحد من انتشار الفيروس والعودة التدريجية لممارسة الكثير من الأنشطة مع اتخاد التدابير الوقائية اللازمة، “يمكن التغلب على الكثير من المصاعب وتبادل الخبرات وبالتالي التخفيف من الشعور بالاكتئاب”.

إلا أن أستاذعلمالاجتماعبالجامعةالأمريكيةفيالقاهرة، سعيد صادق، يخشى من احتمالات الموجة الثانية للفيروس وما قد تخلفه من ضغط اجتماعي واقتصادي إضافي على البعض. ويقول: “التعود عامل أساسي في سلوكيات البشر ولا يمكن مطالبتهم بالعودة لما قبل كورونا أو بعده بمجرد إصدار أمر بهذا. فبالرغم من التخفيف التدريجي للقيود، مازال الكثيرون يعانون من القلق الشديد”، مقترحا إعطاءهم الوقت والمساحة اللازمة للعودة للحياة الطبيعية.

دينا البسنلي

ينشر بالتعاون بين الكومبس وDW