هل يغير ساسة اليمين القومي الشعبوي النظام الدولي القائم؟

Views : 1452

التصنيف

الكومبس – دولية: منذ أن قالت بريطانيا نعم لبريكست في عام 2016، برزت ظاهرة اليمين القومي المتطرف بقوة: ترامب في أمريكا وسالفيني في إيطاليا وأخيرا فوز جونسون في بريطانيا. فهل ينجح الشعبويون في تغيير النظام الدولي القائم؟

يواصل نادي المسؤولين الدوليين ذوي الخطابات التي تتسم غالباً باللهجة الشعبوية والمعادية للمنظومات القائمة، توسعه مما يؤثر على العلاقات الدولية ويضرّ بنهج التعددية والتعاون. ويعتبر عدد من المراقبين أنّ “الموجة الشعبوية” التي تجتاح دولاً ديموقراطية سجّلت أول انتصاراتها الباهرة مع فوز خيار الـ”نعم” في استفتاء بريكست البريطاني في حزيران/يونيو 2016، حتى قبل فوز الملياردير الجمهوري دونالد ترامب برئاسة البيت الأبيض في العام التالي.

على هذه الخلفية، يبدو أنّ اختيار حزب المحافظين البريطاني لبطل بريكست بوريس جونسون، ليكون رئيساً لوزراء المملكة المتحدة، يندرج في هذا السياق الذي كان شهد أيضاً في أوقات سابقة صعود اليمين المتطرف في البرازيل ممثلاً بجاير بولسونارو، أو في إيطالياً من خلال ماتيو سالفيني.

ويشير مدير مجموعة أوراسيا للاستشارات يان بريمر إلى أنّ “مسؤولي نحو نصف دول مجموعة العشرين (…) باتوا بالإجمال مؤيدين لترامب”. ويضيف أنّ “عدداً من بينهم وصلوا إلى السلطة بعده”.

ويذكّر ببريطانيا والبرازيل وإيطاليا واستراليا في عهد سكوت موريسون. ويشير أيضاً إلى زعماء متواجدين في السلطة منذ مدة (مثل رئيس وزراء الهند ناريندا مودي، الأرجنتيني ماوريسيو ماكري والتركي رجب طيب أردوغان)، وكذلك زعماء آخرين مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. كما يجب أن لا ننسى ايضا فيكتور أوربان في المجر وبعض زعماء أوروبا الشرقية المتحالفين معه.

غير أنّ جونسون يبقى متمايزاً بعض الشيء. فبرغم أوجه التقارب مع ترامب، إلا أنّه قد يجد نفسه سريعاً “غير مرتاح” في هذا “النادي غير الليبرالي”، وفق توماس رايت من مركز بروكينغز في واشنطن. ويشرح رايت لفرانس برس أنّ رئيس وزراء بريطانيا الجديد “شعبوي وراديكالي بشأن بريكست” بالتأكيد “ولكنه ليس كذلك بما يخص مواضيع أخرى”.

تناقض المصالح الوطنية مع القضايا الدولية

ويلفت إلى مسائل مثل “التغيّر المناخي وإيران” أو أيضاً “نهج التعددية الدولية”، ويقول إنّ جونسون “أكثر اعتدالاً” بهذا الخصوص وقد يجد نفسه سريعاً في موقف محرج مع الرئيس الأميركي المفترض أنّه حليفه الرئيسي. ولا يلغي تعدد السياقات واختلاف الشخصيات بين هؤلاء المسؤولين، أوجه الشبه الكثيرة.

ويقول لويجي سكازييري من مركز الإصلاح الأوروبي في لندن: “يجمعهم الأسلوب الشعبوي، وهم بوضوح جزء من ظاهرة واحدة وأوسع”. ويضيف أنّ “الناخبين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أو في إيطاليا يختارون سياسيين يتصفون بمشاعر معادية للهجرة وبخطاب يكون قومياً بصورة أو بأخرى، إضافة إلى رفض النخب التقليدية التي يجسدّها التكنوقراط والخبراء”.

وتجد هذه الظاهرة جذورها في تفاقم انعدام المساواة وسط شعور بالتراجع يتخطى الطبقات الشعبية ليطال الطبقات المتوسطة. يقترن كل ذلك مع استخدام “فعّال بشكل لا يصدق” لوسائل التواصل الاجتماعي التي يرى يان بريمر أنّ “بولسونارو وسالفيني وترامب وجونسون من مخلوقاتها الحقيقية”. ويقول إنّ هذه العوامل مجتمعة تشرح الصعود “البنيوي (…) للشعبوية”.ويستدرك في الوقت نفسه بأنّ هذه الموجة بعيدة عن التفشي.

وأدى بروز هؤلاء الفاعلين الجدد إلى ظهور “تبعات عميقة على الشؤون العالمية”، وفق لويجي سكازييري الذي يعيد ذلك إلى “تشويههم صورة المؤسسات الدولية المتهمة بتقويض المصالح الوطنية والسيادة”، حسب الخطاب اليميني الشعبوي المتطرف.

أمريكا أولا…

ويبدو ممكناً الاستعانة بشعار دونالد ترامب “أميركا أولاً” ليصبح “البرازيل أولاً” و”إيطاليا أولاً” “بريطانيا أولا…

ويعدّ نهج العمل الدولي متعدد الأطراف أول الضحايا، وباتت إنجازاته منذ عام 1945 عرضة لطعنات من الرئيس الأميركي ومن عدد من نظرائه. وتتعرض الاتفاقات والنصوص والمؤسسات المتحكمة بالنظام الدولي لهجمات مستمرة، من اتفاق باريس بشأن المناخ وصولاً إلى الاتفاق النووي الموقع مع إيران.

تشابه كبير واختلاف أكبر

ولكن يبقى من الصعب الحديث عن “تحالف” مسؤوليين “قوميين”، “شعبويين” أو “معادين للمنظومات القائمة”. فهم بالتأكيد يمثّلون مجموعة على حدة، ولكنّها غير متجانسة وغير موحّدة. وتبرز كمثال على ذلك استحالة تشكيل مجموعة برلمانية مشتركة عقب الانتخابات الأوروبية الأخيرة، لأنّ المسائل الاقتصادية أو العلاقات مع روسيا مثلاً تنقسم بشأنها الأحزاب الآتية من أقصى يمين المشهد السياسي.

ويقول يان بريمر “لديهم رايات مختلفة، وكذلك مصالح وطنية مختلفة”. ويضيف “من السهل الوقوف في وجه العولمة والهياكل الدولية القائمة أو في وجه (مبدأ) التبادل الحر، ولكن ذلك لا يجمعهم حول شيء، بل يدفعهم بالأخص إلى (الدعوة ل) تشديد الحدود الوطنية وزيادة الرسوم الجمركية”. ويلخّص لويجي سكازييري بأنّها “لعبة بلا نتيجة” تؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص التعاون الدولي.

شركاء DW (أ.ف.ب)