درس من المحسوبية على الطريقة السويدية

Published: 2/23/23, 1:51 PM
Updated: 2/23/23, 1:58 PM
درس من المحسوبية على الطريقة السويدية

من المبكر التخمين كيف انتهت حياة قائد شرطة ستوكهولم ماتس لوفينغ، ولكن ما نعرفه أن هذا القائد الذي أمضى أربعين عاماً من حياته في الشرطة قد أصبح جثة هامدة وجدت في منزله، بعد ساعات قليلة على نشر نتائج تحقيق في قضية باتت تعرف في الصحافة السويدية بـ “فضيحة قيادة الشرطة”.

هناك ربط بين ضغوطات الفضيحة النفسية على شخص بمثل مسؤولية لوفينغ، والنيل من شرف المهنة التي يمارسها والتي من المفترض أن يحمي هو المجتمع من مختلف الجرائم، مع نتائج التحقيق التي أوصت بإقالته من منصبه، بعد أن نقل من منصبه طوال مدة التحقيق.

التحقيقات لم تستطع إثبات تهمة استغلال مسؤولياته في تعيين ليندا ستاف المسؤولة في إدارة العمليات الوطنية في منصبها، لكن هذه النتائج استطاعت إثبات أن قائد شرطة ستوكهولم لوفينغ ساهم في زيادة راتب ستاف وبتزويدها بسلاح خدمة.

المفارقة أن ليندا ستاف نفسها هي من تقدمت بشكوى ضد من يُفرض أنه ساعدها، فبعد الكشف عن علاقة خاصة جمعت الاثنين وبعد الضجة الإعلامية التي أثيرت بسبب ذلك، قامت ستاف بتقديم شكوى تتهم فيها لوفينغ بتهديدها. الأمر الذي قيل لاحقاً إنه لم يؤخذ على محمل الجد من قبل المسؤولين في إدارة الشرطة.

هناك من يستغرب حجم اهتمام الرأي العام السويدي بهذه القضية، ويستغرب كم من الأموال التي صُرفت على التحقيقات، وحجم الضغط النفسي الذي تعرضت له شخصية قيادية كبيرة، قد تكون السبب بوفاته، بعد مسيرة مهنية طويلة قدم خلالها خدمات كبيرة من خلال التقلب بين عدة مناصب في الشرطة. وهناك أيضاً من شكلت له هذه القصة مجالاً للمقارنات بين السويد ودول أخرى يمارس فيها المسؤولون المحسوبيات واستغلال المناصب علناً، ولا أحد منهم يقدم على الانتحار ولا حتى يشعر بالخجل ويقدم استقالته، لأنه ببساطة لا يوجد من يحاسبهم أو يراقبهم.

من الطبيعي أن تكون المقارنات هنا عبثية، ولكن لا بأس أن نتعلم من دروس القصص الإخبارية التي تحدث من حولنا لكي نفهم كيف تسير الحياة هنا وكيف نحن محميون بالقانون وبوسائل مراقبة ومحاسبة لمن يخطئ ولو خطأ نعتبره نحن صغيراً لكن هذا المجتمع يعتبره فاحشاً ويهدد المجتمع.

الخطأ الذي ربما وقع فيه مسؤول الشرطة هو إقامة علاقة مع زميله له في العمل، وهنا في السويد لا أحد يمنعك من إقامة أي علاقة مع أي شخص آخر، طالما أن ذلك لا يؤثر على أدائك الوظيفي، وهناك عدة أمثلة حدثت في السويد وخرجت للعلن، اضطر فيها من يحبون بعضهم في أماكن العمل إما إلى ترك أحدهما أو كليهما وظيفته.

نذكر من هذه القصص ما حدث مع إيلفا يوهانسون التي تشغل حالياً منصب المفوضة الأوروبية لشؤون الهجرة، عندما استلمت وزارة المدارس في حكومة إينفار كارلسون العام 1994 ووقعت في حب وزير المالية وقتها إيريك أوسبرينك، هنا وفوراً كان الخيار أمامها، إما أن يترك أحدهما منصبه أو الاثنين معاً، من الخطأ أن يكون وزير المالية على علاقة خاصة بوزيرة المدراس، لأن ذلك يمكن أن يؤثر على المصلحة العامة، وفعلا اضطر العريس إيريك أن يضحي ويترك منصبه كوزير من أجل أن تبقى عروسته وزيرة، وتزوجا فعلاً بعد ذلك.

أمثلة عدة على منع إقامة علاقات خاصة بين شخصين في العمل، في حال كانت هذه العلاقة تعرض المصلحة العامة للخطر، فمن المتعارف عليه أن المسؤول المالي لأي جهة يجب أن لا يكون له أي علاقة بالمدير أو أمر الصرف، وهناك أمثلة على محاربة ما يسمى بالمحسوبية وبالسويدية Nepotism أو ما يسمى “الواسطة” للأقارب في بعض الدول العربية، فالواسطة هنا جريمة يعاقب عليها القانون في حال ثبوت وقوعها، مع أن مبدأ “دفش” شخص لوظيفة ما، يمكن أن يكون متعارفاً عليه، تحت مسمى ترشيح شخص من قبل مسؤول، ولكن هذا أيضاً له قواعده التي تفصل بين الواسطة والترشيح.

جريمة أخرى يعاقب عليها القانون هنا في السويد هي أن يتدخل مسؤول كبير في عمل مؤسسة تابعة له أو غير تابعه له، على سبيل المثال أن يرفع وزير هاتفه ويعطي أمراً أو نصيحة أو توجيهاً أو حتى رأي لمؤسسة حكومية، على سبيل المثال وزير الهجرة لا يمكن أن يتدخل بعمل مصلحة الهجرة، ولا يمكن لوزير الداخلية أن يتدخل بعمل الشرطة، هذا يسمى بالسويدية ministerstyre.

في بعض الدول يمكن للوزير التدخل بعمل مؤسسات الدولة، هنا في السويد يجب أن يكون التدخل من قبل مجلس الوزراء فقط.

كل هذه الإجراءات لمكافحة الفساد، لأن الفساد الحكومي هو سرطان قاتل للدول والمجتمعات، خصوصاً إذا عرفنا أن حجم الفساد في بعض الدول يصل إلى أرقام فلكية، كلها خسائر لموارد وأموال من المفترض أن تسخّر لرفاهية المواطن أو على الأقل لتأمين حاجاته الرئيسية. والمشكلة أن الدول الفقيرة عادة تسجل أعلى مستويات الفساد، وحسب إصدارات منظمة الشفافية الدولية تحقق دول مثل الدنمارك وفنلندا والنرويج والسويد ونيوزيلاند أرقاماً عالية في النظافة من الفساد، ما بين 80 إلى 90 بالمئة، بينما دول تصل المستويات في بعض الدول العربية من 12 إلى 30 علامة من المئة.

على مستوى الأرقام يصل حجم الفساد المالي الذي يؤثر في الاقتصاد العالمي إلى 1.6 تريليون دولار سنوياً منها ما يقارب 40-30 بالمئة في الوطن العربي فقط. في حين يبلغ حجم أموال الفساد التي تنخر الاقتصاد العربي بين 300-400 مليار دولار سنوياً. وهذه الأرقام مرشحة للزيادة. لذلك تصرف السويد الأموال وتضع جهداً كبيراً على أي ظاهرة فساد حتى لو كانت صغيرة.

د.محمود آغا

Alkompis Communication AB 559169-6140 © 2024.