كم يكلّف إنجاب طفل في السويد حتى سن البلوغ؟

Published: 4/20/23, 12:45 PM
Updated: 4/20/23, 12:45 PM
Alkompis - الكومبس

قد يمتاز السويديون إلى جانب شعوب أخرى، بحرصهم الشديد على التخطيط لكل شيء، حتى أنهم يخططون لموتهم كما يقال وهي حقيقة، وكأن كبار السن منهم يضعون واقعة موتهم المحتمل ضمن أجندتهم ويخططون لهذه الواقعة المنتظرة، بكل هدوء وروية. نعم هم لا يريدون أن يتركوا شيئاً للصدفة، أو كما يُسمى عندنا أحياناً القدر. حتى من يؤمنون بالقدر، يفعلون ما بوسعهم لكي يخططوا لتجنب الوقوع بسوء التقديرات قدر الإمكان.

لفت نظري منذ بداية قدومي إلى السويد، المفردات التي تُستخدم هنا في الحياة اليومية وتعبر عن روح ثقافة التخطيط السائدة حتى كجزء من تربية الأطفال، مصروف الطفل الأسبوعي، وشراء الحلوى (الغوديس) في أيام السبت فقط، تعويد الطفل على التوفير كي يشتري الأشياء الغالية نسبياً، كلها أمور تدخل في ثقافة التخطيط منذ الصغر، وضمن تدريب وتهيئة الطفل لدخول مجتمع مادي لا يرحم ولا يؤمن بالعواطف، مجتمع منتج يؤمن بالأرقام والمعادلات الاقتصادية أكثر مما يؤمن بالصدف أو حتى بالقدر.

في الفترة الأولى لوجودي في السويد لاحظت أيضاً أهمية ألا يأخذ الناس المحيطين بك انطباعاً بأنك فوضوي أو عشوائي. لا أحد يتصل بأوقات غير مناسبة، خاصة الساعة التاسعة عندما يشاهد كثير من السويديين نشرة الأخبار، ولا أحد يقدم لك دعوة لموعد قبل يوم واحد أو يومين.

قد لا تعجبنا طريقة التعامل هذه لدى المجتمع، لكن سنجد أنفسنا غرباء عنه، حين لا نعرف، على الأقل كيف نتعامل معه في تسيير الأمور اليومية، التي تجري عادة بشكل مادي ومنظم.

منذ أيام قليلة قرأت مقالاً في نشرة تابعة لصحيفة إكسبريسن بعنوان: “أرقام جديدة.. إنجاب الأطفال أصبح مكلفاً للغاية”. العنوان يوحي بأن نشر ما يكلفه الطفل يعتبر أمراً عادياً وهو يتغير حسب الأوضاع الاقتصادية في البلد، ولأن السويد كما دول عدة تمر بأزمة تضخم الآن، فإن كلفة إنجاب الأطفال أصبحت مرتفعة أكثر. المقال يحتوي على قائمة توضح تكلفة كل سنة من عمر تربية الطفل، منذ ولادته إلى أن يتم 18 عاماً من عمره. على سبيل المثال يكلف الطفل من عمر 0 إلى سنة في المتوسط 132 ألف كرون، والعام التالي 69 ألف، أما في الأعوام من 16 إلى 18 فيكلف بحدود 102 ألف كرون في العام الواحد. مجموع ما يكلفه الطفل حسب أسعار هذا الوقت يبلغ مليون و534 ألف كرون حتى يصبح في سن الـ 18 عاماً، حسب المقال الذي اعتمد على دراسة أجراها مصرف سويد بنك.

التضخم أثّر على الأسر السويدية التي لديها أطفال، وفي غضون عامين، ارتفعت تكلفة الطفل بمقدار 300 ألف كرون. وقبل حوالي 10 سنوات كانت تكلفة الطفل حتى عيد ميلاده التاسع عشر، حوالي مليون كرون، هذه التكلفة التي يدفعها الأهل فقط، عدا التكلفة التي يتحملها المجتمع طبعاً، حيث يتكفل بتعليمه، ورعاية صحته، وصحة أسنانه، وغيرها.

إذاً، أن تنجب طفلاً في السويد هو مشروع يحتاج إلى المال والوقت والجهد، إضافة إلى امتلاك فن التربية والتعامل مع مخلوق له كيانه وخصوصياته، ولعل هذا ما يفسر انخفاض نسبة المواليد في السويد، مقارنة ببعض الدول الأخرى التي تعتمد على مبدأ القدر والصدفة في تأمين رزق العائلات بغض النظر عن معدل إنجاب الأطفال.

ومع أن السويد من الدول التي تشجع على الإنجاب، لأن معدل النمو الديمغرافي فيها منخفض، فإن التخطيط المادي والاقتصادي المسبق يعتبر من البديهيات التي يجب أن يفكر بها الزوجان، ولا ننسى أن هناك شعوباً قد تتلاشى وتنقرض بسبب قلة الخصوبة وهجرة الشبان، مثل بلغاريا التي تعاني من تناقص خطير في عدد سكانها. كما تحذر عدة تقارير استراتيجة في دول مثل روسيا وألمانيا وحتى السويد، من خطر تناقص معدلات النمو السكاني.

قد يجد البعض أن رقم المليون والنصف مليون كرون مبالغ فيه ككلفة لتربية الطفل، لكن المقال يؤكد أن نصف هذا الرقم يذهب لنفقات المعيشة الضرورية، وليس للكماليات، لكن ما كنا نعتبره من الكماليات والترف أصبح في أيامنا هذه ضرورة، لأن عدم منح طفلك ما يمنحه الآباء الآخرون لأبنائهم يجعلك ضعيفاً كأب أو أم أمام الأطفال، لذلك يشمل هذا الرقم الهدايا في المناسبات والأنشطة الترفيهية ومصاريف الإجازات. ولكن كما قلنا ضمن المعدل الوسطي، أي أن هناك عائلات تنفق أكثر على أطفالها، وهناك بالمقابل من ينفق أقل، من هنا يأتي مفهوم فقر الأطفال في السويد، والذي يُطلق على أطفال العائلات التي لا تستطيع تأمين رفاهية للطفل ضمن الحد الأدنى.

وقبل أن يعتقد البعض بأنه هذه دعوة لأصحاب الدخل المحدود بعدم الإنجاب، نقول إننا هنا فقط نعطي معلومة حول أهمية التفكير بتأمين مستلزمات الطفل، وليس كما يقوم به البعض من توفير الأموال وحرمان الأطفال من حقهم بالمستوى الأدنى من الرفاهية إلى جانب الطعام الجيد والملابس وغيرها من نفقات العيش الضرورية.

لعل أغلب حالات تدخل الخدمات الاجتماعية وقرارات سحب الأطفال، يتم للأسف ليس بسبب الضرب والتعنيف، بل بناء على بلاغات إهمال الطفل وعدم تأمين حاجاته الأساسية. هناك من يرسلون أطفالهم إلى المدارس في حالة رثة من عدم النظافة وسوء التغذية والإهمال، كما حصل فعلاً عندما سحب السوسيال 7 أطفال من عائلة واحدة بعد عدة تحذيرات من المدرسين بأن القمل يغزوا شعر الأطفال وأنهم ينامون على مقاعد الدراسة بسبب قلة النوم.

نعم عقوبة سحب طفل من أهله بسبب عدم تنظيف أسنانه أو قص أظافره أو بسبب ملابسه الرثة، قد تبدو عقوبة غير إنسانية ومبالغ فيها، لكن بالنسبة لمجتمع مادي يخطط ويحسب ويفكر بالمستقبل، تبدو له عقوبة واقعية ويجب تطبيقها، لأن الطفل هنا هو محور وموضوع الإنسانية، وهو مستقبل المجتمع، وفي حال نشأ الطفل في بيئة غير صحية جسدياً ونفسياً سيشكل عالة على المجتمع الذي يريد الاستثمار الناجح بمستقبل الطفل، فالأهل يدفعون جزءاً من تكاليف هذا الاستثمار والمجتمع يدفع الباقي، والنتيجة المرجوة هي أن يصبح الطفل شخصاً منتجاً ومفيداً وليس أن يكون مصيره في السجن أو في المستشفيات.

هكذا يفكر المجتمع المادي المنظم، مجتمع يخطط فيه الناس لموتهم فما بالك عندما يتعلق الأمر بالحياة، حياة طفل ينظر له كمستقبل للدولة والمجتمع، وهذا ما يجب على الأقل أن نعرفه كي نتفادى الوقوع بالخطأ، وكل عام وأنتم بخير.

د. محمود آغا

Alkompis Communication AB 559169-6140 © 2023.