من بالودان إلى سلوان.. السويد تحرق صورتها

Published: 6/30/23, 11:32 AM
Updated: 6/30/23, 11:32 AM
 من بالودان إلى سلوان.. السويد تحرق صورتها

حرق المصحف قانوني لكن ما هو الثمن؟

لماذا تسمح السويد بحرق المصحف؟ وهل تتعمد فعلاً السماح بذلك؟ لماذا لا يرفع وزير الداخلية المسؤول عن الشرطة الهاتف ويأمر بوقف هذه المهزلة؟ هل السويديون أغبياء لهذه الدرجة حتى يقيموا الدنيا عليهم، ويضعوا أنفسهم في موضع إذانة وشجب واستغلال سياسي واضح بدأ من تصريحات لبوتين نفسه وليس انتهاء بدعوات جدية لمقاطعة بضائعها؟ كيف تسمح السويد لشخص عليه علامات استفهام عديدة لكي يعبث بأمنها وسمعتها بحجة حرية التعبير المقدسة؟ هذه أهم الأسئلة التي تداولتها الصحافة العربية والأجنبية خلال اليومين الماضيين.

لا نعلم ما هو شعور هذا الشخص الذي أشعل عود ثقاب في نسخة من المصحف ليشعل نار الحقد والكراهية ويؤجج الغضب ضد السويد أولاً، وكأنه يحرق صورتها وسمعتها أمام العالم وليس فقط أمام المسلمين؟ ولكن آخر ما نعلمه أنه نشر منشوراً عبر فيه عن رغبته بالانتقام لوطنه السويد بعد اجتياح سفارتها في بغداد.
يبدو أن هذا الشخص لا يعلم ما الذي فعله بوطنه السويد كما يدعي. وللقارئ أن يتخيل حجم الضرر الذي ألحقه شخص واحد ببلد وبسمعتها ووضع سلمها المجتمعي في دائرة خطر حقيقي.

شخص جلب معه كل أحقاد مرحلة قاتمة وسوداء مرت بها بلده، التي كانت مهداً لأول الحضارات العالمية، ليحاول وبدل أن ينقل صورة مشرقة عن هذا الإرث الحضاري، جاء إلى هنا ليثير نعرات طائفية ويبث الكراهية والحقد بين مكونات المجتمع السويدي، من جهة، ويلطخ سمعة السويد وصورتها من جهة أخرى.

الأمر لا يتعلق بملايين الكرونات التي صرفتها الشرطة السويدية خلال ساعات قليلة على تأمين المكان له، ولا على الأضرار التي لحقت بالسفارة السويدية في بغداد، ولكن على الثمن المرتفع الذي ستدفعه السويد في حال عدم تدارك الموقف ووقف حملات المقاطعة لها ولبضائعها وعلى محاولات ترميم صورتها في العالم العربي والإسلامي.
حتى بوتين الرئيس الروسي أدلى بدلوه وانتهز فرصة ذهبية لكي يبين للمسلمين عنده وفي العالم أن السويد والغرب يسيئ لهم ولدينهم، فرصة ذهبية يمكن استخدامها في هذه المرحلة الحساسة التي قد تواجه فيها السويد ما هو أسوأ من تبعات الحرب في أوكرانيا.

السويد التي تفاخر العالم بدفاعها عن حقوق الإنسان وحماية الأقليات وبقيم المساواة، أصبحت صورتها الآن مهددة ليس خارج السويد ولكن والأهم من الداخل أيضاً.
نعم هناك من يقول إن الثمن الذي تدفعه السويد الآن هو ثمن الدفاع عن مبدأ أساسي من مبادئ دستورها، مبدأ حرية التعبير المقدس، ولكن كيف يمكن لشخص عابث وكاره أن يستغل ما هو مقدس لكي يعبث بأمن المجتمع وسمعة البلد؟ ويهين مشاعر مجموعة دينية كبيرة؟

هذا هو السؤال الذي يجب إثارته الآن على كل المستويات، لقد حان الوقت للنظر في العديد من القوانين الصماء التي تحتاج إلى ملائمة مع المتغيرات التي تحصل في السويد وفي محيطها.

على مدارين يومين استضافتني أنا وزميلي مهند عدة فضائيات وقنوات ناطقة بالعربية، للتعليق على ما حدث وكان السؤال الأبرز هو لماذا تسمح السويد بحرق المصحف؟ بل كان السؤال أحياناً لماذا تتعمد السويد السماح بحرق كتاب المسلمين المقدس؟ لقد حاولنا إعطاء الصورة الحقيقة عن السويد وقوانينها وعن تركيبة الحكم فيه، لأن طبيعة الأسئلة التي وجهت لنا تنم عن عدم فهم لكيف تُسير السويد وتُحكم.

أولاً السويد لا تتعمد على الإطلاق السماح بحرق الرموز الدينية إجمالاً ومنها الإسلامية بل إن الشرطة أوقفت العديد من الطلبات خلال الفترة الماضية، لكن دعوات قضائية رفعت ضد الشرطة أجبرتها على التراجع، لأن القرارات القضائية استندت إلى الدستور السويدي، حاولنا أن نظهر عمل الشرطة ودورها في المجتمع، وقلنا إن الشرطة التي كانت تؤمن المكان لمن قام بمسرحيته السخيفة بحرق نسخة من المصحف هي نفسها الشرطة التي حمت وأمنت أماكن لآلاف المسلمين في كافة المدن السويدية لكي يحتفلوا بعيد الأضحى وبالأعياد والمناسبات الأخرى.

من خلال أسئلة الصحفيين ومقدمي البرامج التي استضافتنا لاحظنا أنهم لا يعلمون بأن الشرطة في السويد مؤسسة حكومية مستقلة بعملها مثل كل المؤسسات الحكومية الأخرى ولا يُسمح ولا يجوز أن يتدخل بعملها أي شخص أو جهة حكومية أخرى.

أي لا يُسمح مثلا لوزير الداخلية أو العدل أو أي وزير آخر التأثير على عمل هذه المؤسسة، الوزير هو مسؤول سياسي عن تنفيذ توجهات المؤسسة وسياساتها العامة، ولكن لا أحد يتدخل بعملها وقراراتها. وهذا ما لاحظناه عندما ادعى السفير الإسرائيلي بأنه هو ومن خلال الضغط الذي مارسه على الخارجية السويدية من ساهم بوقف حرق التوراة.
وزارة الخارجية السويدية أرسلت لنا حينها رسالة أكدت فيها أنها لا تستطيع التأثير على الشرطة في منح تصاريح المظاهرات إطلاقاً.

والحقيقة أن من أوقف حرق التوراة هي جمعيات وشخصيات إسلامية أقنعت من قدم الطلب بسحب طلبه، لأنه ليس من شيم الإسلام الرد على الإساءة بالإساءة وهذا ليس رداً يساعد على حل المشكلة كما أوضحت هذه الجهات.
من خلال بعض الأسئلة التي وجهت لنا كانت تبين أن هناك عدم معرفة أيضا بأن القضاء في السويد مستقل تماماً عن بقية السلطات، كما يجب أن يكون في كل أنظمة العالم وأن القانون فوق الجميع.

وتبين أيضاً أنهم لا يعلمون بأن القانون بالسويد يسمح بانتقاد الأديان وتجريم التعرض لأتباع أي دين وهذا ما استغله بالودان سابقاً وما يحاول سلوان تقليده الآن، لكن ما بين بالودان وسلون فرق كبير بالذكاء على الأقل لأن سلوان وأثناء مسرحيته أخطأ وأطلق إساءات ضد المسلمين وسجلت عليه ومن الممكن على أساسها ملاحقته قانونياً.

نحن وكوسيلة إعلامية نحاول منذ اندلاع هذه الأزمة الجديدة أن نمنح منابر للشخصيات الدينية والمجتمعية التي تنشر رسائل التسامح وترفع من مسؤولية الشعور بالمواطنة السويدية التي تجمعنا، لأن ما يضر السويد في الخارج يؤثر علينا هنا ونحن نرى أن الأقلية الإسلامية والعربية يجب الآن أن تقوم بواجبها في تصحيح بعض المفاهيم والصور المشوهة عن السويد من جهة ونبذ وإدانة ما قام به هذا الشخص وغيره من التعدي على الرموز المقدسة، ما يجب على الجاليات الإسلامية والعربية وغيرها هو تحويل هذه الأزمة إلى مناسبة لإظهار أننا نستطيع استخدام الأدوات الحضارية والديمقراطية المسموح بها من أجل التأثير ومحاولة التغيير.

نعم هناك من يشعر الآن بالغضب ولكن الغلبة دائما لمن لا يجعل الغضب يسيطر عليه ويقوده للتسرع والتصرف تصرفات تؤذيه وتؤذي الجميع. (المعركة التي يمكن لكل المتضررين خوضها الآن في السويد هي معركة حقوقية ضد أصوات اليمين المتطرف التي تنشر الإسلاموفوبيا، وهنا ينبغي أن يكون التركيز برأينا، عبر تثبيت الحقوق ومحاولة توسيع جريمة الكراهية لتشمل استعراضات كالتي بتنا نراها بشكل متكرر).

تحويل هذه الأزمة إلى مناسبة للتغيير أمر واقعي وقائم ولكن يتطلب جهد منظم وإرادة قوية.

محمود آغا

Others are reading too

Alkompis Communication AB 559169-6140 © 2024.