الحلم يتحول الى كابوس

مقالات الرأي: تفتخر السويد، بأنها كانت السبّاقة بتشريع قانون منع ضرب الأطفال في العام 1979، وبعد ذلك أصبحنا في السويد نعتقد بأننا أفضل دول العالم في حماية الاطفال.

 لسنوات عديدة كانت السويد ترفض حتى التوقيع على اتفاقية حقوق الطفل الدولية لأنه كان هناك تصور ان لدينا قوانين لحماية الطفل أفضل من الاتفاقية الدولية.. LVUمن ضمن القوانين التي يتم الافتخار فيها هي قانون رعاية الاحداث الهدف من القانون هو التأكد من ان لا يتعرض الاطفال والاحداث للأذى في بيوتهم.

هذا قانون يتفق عليه الجميع من حيث المبدأ بانه يجب حماية الاطفال من العنف, الاهانة, الاعتداء والظروف السيئة الخ. القانون لا غبار عليه ولكن كيف تم تطبيق القانون، ويتم تطبيقه الآن، بالإضافة الى كيف سيجري تطبيقه في المستقبل، هو مثار جدل واسع.

 في عملي كمحامي التقي بالعديد من الاهالي حيث أصبح بإمكاني ان أرى ان القانون أصبح كابوسا لهم، الاهالي وخصوصا من لديهم خلفية اجنبية وخاصة عربية أصبحوا يعيشون في رعب خسارة اولادهم.

“لا ينامون الليل خوفا من أخذ أطفالهم”!

أخبرني الكثير من الوالدين انهم لا يقدروا ان يناموا الليل لأنهم خائفين من ان يأخذ (السوسيال اولادهم). البعض منهم قرروا حتى ان يتركوا السويد ويعيشوا في بلد اخر.

هناك نساء اخترن ان لا تبلغن على الأزواج الذين يعتدون عليهن، ليس لأنهن يردن حماية الزوج بل لأنهن خائفات من ان لجنة الشؤون الاجتماعية (السوسيال) ممكن ان يتهموهن بالإهمال ويأخذوا الاولاد لأنهن تقبلن عنف منزلي لمدة من الوقت.

 اناس اخرين أصبحوا يخافون من جيرانهم, من اصدفاهم, من عملهم, من مدرسيهم الخ. ولدي لائحة طويلة من امور أصبح الاهالي يخافون منها.

بين الناس العاديين الذين لم يتعرضوا لمعاملة السوسيال يوجد موقف “لا يوجد دخان دون نار” بمعنى ان الشخص الذي لا يعمل خطأ لا يمكن ان يتعرض لشيء.

 هذا الامر صحيح في اغلب الحالات وانا من مؤيديه ولكن يوجد هناك حالات عديدة لا ينطبق عليها هذا الامر. في عملي تكلمت مع العديد من الاهالي الذين أخبروني ان اولادهم يستغلون ان السوسيال “مستعد” للتدخل فور قول الطفل اي كلمة. يمكن حتى للأطفال ان يهددوا بكلمات مثل “إذا لا تعطوني ما اريده فسأقول في المدرسة ان اهلي يضربوني” او “اذا لم تعطوني ما أريد فسأقول انكم تقيدون حريتي وتجبروني على الدين/الشرف/زواج القاصرين والمدرسين سيقومون بتقديم البلاغ”.

عواقب هذا الامر اصبحت ان الاهل أصبحوا خائفين من تربية اولادهم. عندما اقول تربية فطبعا لا اقصد ضرب الاولاد إذا اختار شخص ان يفسر كلماتي بهذه الطريقة. الاهل أصبحوا بين المطرقة والسندان. فمن جهة يجب ان يعملوا شيء كي لا يتورط اطفالهم بمعاشرات رديئة واصدقاء السوء مما سيؤدي الى دمار مستقبلهم ومن جهة اخرى يخاف الاهل من ان السوسيال فجأة يستدعيهم الى تحقيقات لا بل والأسواء استدعاء الاطفال للتحقيق للكشف عن اي غلطة قد يكون الاهل ارتكبوها.

الأطفال أيضا يشعرون بحيرة

حتى الاطفال والاحداث يخبروني انهم يخافوا ان يطلبوا المساعدة فهم أصبحوا عارفين ان السوسيال إذا عرف بمشكلتهم فممكن ان يأخذهم من حضن اهلهم الى مكان مجهول.

هؤلاء الاطفال لا يرغبوا في اغلب الحالات بترك بيوتهم بل كل ما يطمحوا اليه هو ان يتم تحذير وتعليم اهلهم التعامل الصحيح. فعلا هذا كابوس.

 حصلت احيانا على مكالمات من قاصرين يسألون إذا أقدر كمحامي ان اتكلم مع اهلهم بدلا من ان يتكلموا مع السوسيال او معلميهم. يخبروني انهم لا يريدون ان يعيشوا مع عائلة اخرى وان الاب او الام لطيفين ويهتموا بهم ولكن احيانا يعاملوهم بطريقة خاطئة ولكن ليس بشكل كبير والخوف إذا عرف السوسيال بالأمر وقام بتكبير الموضوع.

طبعا الخوف احيانا ليس مبرر ولكن مستحيل علي ان اوعدهم بأن السوسيال لن يأخذهم من اهلهم لأني فعليا لا اعرف مسبقا كيف سيتصرف السوسيال في كل حالة.

للأسف أصبح لدى السوسيال سلطة كبيرة في هذه القضايا بل اصبحت شبه مطلقة. نادرا واقصد نادرا ما تقوم المحكمة باتخاذ قرار ضد قرارات السوسيال. يبدو كما لو ان الموقف ان كل ما يكتبه السوسيال هو صحيح وان الاهل يجب ان يعترفوا بالغلط بغض النظر عن التهمة.

 أصبح الامر مثل القول العربي “ان لم تمت بالسيف مت بغيره”. يعني إذا اعترف الاهل بأنهم عملوا غلط فيؤكدوا موقف السوسيال وقرارهم وإذا لم يعترفوا فهذا دليل على انهم غير جيدين فهم لا يعترفوا بأغلاطهم.

اذا كان المرء اجنبي فيصبح الوضع للأسف اسوء وخصوصا اذا كان الشخص لا يعرف كيف يتصرف او لا يعرف ما يسمح به القانون.

 انا اعرف طبعا ان الهدف من قانون رعاية الاحداث هو حماية القاصرين ولكن تحول القانون من حلم حماية الطفل الى كابوس الاهل والاطفال يوضح ان هناك خطأ يلزم تصحيحه.

ما العمل؟

السؤال الذي ينشئ هو ماذا يجب ان نفعل؟ هل نلغي قانون رعاية الاحداث؟ طبعا لا. هل يجب ان نتغاضى عن الاولاد إذا يتعرضوا لأذى؟ طبعا لا. هل يجب ان نبقي الاهل ان يعيشوا بخوف ورعب؟ الجواب يجب ان يكون ايضا طبعا لا.

في الحقيقة لا يوجد حلول جاهزة أقدمها لحل المشكلة ولكن ما اعتقده هو ان القانون يجب اعادة تنقيحه.

 لما لا يتم اعطاء معلومات اجبارية في كل البلديات لكن المواطنين الذين لديهم اطفال بدورات تتلاءم مع اعمار الاطفال في البلديات والمدارس. دورات مشتركة للأهل والاطفال يتم النقاش فيها بوجهات النظر المختلفة؟

لا يمكن للإنسان اليوم ان يسوق سيارة دون اجازة سياقة بينما يبدو ان تربية الطفل لا تتطلب اي إجازة..

لما لا يصبح القانون على شكل النقاش اولا والعقاب او التصرف ثانيا بدلا ما هو عليه اليوم حيث يقوم السوسيال بأخذ الطفل مباشرة ومن بعدها النقاش.

 القانون يحتوي على هذه المجالات ولكن للأسف يتم استعمالها بشكل اقل مما هو مطلوب.

مثلما قلت فلا يوجد حلول بسيطة وكل شخص يتصور ان الحل موجود لديه برأيي مصاب بجنون العظمة او على الاقل لم يتعامل في عدد كافي من القضايا تجعله يفهم ان الموضوع أكثر تعقيدا من مجرد كتابة مقال.

اردت ان انشر هذا المقال بالسويدي وعرضته على عدة محامين اخرين ولكن يؤسفني ان هناك خوف وقلق من العديدين او عدم تأييد للفكرة.

لا اعرف في ما اذا كان السبب القانون الذي يتم دراسته الان لتصعيب ارجاع الاطفال لذويهم او لان البعض يخافوا ان يأخذوا موقف في موضوع حساس مثل هذا او لأني انا لم انتبه الى شيء مهم.

أرحب بكل التعليقات عسى ولعل نصل لشي يمكننا ان نوصله للمشرعين القوانين خصوصا الان في وقت يتم النقاش فيه بتصعيب قضايا ارجاع الاطفال لذويهم. عسى ولعل تؤدي افكاركم الى كتابة مقال يثير الرأي العام بالموضوع.

المحامي مجيد الناشي

التعليقات

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تعليق واحد

انا المحامي أحمد الحراكي. اشكرك على هذا المقال المفيد.. َانا اعتقد انا جوهر المشكلة ليس في القانون فالقانون كما تفضلت لا غبار عليه. إذا جوهر المشكلة تكمن في القائمين على تطبيق هذا القانون وما يملكون من المؤهلات والصفات الشخصية التي تجعلهم قادرين على تطبيق هذا القانون بنزاهة وحيادية وعدالة. وبذلك لا يظلم الاهل او الاولاد