Lazyload image ...
2013-08-29

 الكومبس – ثقافة: هذا المقال كتبه الكاتب والمترجم رشيد فيلالي في صحيفة العرب في ذكرى ميلاد الكاتب أوغيست ستريندبرغ العام 2009، الكومبس يعيد نشر المقال، لتعريف القراء بأحد أشهر الكتاب السويديين، الذي نُقشت عبارات له على طرقات العاصمة ستوكهولم

 الكومبس – ثقافة: هذا المقال كتبه الكاتب والمترجم رشيد فيلالي في صحيفة العرب في ذكرى ميلاد الكاتب أوغيست ستريندبرغ العام 2009، الكومبس يعيد نشر المقال، لتعريف القراء بأحد أشهر الكتاب السويديين، الذي نُقشت عبارات له على طرقات العاصمة ستوكهولم

ثمة كُتَّاب في وسعنا أن نصف وظائفهم الإبداعية بالمراكز الكهربائية، فهم يهبون الطاقة فيما آخرون ينطبق على أعمالهم نعت الموزعات الهاتفية؛ إذ كل «الخطوط « تتلاقى عندهم، وبالتالي العلاقات الجديدة بين الأفكار تتأسس من خلالهم وتتوطد.

إدموند هوسيرل كان بمثابة مركز كهربائي، جون بول سارتر موزع هاتفي، بيترارك هو أيضا كان مركزا كهربائيا ودانتي كان موزعا هاتفيا.

بناء على هذا التقسيم والتشبيه الطريف، في مقدورنا الجزم بأن كل أدب متحضر عرف هذين النوعين من الكُتَّاب، أو بالأحرى في مقدورنا القول أيضا إنه كي يغدو الأدب متحضرا عليه أن يكون في النتيجة خاضعا للاثنين.. لقد كان الكاتب المسرحي والروائي والباحث السويدي أوغيست ستريندبرغ (1849-1912) من الأدباء المصنفين كموزعات هاتفية، فلقد حول -على نحو جذري- النثر الأدبي سنوات 1870-1880 إلى نثر متفجر يتميز بحيوية كبرى كما لم يشهد له مثيل من قبلُ

فمسرحياته تدب فيها الحياة بمجرد عرضها وإخراجها على الخشبة؛ حيث تنبعث منها مواقف درامية معقَّدة وشديدة الجاذبية في الوقت ذاته.. إن أي مسرحي يجري مقارنة بين تلك الدرامات مع الدراسات الرمزية لـ «ماتيرلينك» سيستبين له الفارق بينهما في الحين، وبديهي أن مسرحيات ستريندبرغ الدرامية بدت أيضا غاية في الأصالة الفنية بالنظر إلى جميع الدرامات المعاصرة حتى تلك التي كتبها «إيبسن».. وربما ليس فقط أسلوب النثر السويدي والمسرح المعاصر اللذين أعطاهما ستريندبرغ وللأبد انعطافة جديدة.. أحيانا يبدو أنه أبدع كذلك شيئا متميزا ينطلق من ذلك الإحساس الخاص بالوجود لدى المواطن السويدي، هذا الذي نطلق عليه عادة المعاصر لـ «السويد الأوسكارية» نسبة إلى الملك أوسكار الثاني (توفي عام 1907).. فهذا الإحساس ضمن خطوطه العامة الشبيه بالمرحلة الفيكتورية في إنجلترا يظهر كعالم مختلف شاذ وغريب.

في سنوات 1890 برزت للوجود سريعا حركة صناعية مهَّدت السبيل لظهور برجوازية اقتصادية غيَّرت وجه ستوكهولم إلى شيء بدا قرين الشبه ببرلين في زمن جمهورية فايمار العامرة بالمباهج الثقافية، لقد شجعت في ذلك الحين الابتكارات والبعثات العلمية مثل بعثة «فيغا Vèga» لنوردينسكيولد، وقد بلغ الطموح أقصاه مع المحاولة المأساوية المجنونة -مثلا- التي قام بها المهندس أندري للوصول إلى القطب الشمالي بواسطة منطاد الغاز! وفيما يتعلق بالكتاب فهم الوحيدون الذين حافظوا في ذلك العهد على ما يحلق في مدار المثاليين والمخلصين للأكاديمية السويدية والقضاة.. لقد كانت أشعارهم التي انتحلت من طرف شعراء مغمورين تبدو بائسة فوضوية منذ ولادتها الأولى، وهي تتعارض بقوة مع ما يكتبه كبار الأدباء في تلك الفترة من أمثال ستريندبرغ وأولاهانسون

كان ستريندبرغ دائم القلق، أكولا يملك كل شيء: الأصدقاء، الزوجات، الآراء.. وكان منجذبا للاشتراكية، الملكية، نيتشه، ولمعادلة كورت فاينينغر (العداء لليهود والنساء!) ينط متنقلا من هذه إلى تلك وأحيانا بشكل غريب إليها جميعا.. وقد انصب اهتمامه على الأدب لكن أيضا على العلم والكيمياء، وقد جرفته موجات العلم التي ظهرت في باريس سنة 1890 وما مؤلفه «كتب زرقاء» إلا خير شاهد على ذلك، مرت عليه مراحل من اليأس وصفها بعض مؤرخي سيرته كجرعات بارانوياتية في الحين الذي عدها آخرون كأزمات فكرية أكثر منها نفسية.. هذه الأزمات قادته إلى ما يشبه التجرد الصوفي، عند موته بمرض السرطان مطلع 1912 سار خلفه عشرات الألوف من عمال ستوكهولم.. كان الجميع في أثناء عملية الدفن يفكرون في جنازات مشابهة لكتاب كبار عمالقة أمثال «إيميل زولا»، «فيكتور هيغو».. لكن حسب كتابات باحث سويدي شاب يُدعى «كلاس روزنكيست» الأمر لم يكن سوى مغازلة بين قبائل سياسية مختلفة، والتي عن طريق الصدفة انتهت إلى هذا الاختلاط المفاجئ.. وفي شهر مايو من السنة نفسها، جرى الاحتفال الكبير بالكاتب الراحل في ذكرى للوطنيين السويديين

وعلى اعتبار أنه يملك شعبية كبيرة اليوم في السويد، فإن ستريندبرغ يقدم أحيانا كرائد الاشتراكية الديمقراطية المعاصرة.. ولعدة أسباب نستطيع أيضا اعتباره رائد الاشتراكية الداروينية، فضلا عن العنصرية الموجودة عند الأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة، لكن أيضا المبشر بهيرمان هيسه نابغة الأدب الألماني أو كذلك اليسار الكاليفورني!

إن الاحتكاكات الفوضوية لستريندبرغ والتي كانت مثيرة وموفقة في الوقت نفسه تستحق أن تُعرض على الشاشات الصغيرة، لاسيَّما في تلك اللحظة التي حوكم فيها، والتي تشبه في جوها العام قضية بادر ماينهوف، وطبعا على الطبيب الشاب سيغموند فرويد أن يكشف عند ستريندبرغ ما يسهم في تدعيم البحوث حول الهيستيريا للسيد شاركو في «مصنع البارود»، والذي كانت دراساته على النساء العاملات مدخلا لاكتشاف التحليل النفسي، بيد أن النقطة اللافتة للانتباه من دون شك في هذا الإطار هي التركيز حول زيجات ستريندبرغ، فالسيرة التي أعدها أونكيست تتكئ على

المغالاة السيكولوجية؛ حيث جعل من ستريندبرغ إنسانا شاذا جنسيا غير قادر على أن يكون كامل الرجولة.

ومن المراحل الخاصة في حياة ستريندبرغ ما اختزله أونكيست في عقدة «البارانويا»، لهذا فمقاربته كانت على طول الخط من النوع «العلاجي» وليس الفكري إطلاقا، وقد كان هذا يصلح بالتأكيد لإنتاج «مشاهد»، لكنها مشاهد خداعة مغشوشة.. إن ستريندبرغ عبقرية بألف وجه؛ إذ في مقدورنا أن نضيف إلى محطات حياته المتقلبة سالفة الذكر، والتي تجلت فيها شخصيته كحجر الماس متعدد الواجهات والألوان والبريق، فلقد كان أيضا في إمكانه أن ينجح كسياسي أو رجل أعمال أكثر منه كاتبا، لكن فجائع الحياة دفعته لأن «يدون» الكل، بعد أن يمزج الجميع بأحاسيسه الرقيقة المتعبة، الشيء الذي كان له صدى ترك رنينه في جنبات الكون.

Related Posts