Lazyload image ...
2012-07-15

أعلن الكولونيل عوفر هندي، في الخامس من شهر تموز/يوليو الجاري، عن نية الجيش الإسرائيلي استئناف عمليات بناء جدار الفصل المتوقفة منذ خمس سنوات. وأضاف هندي المسؤول عن عمليات البناء في تصريح له أمام المحكمة الإسرائيلية العليا قائلا "إن عملية البناء ستجرى في مرحلة أولى حول مستوطنة "غوش عتسيون" قرب بيت لحم، على أن تتواصل حول مستوطنة "معالي أدوميم" إحدى أكبر مستوطنات الضفة الغربية الواقعة شرق القدس".

أعلن الكولونيل عوفر هندي، في الخامس من شهر تموز/يوليو الجاري، عن نية الجيش الإسرائيلي استئناف عمليات بناء جدار الفصل المتوقفة منذ خمس سنوات. وأضاف هندي المسؤول عن عمليات البناء في تصريح له أمام المحكمة الإسرائيلية العليا قائلا "إن عملية البناء ستجرى في مرحلة أولى حول مستوطنة "غوش عتسيون" قرب بيت لحم، على أن تتواصل حول مستوطنة "معالي أدوميم" إحدى أكبر مستوطنات الضفة الغربية الواقعة شرق القدس".

بالتزامن مع ذلك، أصدر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية تقريراً بيَّن فيه من خلال إحصائيات موثقة أن المقطع الجديد من الجدار سيعزل ما مجموعه 23000 فلسطيني، وسيعرقل وصول 7500 منهم إلى أماكن عملهم، وسيحول دون تقديم خدمات أساسية لخمسة عشر تجمعاً سكانياً فلسطينياً، وبأنه في حال استكمال بناء الجدار سيصبح 85% من مسار الجدار داخل الضفة الغربية وبذلك يعزل ما يقارب 9.5% من أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. وبيَّن التقرير أيضاً أن 71 مستوطنة من مجموع 150 مستوطنة تقع في الضفة الغربية -شرق الجدار- في حين يقيم ما يزيد على 85 % من المستوطنين في الجانب الإسرائيلي من مسار الجدار. وهو ما يستدل منه أن إسرائيل ستضغط في أي تسوية مع الفلسطينيين لتوسيع الجدار باتجاه الشرق لضم أكبر عدد ممكن من المستوطنات في عمق الضفة الغربية.

ومن المفروغ منه أن قرار سلطات الاحتلال مواصلة بناء المقطع الشرقي من جدران الفصل سيقوض المساعي الدولية المبذولة لإحياء المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، فإقامة إسرائيل للجدران العازلة الثلاثة (الغربي – العمق – الشرقي) يندرج ضمن سياق خطة استباقية إسرائيلية شاملة، بحيث يكون من المستحيل الفتح على التسوية النهائية للصراع بشكل يخالف ويخرج الأمور من إطار "الرؤية الإسرائيلية للحل" المدعومة أميركياً.

ويشار إلى أن فكرة بناء جدران الضم والفصل العنصرية من بنات أفكار رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحاق رابين، يرجع أصلها إلى مشروع قدمه عام 1968 إيغال آلون، وبعد سقوط حكومة العمل في العام 1996 تبنت حكومة الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو المشروع، وعملت على تجسيده حكومة شارون في العام 2001، ووضعت المسار النهائي للجدران في 21/10/2003، بحيث تشكل خطاً متواصلاً طوله 720 كم.

ويموه الإسرائيليون في خطابهم السياسي والإعلامي على الهدف من وراء إقامة جدران الفصل بالحديث فقط عن جدار عزل واحد، هو الجدار الغربي على امتداد حدود خط الهدنة في العام 1949، ويسمونه "السور الأمني"، لأن التركيز على هذا الجدار وحده يوحي وكأن الهدف الإسرائيلي هو رسم الحدود الجغرافية مع الدولة الفلسطينية الموعودة، مع تعديلات تضمن ضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية، بما يوفر الأمن "للعمق الإسرائيلي". وفي هذه النقطة قد يحصل التباس القراءة الخاطئة للتصرف الإسرائيلي، فقد ذهب البعض للاعتقاد بأنه رغم التغييرات على الخط الحدودي فإن إسرائيل بإقامتها "الجدار العازل" وافقت من حيث المبدأ على دولة فلسطينية، والفصل عن إقليم الدولة الموعودة، أما التعديات على الأراضي الفلسطينية وضم جزء منها فيمكن معالجتها لاحقاً من خلال عملية تفاوضية!

لكن الوقائع أثبتت أن الحديث عن موافقة إسرائيل على قيام دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على الحياة يستند إلى خداع للذات، فالمسار النهائي لجدران العزل يصادر عملياً مقومات السيادة الفلسطينية، ويمنع قيام كيان فلسطيني مستقل ومتواصل جغرافياً وقابل للحياة، ويحوَّل إقليم الدولة الموعودة إلى ثماني جزر منفصلة و"بانتوستانات" لا رابط بينها. بينما تبقى مقومات السيادة والسلطة الفعلية بيد الاحتلال الإسرائيلي.

ولهذا رفضت إسرائيل تضمين أية وثيقة صادرة خلال مفاوضات أوسلو وما تلاها عبارة "دولة فلسطينية مستقلة"، واستبقت عام 2004 قرار محكمة العدل الدولية حول جدران الضم والفصل العنصرية بإعلان رفضها لأي قرار يدين إقامتها، وبعد صدور القرار بإدانتها ومطالبتها بإزالة هذه الجدران والتعويض على المتضررين منها، عادت إسرائيل وأكدت رفضها لقرار المحكمة، ولقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المعزز له.

إن حقيقة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها إسرائيل من خلال بنائها جدران العزل هي منع قيام كيان فلسطيني مستقل، فالجدران في حال اكتمال بنائها نسبة كبيرة من مجموع أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة. وستحول ما سيتبقى منها في أيدي الفلسطينيين إلى سجن كبير. وحرصت في رسمها لمسار الجدران على ضم أغلب مناطق مدينة قلقيلية الفلسطينية، لوضع يدها على خزان المياه الجوفية الفلسطينية، حيث إن الآبار الموجودة في هذه المنطقة تزود الضفة الفلسطينية بـنحو 50% من مجموع احتياجاتها من المياه الصالحة للشرب والزراعة المروية، وتشكل 40% من مصادر المياه الجوفية في الضفة الفلسطينية.

كما أن استكمال بناء جدران العزل يمثل الحلقة الأخيرة من الخطة الإسرائيلية الهادفة إلى إحكام الحصار على المناطق الفلسطينية المحتلة، فمنذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي تفجرت في 29/1/2000 واجه الاقتصاد الفلسطيني ظروفاً لم يسبق لها مثيل جراء الحصار الشامل على قطاع غزة والضفة الفلسطينية، إذ أغلقت إسرائيل كل المنافذ الخارجية للضفة والقطاع مع الدول المجاورة ومع الخط الأخضر، في سياق سياسة متكاملة تقوم على عدم السماح بدخول المواد الخام أو خروج المواد المصنعة المعدة للتصدير، وقطع التيار الكهربائي، وحرمان العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وتعطيل حركة التجارة الداخلية بين المدن الفلسطينية، وتدمير العديد من المنشآت الزراعية، وتجريف الأراضي الزراعية عماد الصناعتين التحويلية والغذائية الفلسطينية، وضرب فرص جلب استثمارات من خارج المناطق المحتلة.إن الموقف الإسرائيلي من جدران العزل والفصل منذ الشروع بإقامتها وحتى الآن، يتجسد في أن قادة إسرائيل يرفضون بشكل قاطع اعتبار هذه الجدران رسماً للحدود بشكل نهائي، كونها ستضع سقفاً لتطور المشروع الاستيطاني الإسرائيلي لاحقاً. وحسب رؤيتهم هي ليست إلا حدوداً بين إسرائيل والدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة، ويجب أن تكون خاضعة للتحريك شرقاً لقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

على ماذا سيفاوض الفلسطينيون إذا ما استكملت إسرائيل مصادرة مقومات دولتهم العتيدة؟ سؤال تجدر الإجابة عليه من قبل "الرباعية الدولية" ليس بالإدانات اللفظية للأعمال الاستيطانية والتوسعية الإسرائيلية، بل بالأفعال.

عامر راشد

أنباء موسكو 14 يوليو 2012

Related Posts