Lazyload image ...
2012-06-30

سقطت أنظمة عربية وقد تسقط أنظمة أخرى فقوانين التطور التاريخي لا تعرف الاستثناء, ووجدت الشعوب العربية أنها بلا زعامة, ولا وصاية عليها, وأصبح قرارها في إرادتها, وعبء الحرية قد يكون أكثر ثقلا من عبء العبودية, وهذا قانون من قوانين الوجود فالإنسان الحر يستمتع بالحياة أكثر, ويشعر بكرامته وإنسانيته, لكنه يتألم أكثر وأعظم المتألمين هم أعظم المفكرين والمبدعين يغمر وجدانهم الجمال والفن, ويعمق آلمهم القبح والشر, والشعوب الحرة تتذوق الحياة أكثر من الشعوب المستعبدة ولكنها تقدم التضحية وتلتزم بالقانون عن حرية

هل ألقت رياح الربيع العربي‏,‏ شعوبنا في فراغ سياسي أو أيديولوجي أو فوضي اجتماعية ؟ أو هو مخاض عسير تئن منه الشعوب حتى تلد مستقبلا أكثر جمالا وإشراقا؟

هل فاجأ الربيع العربي أمتنا العربية, أم جاء تطورا طبيعيا ومنطقيا مع سنن الحياة والتقدم؟ لنعترف بأن الحقائق العلمية تؤكد لنا أن لا فراغ في النظام الكوني ولا عبث أو مصادفة في الوجود وإنما يمضي التاريخ وفق قانون نراه أو لا نراه كما أشار إلي ذلك ابن خلدون في مقدمته.

سقطت أنظمة عربية وقد تسقط أنظمة أخرى فقوانين التطور التاريخي لا تعرف الاستثناء, ووجدت الشعوب العربية أنها بلا زعامة, ولا وصاية عليها, وأصبح قرارها في إرادتها, وعبء الحرية قد يكون أكثر ثقلا من عبء العبودية, وهذا قانون من قوانين الوجود فالإنسان الحر يستمتع بالحياة أكثر, ويشعر بكرامته وإنسانيته, لكنه يتألم أكثر وأعظم المتألمين هم أعظم المفكرين والمبدعين يغمر وجدانهم الجمال والفن, ويعمق آلمهم القبح والشر, والشعوب الحرة تتذوق الحياة أكثر من الشعوب المستعبدة ولكنها تقدم التضحية وتلتزم بالقانون عن حرية وعن اقتناع أما الاستعباد فهو يسحق قيمة الإنسان حتى ليقترب من عالم الحيوان, ارتبكت أمور شعوبنا وتعقدت قضاياها, وراحت تبحث عن سبيل للخروج من مأزق الحرية والتزامات الديمقراطية, وبعد طول استسلام وخنوع للحكام والنظم الشمولية, واجهت عالما يحيط بها لم تكن تدرك متناقضاته, وخبايا ساسته نعرف أن البشر موحدون في امتلاك العقول فكل يعجبه عقله, لكنهم مختلفون في الثقافات والتقاليد وإرث الماضي, كما يمتلكون الحس الديني والضمير الأخلاقي ولكن أديانهم متعددة ومذاهبهم متفرقة ونظراتهم الأخلاقية متباينة, ونسمع في أيامنا صدي كلمات جديدة في فضاء العالم, التعايش السلمي بين الشعوب, حوار الأديان, الاقتصاد الموجه, قانون السوق, العلمنة والعلمانية, الثقافة الإنسانية, الهوية القومية, دور الأديان في بناء الحضارة وفي التنمية والترقي, في هذا الزحام الخانق من الفكر والنظريات, راحت الشعوب العربية تصارع للخروج إلي مستقبل جديد, ولا تدري متي يهدأ هذا الصراع ويشرق فجر الأمن والسلام, أو ما موقفها من كل هذا اللغط!! وأمامها تحديات كثيرة أشير إلي ثلاثة منها.

التحدي الأول: هيمنة الماضي علي الحاضر والمستقبل, إننا نخاف التطور والتجديد ونخشى اختراق المجهول ويقلقنا الإبداع, ونعيش علي هامش حضارة العصر, نستخدم أدواتها, نستمتع ببعض مباهجها وترفها, لكننا لا نسهم في بنائها وفهم أسرارها, مازالت عقليتنا زراعية لا ندرك مثلا فداحة ثمن نقطة الماء, ولا نقدر قيمة الوقت ولا نحترم قوانين العلم ومعني الدقة والإتقان ونتهاون في تأدية واجباتنا, ننصت كثيرا إلي أقوال الحكمة والتقوى, ولا ننشغل كثيرا بتطبيقها وممارستها, نتمسك بشدة بالطقوس والمظاهر وبإيجاز نعشق الماضي ولا نغربله لنفرز منه ما يفيد عما يضر نتوهم أنه كان جنة وننسي مآسيه وكوارثه.

لذلك أصيبت مجتمعاتنا الشرقية بازدواج في الشخصية مما عطل تقدمها الإنساني, ولن تتحقق تنمية أو يرتقي مجتمع أو تنهض أمة إلا علي أسس من العلم والإتقان واحترام قوانين الطبيعة في تطورها.

التحدي الثاني: النظرة إلي العالم من حولنا, علي الثورات العربية أن تغير نظرتنا القديمة إلي العالم فلم يعد هذا العالم منقسما انقساما دينيا إلي عالم إسلامي, وعالم مسيحي, وعالم بوذي, وعالم شيوعي, لم تعد هناك دار للحرب لأن الحرب قد تنفجر في كل مكان, أو دار للسلام لأن السلام يصنعه البشر كافة متضامنين وتقيمه الأديان متفاهمة وإلا فلا سلام مطلقا دون هذا التضامن والتفاهم, ينبغي أن يتعمق في مجتمعاتنا بجانب الحس الوطني الحس الإنساني, فالبشر أسرة واحدة, تحكمها المصالح الاقتصادية والسياسية ويحدث بين أعضائها تبادل الثقافات والآداب والفنون.

التحدي الثالث: هو النظرة إلي الإنسان الآخر, لقد كذب سارتر في قوله إن الجحيم هو الإنسان الآخر, وبرغم بطلان هذا الإدعاء فإن عالمنا العربي يطبق هذا المبدأ ويعيشه, فمن هو الإنسان الآخر؟ هو كل إنسان التقي به, أتعامل معه, يشاركني العالم والوطن الحاضر والمستقبل, إن لم ترتكز علاقتنا بالإنسان الآخر مهما اختلفنا جنسا أو دينا أو رؤية أو ثقافة علي العدل والمساواة, فإنه يصبح جحيما لنا وله, وعالمنا العربي تسيطر عليه حتى الآن روح القبلية والعصبية والاستعلاء واحتقار الإنسان وبخاصة الفقير والضعيف بل هناك أسواق رائجة للرقيق في بعض المناطق, لذا لا غرابة أن نسبة اللاجئين المهاجرين قسرا والهاربين من الظلم في عالمنا العربي كبيرة وفي ازدياد حتى أصبح المواطن يشعر بغربة في وطنه ومدينته وقريته والغربة الحقيقية هي الإحساس بأنه مرذول ومكروه وغير مرغوب في وجوده, هل يعقل أن يصل الخلاف بين المذاهب حد الاقتتال وكأننا نقول للإنسان الآخر, إما أنا وإما أنت فالحياة لا تحتملنا معا, والأرض لا تسعنا كلنا, وقد أسقطنا قيم الإنسانية والأخوة التي قامت من أجلها الأديان ومؤسسات حقوق الإنسان, هذا التحدي يظل عقبة كأداء أمام وحدة أي وطن, وهوة سحيقة بين وجدان الشعوب, فالشعوب من أصل واحد متساوية حرة عاقلة, لكن الثقافة والتقاليد والفقر والجهل, عوامل تؤثر في صياغة كيانها, ينبغي أن نغرس في وجدان أبناء أمتنا العربية أننا لن نتفوق علي شعب إلا بالأخلاق والعمل والعلم, وأننا لم نرث الفضيلة والكمال من تاريخنا فالفضيلة لا تورث بل تكتسب ذلك بالممارسة والحياة والجهاد, الحس الإنساني لا يقل أهمية عن الحس الوطني, فكلاهما ضروري لبناء الشخصية والمجتمع وبخاصة في عصر تقارب فيه البشر, واختلطت الأنساب, وأضحي العالم مدينة كبيرة, وما يسعد إنسانا في القطب الشمالي يسعدنا وما يحزن إنسانا في كهوف إفريقيا يحزننا, فالعقول والعلوم والآداب والفنون تراث للإنسانية كلها, الإنسان الآخر هو الذي يشعرني بأني موجود وحي, ويعطي لحياتي معني, والحضارات ليست ثمار بلد أو منطقة بل هي من نتاج عقول وأجناس وثقافات متعددة, وبجانب عقل كل إنسان, هناك عقل جماعي للأمة وعقل إنساني للبشرية كافة.

متي نخترق المستقبل, نفكر في بنائه, ننهض بالوطن, نكف عن البكاء علي اللبن المسكوب, نكتشف من جديد عظمة وخلود هذا الوطن, متى نخرج من كهوف الخوف والحيرة والقلق لينطلق عقلنا وقلبنا وآدابنا وفنوننا إلي رحاب المستقبل.

د‏.‏ الأنبا يوحنا قلته

عن "الأهرام"