الكومبس ـ خاص: “الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون”، مثلٌ عربي شائع، تجلى ربما في حالة بنات أربع، عشن بحالة عدم استقرار حيث تنقلن بين والدهن ووالدتهن المنفصلين بين غزة والسويد وبلجيكا.

يسرد الوالد عامر ( اسم مستعار) والبالغ من العمر (40 عاماً) للكومبس، أنه كان متزوجاً من ديالا (اسم مستعار, 40 عاماً) وكانا يعيشان في غزة ولديهما أربع بنات، أكبرهن عمرها حوالي 15 سنة وأضغرهن 10 سنوات. في العام 2017، سافرت ديالا من غزة إلى فرنسا للمشاركة في مؤتمر طبي، ثم انتقلت إلى السويد وحصلت على إقامة.

وبعد لمّ شمل العائلة إلى السويد، حصلت مشاكل أسرية أدت إلى تقديم شكوى متبادلة إلى الشرطة فالزوج اشتكى على زوجته بسبب عنف لفظي وديالا اشتكت على زوجها بسبب عنف جسدي، حسب أقوالهما. وبعد هذه المشاكل حدث الانفصال بينهما، وأحيلت قضية حضانة الفتيات الصغيرات إلى “السوسيال” الذي منح الحضانة الكاملة للأم، مع الإقامة في مأوى حماية.

وعلى إثر ذلك فقد عامر حقه في طلب لمّ الشمل وبالتالي إقامته، فانتقل إلى بلجيكا لطلب اللجوء.

في يوليو 2023، أرسلت ديالا الفتيات إلى غزة دون إعلامه. قال عامر “فوجئت باتصال من ابنتي الكبرى تقول فيه إنهن في غزة ولا يعلمن متى سيعدن للسويد”.

الحرب وتأثيرها النفسي على البنات

بررت ديالا قرارها بإرسال بناتها لغزة بأنها كانت تحاول حمايتهن بعد أن تقدمت ابنتها الكبرى بشكوى ضدها، رغم إغلاق التحقيق، ولكن هذا سبب تخوفاً لها من تكرار الحالة فقررت اصطحابهن لمصر ثم إرسالهن لغزة للبقاء لدى عائلتها وعائلة والدهن، خصوصاً أن عامر هو من كان يكرر دوماً بأنه يريد أن يعيد بناته لغزة على حد قول ديالا.

روى عامر معاناة بناته خلال اندلاع الحرب في غزة، حيث بقين هناك مع أهله دون محاولة من الأم لإعادتهن إلى السويد، فاضطررن للتنقّل من خيمة إلى أخرى، يواجهن المرض والجوع. وبعد فترة طويلة من المعاناة، وافقت الأم على إعادتهن لكن بشرط أن يتكفل عامر بتكاليف تذاكر السفر، على أن يتم استقبالهن في بلجيكا، مؤكدة أنها لن تعيدهن إلى السويد.

بينما قالت ديالا إن منطقتهم في غزة لم تكن خطيرة، لكنها أبلغت الخارجية السويدية في ديسمبر 2023 برغبتها في إجلاء الأطفال. وبعد صدور أسمائهن ضمن قوائم الإجلاء، سافرت إلى مصر ثم نقلتهن إلى والدهن في بلجيكا، لتفادي فتح تحقيق حول وجودهم في غزة أثناء الحرب.

تبادل الاتهامات بين الأم والأب

يتهم عامر طليقته بأنها تخلّت عن بناتها وهن بأمس الحاجة لها وبأنه غير قادر على الاهتمام بهن لوحده خصوصاً أن البنات هن بحالة حاجة حقيقية لأمهن.

فيما تقول ديالا “لا توجد أم تتخلى عن بناتها، لكنني لا أستطيع إعادتهن للسويد بعد انتهاء إقامتهن في السويد وحصولهن على إقامة في بلجيكا، لأنني غير مدركة كيف سيتم التعامل قانونياً مع حالتهن خصوصاً أنني عندما عدت للسويد تلقيت اتصالاً من السوسيال نتيجة بلاغ من الخارجية السويدية يعلم به السوسيال بأن أطفالي كانوا في غزة أثناء الحرب”.

تفكر ديالا في إحضار ابنتها الكبرى إلى السويد، لكنها متخوفة من هذه الخطوة. فالفتاة لم يتبق لها سوى بضع سنوات لتبلغ الثامنة عشرة، وقد لا تتمكن من الحصول على الإقامة أو الجنسية وبالتالي لا شيء يضمن أن تتمكن من العيش في السويد بطريقة قانونية لهذا تبقى بلجيكا الحل الأفضل لها وأخواتها، حسب كلام الأم.

وفي اتصال للكومبس مع الابنة الكبرى، بدا التأثر واضحاً في صوتها الخافت وبكائها المتكرر. استذكرت حادثة مؤلمة حين فارق جدها الحياة بين يديها أثناء محاولات الهروب من القصف في غزة، وعند سؤالها أين تفضل العيش لدى والدها أو والدتها أجابت باكية: “لا أعرف”.

والدها عامر، عبّر عن شعوره بالظلم بعد بقائه وحيداً مع بناته في بلجيكا، قائلاً إنه غير قادر على تقديم الرعاية الكافية لهن، ويفكر في العودة إلى غزة. وقد لجأ إلى منظمة CAW طلباً للدعم في قضيته.

رأي قانوني

المحامي مجيد الناشي، أوضح للكومبس، أن نقل الأطفال إلى بلد آخر لا يشكل بالضرورة مخالفة قانونية ما لم تكن هناك قضية مفتوحة لدى السوسيال أو قرار يمنع الانتقال. وقال “إذا لم تكن هناك قضية اجتماعية ضد الأم، فإن السفر بالأطفال إلى غزة لم يكن مخالفة. لكن في حال ثبوت أن البيئة كانت غير مناسبة وتعرض الأطفال للخطر، يمكن حينها فتح ملف لاحقاً”.

وأشار إلى أن بقاء الأطفال خارج السويد من دون تجديد الإقامة لا يؤدي عادة إلى مشاكل قانونية، إلا إذا تبين أن ذلك ألحق ضرراً بهم. واكد أن السويد لن تقوم بفتح أي تحقيق ما لم تقم السلطات البلجيكية بمطالبة السويد بذلك.

قلق نفسي

من الناحية النفسية، أكد الطبيب النفسي زياد يانس، أن الخلافات بين الوالدين تتحول أحياناً إلى معارك يُستخدم فيها الأطفال كوسيلة. وأضاف أن “الانفصال والانتقال المتكرر يسببان فقدان الشعور بالأمان لدى الطفل، ما يؤثر سلباً على تطوره النفسي”.

وأوضح أن فقدان الاستقرار وعدم وضوح المستقبل يجعل الأطفال في حالة توتر دائم. وشدد على ضرورة أن يتعاون الوالدان لتأمين بيئة مستقرة، تشمل مكان الإقامة والتعليم والرعاية الاجتماعية.

وختم بالقول إن “الهوية تتشكل في هذا العمر رغم أنها قد لا تكون ظاهرة بعد، وعدم الاستقرار الذي تعيشه الفتيات اليوم قد يؤثر على نموهن مستقبلاً”.

ريم لحدو