خاص- الكومبس: “لم أعُد أعدُّ الأيام، ولا الشهور. ما زلت أذكر ملامحها عندما أخذوها، وهي تنظر إليّ من خلف النافذة، تظن أنني سأكون معها بعد دقائق، وسرعان ما تعود. مرّت الأيام، وتحوّلت تلك “الدقائق” إلى أكثر من عام وأربعة شهور. ابنتي، التي تجاوزت السادسة عشرة الآن، لا تزال تحت رعاية السوسيال بموجب قانون LVU، وأنا، أمها، أقف عاجزة، تائهة، لا يُسمح لي حتى بمكالمة صوتية معها”.

هكذا تقول أم سارة وتشرحُ للكومبس أنه قيل لها إن “السويد دولة قانون وحقوق الإنسان، لكن في هذا البلد المتحضر، تُنتزع منك فلذة كبدك بجرة قلم، دون محاكمة حقيقية، دون أدلة موثقة، ودون أن يُسمح لك بالدفاع عن نفسك كأم أو أب”، حسب تعبيرها.

البداية: قضية “عنف وشرف”

تقول أم سارة للكومبس إن القصة بدأت عندما فسّرت الجهات الاجتماعية في مدينتها بعض خلافاتها العائلية على أنها تنتمي إلى فئة ما يسمى بـ”عنف وقضية شرف”. وبحسب الأم فإن هذا التصنيف وحده كفيل بأن يجعل أي تفسير منطقي أو سياق ثقافي غير مقبول قانونياً.

تقول: “من لحظتها، وُضعت ابنتي تحت الرعاية القسرية. قيل لنا إن الأمر مؤقت، وإنه لأجل مصلحتها، وإننا سنتلقى الدعم العائلي اللازم”.

لكن وبحسب أم سارة فإن الحقيقة مختلفة حيثُ تعاونوا منذ اللحظة الأولى وقدموا كل شيء طُلب منهم كما أنهم حضروا الاجتماعات.

قانون LVU

قانون LVU، أو كما يُعرف بـ”Lagen med särskilda bestämmelser om vård av unga”، و هو تشريع سويدي يهدف إلى حماية الأطفال والمراهقين الذين يواجهون خطراً كبيرا في بيئتهم المنزلية. و ينص على إمكانية فصل الطفل عن أسرته دون موافقة الوالدين، في حال وُجد خطر ملموس على صحة الطفل النفسية أو الجسدية، نتيجة الإهمال، العنف، أو الاستغلال.

ويُستخدم القانون بشكل متزايد في حالات يُعتقد فيها أن البيئة الأسرية غير آمنة للطفل. ولكن رغم نواياه الحمائية، أثار القانون جدلاً كبيراً خاصة في أوساط الجاليات المهاجرة، التي ترى أحياناً أن قرارات السوسيال تتخذ بناءً على سوء فهم ثقافي أو اجتماعي.

في هذا السياق، يؤكد خبير السلوك المعرفي فاروق الدباغ أن القانون السويدي شهد تغييرات جوهرية في كيفية تعامله مع قضايا الأطفال الخاضعين للرعاية القسرية. من أبرز تلك التغييرات أن المحاكم أصبحت تستمع إلى الطفل نفسه عند تجاوزه سن الثالثة عشرة، بخلاف ما كان عليه الحال في السابق.

يقول الدباغ للكومبس: “في السابق، لم تكن المحكمة تستمع مباشرة إلى الطفل، بل كانت تكتفي بتقرير يُعدّه المندوب القانوني (Ombud) بعد مقابلة الطفل. أما اليوم، فإن القاضي يسمع بنفسه شهادة الطفل الذي بلغ الثالثة عشرة أو أكثر، مما يجعل موقف الطفل عاملاً حاسماً في القضية.”

وبحسب الدباغ، إذا عبّرت الطفلة عن رغبتها في العودة إلى منزل العائلة، يمكن للوالدين تقديم طلب إلى المحكمة الابتدائية (Tingsrätten) لإعادة النظر في قرار الرعاية القسرية.

ويقول الدباغ: “عند تقديم الطلب، يفتح الادعاء العام القضية رسمياً، وتُطلب شهادة الطفل. وهو ما يُعدّ تحولاً كبيراً في الإجراءات، يمنح الطفل صوتاً وتأثيراً مباشراً في مصيره.”

أما فيما يتعلق بحقوق التواصل فلدى الوالدين الحق في التواصل مع أطفالهم.

“يحق للوالدين التواصل سواء عبر الهاتف أو من خلال لقاءات شخصية في مكان خاضع لمراقبة السوسيال. و هذا يهدف إلى ضمان حماية الطفل من أي ضغط نفسي أو إساءة.”

ماذا لو هربت الطفلة من العائلة البديلة؟

طرحنا السيناريو هذا على الدباغ، أي احتمالية هروب الطفلة من العائلة الحاضنة. وأجاب بوضوح:

“إذا هربت الطفلة ووصلت إلى منزل العائلة، فإن على الوالدين إبلاغ السوسيال فوراً. القانون لا يمنع الطفلة من العودة، لكن عدم الإبلاغ قد يُعتبر تواطؤاً من الأسرة ويسبب مشاكل قانونية. بالعكس، إبلاغ السوسيال في هذه الحالة يحمي العائلة قانونياً، ويضعها في موقف إيجابي أمام الجهات المختصة.”

ويضيف: “إذا اتبعت العائلة الإجراءات القانونية الصحيحة، يمكن للسوسيال أن يتعاون مع الأسرة، بل وربما يدعم فكرة العودة التدريجية للطفل إلى منزله، مع وجود متابعة ورقابة عن بُعد.”

دوافع قانونية ومالية وراء تغيّر النهج

يشير الدباغ إلى أن السوسيال أيضاً بات أكثر استعداداً في بعض الحالات لإنهاء الرعاية القسرية، ليس فقط لأسباب إنسانية أو قانونية، بل أيضاً بسبب التكاليف المالية الباهظة التي تتحملها البلديات.

يقول الدباغ في هذا الخصوص: “الرعاية البديلة تكلّف الدولة مبالغ طائلة. لذلك فإن العودة المُنظمة للطفل إلى بيته، إذا ثبت أنها آمنة، تُعدّ من مصلحة الجميع، بما فيهم السوسيال نفسه.”

ويُشدد الدباغ على أهمية تعاون العائلة مع السوسيال واقتراح التوجه إلى المحكمة كحل قانوني مشروع:

“السوسيال أيضاً يُحاسب إذا اتخذ قراراً خاطئاً. لذا عندما تقترح العائلة إحالة القضية للمحكمة، فإنها تفتح الباب أمام مراجعة قانونية نزيهة، وربما تُسهّل الوصول إلى قرار عادل بإعادة الطفل.” حسب قوله.

سنا الجزائري