Lazyload image ...
2012-05-16

شهدت بعض دول الاتحاد الأوروبي أخيراً انتخابات تعددت مستوياتها: رئاسية في فرنسا وتشريعية في اليونان ومناطقية جزئية في المانيا وبلدية في بعض ايطاليا وقبلها في بريطانيا.

وإضافة الى المعطيات الخصوصية وموقع الانتخابات المعنية من تطور المشهد السياسي في كلٍ من هذه البلدان، فإن التحليلات انطلقت من التركيز على ثلاثة معايير ذات دلالات وآثار أوروبية:

شهدت بعض دول الاتحاد الأوروبي أخيراً انتخابات تعددت مستوياتها: رئاسية في فرنسا وتشريعية في اليونان ومناطقية جزئية في المانيا وبلدية في بعض ايطاليا وقبلها في بريطانيا.

وإضافة الى المعطيات الخصوصية وموقع الانتخابات المعنية من تطور المشهد السياسي في كلٍ من هذه البلدان، فإن التحليلات انطلقت من التركيز على ثلاثة معايير ذات دلالات وآثار أوروبية:

– نسب وحجم التصويت لليمين المتطرف ولأقصى اليسار.

– الموقف من المعاهدات والسياسات الاوروبية وبخاصة المتصلة بالاستقرار النقدي ونسب المديونية العامة والإجراءات التقشفية.

– تثبيت او اعادة النظر بنسبة القوى في النواة القيادية الاوروبية وحلقاتها الدائرية المتراتبة، والنظر الى تطور أنماط العلاقات بين جنوب اوروبا وشمالها، وبينهما معاً كمجموعة، وبين الولايات المتحدة كشريك اقتصادي وحليف عسكري ومع المجموعات الاقتصادية والسياسية الاخرى.

وهي معايير تتجاوز مجرد رصد الاتجاهات الى سبر التغيرات في عناصر شرعنة المشروع الاوروبي بذاته كما تتناول تعيين المحتوى الجديد للشرعية الشعبية في مرحلة الأزمة المستمرة.

بنظر افتتاحية لجريدة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «اوروبا تحت ضغط المُتطرفين»، فإن صورة التداول المنظم في الرئاسة الفرنسية والمتناقض مع الصورة السديمية المتشظية للاقتراع اليوناني يجب ألا تنسينا الاتجاه المشترك الذي اظهره الاقتراعان، وهو صعود الحركات الأقلوية المعارضة للنظام في عموم اوروبا والذي كرسته الاحزاب التقليدية وبخاصة تلك التي قادت وتبنّت «المشروع الاوروبي»، وأنه على رغم قلة مُشترَكاتها فإنها تنازع الاخيرة مواقعها وتبدو بسبب الصدى المؤوْرَب لكلٍ من الانتخابات الوطنية بمثابة «جبهة رفض قارية» لم يكن بوسع أية مؤسسة أو حركة على الصعيد الاوروبي الاجابة عن الأسئلة التي تطرحها.

لكن نظرة ثانية إلى العمليات والنتائج الانتخابية تظهِِر جوانب كان من الطبيعي ألا تركز عليها الجريدة الفرنسية القريبة من اليسار الديموقراطي – الاشتراكي، لاستهدافها إيصال رسالة تستعجل فيها الاحزاب الكبرى افتتاح ورشة لمعالجة الاسئلة المذكورة.

ثمة مُشترَكات كبيرة في أصل صعود قوة الطرفيين والمغالين يميناً ويساراً:

الأول، هو أن الأزمة الاقتصادية العامة حضرت كناخب كبير في مجمل المشهد الانتخابي الاوروبي. وانطلق ذلك من مُشترَك موضوعي قوامه تحميل أعبائها ونتائجها بصورة غير متكافئة للفئات الأكثر هشاشة، سواء عبر البطالة الصاعدة وتردي اوضاع سوق العمل وشروطه وخاصة بالنسبة الى الأكثر شباباً أو عبر تخفيض التقديمات الاجتماعية وانحسار نطاق الخدمات العامة ونوعيتها، في حين استدعت الأزمة إنفاقاً استثنائياً على تعويم مصارف وشركات كبرى تقع مسؤولية خسائرها الكبيرة أحياناً على الطابع المغامر لإدارة عملياتها المالية او بسبب الهدر والجرائم المالية المنظمة. ومن الطبيعي أن تميل الفئات المذكورة إلى إنتاج وعيٍ جزئي ينزع الشرعية عن كل ما يُنسَب إليه التسبب بظواهر الأزمة وإلى ملاقاة الطروحات الأكثر تبسيطية في تأويلها وإلى تعميم مروحة انتقائية من الصور وفق الانتماء الايديولوجي ومصالح التحشيد الانتخابي للأجهزة السياسية المعنية. فيختار اليمينان النيونازي والشعبوي تعميم ادراك سلبي لفئات معينة من المقيمين كأعداء داخليين يأتي المهاجرون في مقدمهم على طول الرقعة الاوروبية الغربية وعرضها مُضافاً اليهم أحياناً المثليون والغجر، أو للنظام والأحزاب والسياسيين والأثرياء و «فسادهم» وكوزموبوليتيتهم، أو حتى لبعض الفئات والمناطق «الخاملة» من البلد كمثل نظرة رابطة الشمال في ايطاليا إلى القادمين من جنوبها. بينما يختار اقصى اليسار وشعبويوه تأويلاً يتراوح بين اممية جذرية تفسر الأزمة بطبيعة النظام الرأسمالي ذاته ومعالجتها بـ «اتحاد» أممي للقضاء عليه وعلى مركزيته وهياكله ومؤسساته، وبين أممية براغماتية تتسع لقومية عادية كمواقف الحزب الشيوعي الفرنسي مروراً باقتراحات نزع العولمة أو إبطاء النمو خفضاً للاستهلاك.

الثاني، ويتصل أيضاً بنتائج الأزمة هو انتاجها الموضوعي لطلب إضافي على شفافيةٍ تبين غيابها في المؤسسات السياسية أوروبية وحكومية وفي المجموعات المالية والاقتصادية المتعددة الجنسية. وهو تطلبٌ نقديٌ في جوهره لكن المجموعات الطرفية والحركات الاحتجاجية هي الاكثر قدرة على استخدامه وتجييره لمصالحها على المدى القصير عبر الخطاب الاتهامي – التطهري.

الثالث، هو الاقتراع لمصلحة تصحيحٍ بنيوي ديموقراطي للمشروع الاوروبي. فالناخبون بمن فيهم الجزء غير الراديكالي العضوي ممن اقترع للقوى الطرفية والمتطرفة يريد أوروبا أقل اقتصادوية وتكنوقراطية وأشد صلة بالتمثيل السياسي وأكثر انسانية واجتماعية. وبالتالي أقل تقشفاً حيال الفئات الأضعف. وهذا بعض اسباب نجاح الحزب الاشتراكي الفرنسي الناقد للإجراءات التقشفية الاوروبية المدعومة ألمانياً والمُطالب بالنمو بموازاة كل ضبطٍ للإنفاق العام. وهو ما يفسر الهزيمة الساحقة للحزب الاشتراكي اليوناني وشريكه – عدوه حزب الديموقراطية الجديدة اللذين شرّعا قبول تقشف متطرف فرضه الثلاثي المالي وجمعاه إلى زبائنيتهما المعروفة التي اعاقت حتى الآن اصلاح الادارة والمالية العامة للدولة، في حين قفز حزب سيريزا اليساري المعارض إلى المرتبة الثانية على رغم اتهامه من الشيوعيين بأنه سيكون الشكل الجديد للاشتراكية الديموقراطية في اليونان. ما ينطبق ايضاً على اهتزاز مواقع المستشارة ميركل في الانتخابات المناطقية من دون استفادة استثنائية لأقصى اليمين ولا اقصى اليسار بينما استفاد حزب «القرصان» الناسج على منوال الحزب السويدي حامل الاسم نفسه والذي يركز على نقد حقوق الملكية الفكرية وعلى توسيع الحريات الشخصية. وقد نجح العماليون اليريطانيون في انتخابات محلية مؤشرة لاتجاه عام حيث فشلوا قبل سنة ونيف. ومن هنا فبعض الاقتراع الاحتجاجي يُفهَم كتخييرٍ للكتل الحاكمة بين انفجار المشروع وبين استدخال التصحيح.

وبالتالي فحديث «لوموند» عن اوروبا «تحت ضغط المتطرفين» صحيحٌ جزئياً وحسب. فالمُشترَك في الانتخابات المتفرقة هو الميل إلى تصحيح السياسة وأساليب ممارستها وأهدافها، على مستوى الاتحاد الاوروبي كما على مستوى بلدانه. أما التطرف فيجب البحث عنه أيضاً في تفلت عالم المال المُعولَم و «حكم التكنوقراط» من السياسة والأجسام التمثيلية الوسيطة ومن الضوابط التي تضع حداً لإدغام المصالح الخاصة للمجموعات الكبرى وللدول والمؤسسات. ما قد يعني في شكلٍ آخر فرصة جديدة لتجديد المشروع الاشتراكي – الديموقراطي ودولة الرعاية.

بشير هلال – الحياة اللندنية

الأربعاء ١٦ مايو ٢٠١٢

Related Posts