Lazyload image ...
2015-05-28

الكومبس- ثقافة: تتردد كثيرا اليوم عبارة ” ان عصرنا لم يعد صالحا للشعر ” ويزيد الكثيرون في القول، ان سرعة الحياة وعمليتها تجاوزت اللمسة الرومانتيكية والمعرفية التي ينطوي عليها الشعر، وان تأثير هذا النوع من الأدب قد تراجع امام موجاتٍ من تدفق المعلومات، وتأثيرات وسائل الإتصال والتقنيات الحديثة بحيث لم تترك مجالا لتلك اللمسة الشعرية في الحياة الحديثة.

ولكن الوقائع تشير الى غير ذلك، حيث ماتزال تقام للشعر العالمي عشرات المهرجانات السنوية المعروفة في استراليا وامريكا وامستردام وستوكهولم وغيرها من العواصم، ومايزال هناك جمهور يواصل الإصغاء. وهنا في السويد ارى جمهورا يتابع تلك القراءات التي تثري الروح بنقاء خاص، وانا اتابع الشاعر السويدي برونو . ك . اويير Bruno K Öijer وهو يواصل قراءاته الشعرية المفتوحة طوال العام امام جمهور غفير يصغي خلال سهرات شعرية عامة، لقراءات من الشعر الحديث في اقدم القاعات الضخمة واعرقها في المدن السويدية  ليقدم لنا دليلا ان الإنسان اليوم بحاجة الى تلك اللحظات الشعرية التي تعيد اليه يقظة الحواس التي تعبر عن الحياة .

والشاعر الذي تعوّد ان يقدم شعره و يرتجله على المسرح مباشرة امام الجمهور يقدم في بداية  برنامجه السنوي جولة الربيع الشعرية في ابريل / نيسان من هذا العام حيث بدأ ليلته في قاعة مدينة لينشوبنغ بقصيدة قصيرة جدا:

” انا اعرف / انني لا انتمي الى هنا / انني قادم ٌ من زمن آخر”

وقد امتلأت القاعة برواد الشعر وغصّت الطوابق الثلاثة للقاعة القديمة، التي سادها الصمت وقاطعتها موجات من التصفيق والتفاعل.

في شعر، برونو ك اويير، يكتشف المرء انه شاعر القصيدة القصيرة، قصيدة الومضة التي لا تستغرق قراءتها الا ثوان قصيرة، وان بعض قصائده ليس غير ذلك النوع من النصوص المكثفة جدا والقريبة من قصائد الهايكو التي عرفت في الشعر الياباني واستحضرها الكثير من الشعراء في العصر الحديث  حيث الإقتصاد في المعنى وفي العبارة والقول. مثل قصيدته ” برد” :

“حتى لو استنفذ كل شيء / فلا توجد حقيقة نهائية / تلك التي تضع لك نهاية طبيعية/ وانت عائد في الطريق الى المنزل “.

ويبدو هذا الشاعر القادم من عقد السبعينات، وهو يحمل روح موسيقى الروك واغاني الهيبيز وتأثيرات جيل البيت الأمريكي المعروف بتأثيراته الشعرية على اجيال ادبية مختلفة، محملا بالرفض والموسيقى والفلسفة. الرفض لأنه لا يكتب مثل الشعر السائد، والموسيقى لأنه يقدم الشعر على المسرح بإيقاعات مغني البوب والفلسفة حيث تحمل عبارته القصيرة كل معنى قابل للتأويل والتأمل.

أمسية الربيع

في امسية الربيع قرأ الشاعر قصائده لمدة 90 دقيقة امام جمهور ملأ القاعة، حيث احتلت الشموع محل انوار المسرح التقليدية، وقدم خلالها خمسة وعشرين نصا قصيرا هي اختيارات من مجموعاته الشعرية الفردية والمشتركة التي صدرت له منذ عام 1973 ، والتي بلغت 17 مجموعة شعرية فردية ومشتركة وآخرها ” وليلة همست انابيل ليي” Och natten viskade Annabel Lee  الذي اصدره نهاية عام 2014 بعد غيبة استمرت خمس سنوات من الغياب والسفر بين نيويورك وستوكهولم ودورات العلاج والتفرغ في المدن المختلفة التي زارها.

في امسية الربيع تلك، منحنا الشاعر فرصة لنتأمل نوعا من الجمهور النوعي وربما النخبوي ذلك الذي مايزال يؤمن بأن الأدب والشعر يشكلان ثنائية من مصادر شحن الخيال واثراء الروح ومنح المزاج الوجداني استراحات للتأمل والصمت وبلوغ المعاني النادرة التي سحقتها الحياة الصاخبة بهدير القطارات وهي تهرول نحو الجهات.

اختتم الشاعر برونو .ك.اويير ليلته الربيعية تلك بقصيدة ” خيال” حيث يستعيد طفولته :

حين عدوت إلى المنزل عبر فناء المدرسة

لم يكن هناك  حصى  لكي ينحّيه حذائي

سوى الأسفلت يغطي ساحة الألعاب الرياضية

وفي الأفق أشجار النخيل المتمايلة في مهب الريح

و زبد الموجات الزرق لشاطيء البحر الأبيض المتوسط

بينما القمر يظهر ويختفي بين الغيوم

مثل لعبة اليويو في يد شخص ما

مخبأة وسط الغيوم

بقلم: فاروق سلوم

farouq@alkompis.com

هامش: ولد الشاعر عام 1951 في لينشوبنغ وعرف شاعرا مميزا لجيل السبعينات، واشتهر بقصيدته ” اغنية للفوضى –  Sång för anarkismen عام 1973 ثم واصل حضوره الأدبي المتمرد حيث عاش فترة في مدينة نيويورك واشترك في مهرجانات الهيبيو الموسيقية والشعرية وكتب قصائد غنائية متميزة للمغني بوب ديلون وغيره. ويعتبر من بين الشعراء المتميزين بأسلوبه وحضوره الشعري على المسرح.