الكومبس – خاص: في مدينة نيبرو الصغيرة جنوبي السويد، وعلى بعد أمتار قليلة من مركز استقبال اللاجئين حيث أقام قبل عشر سنوات ، وقف الطبيب السوري إسماعيل العبد الله يحمل باقة زهور وشهادة تكريم من هيئة الصحة العامة، بعد أن ساهم في جعل مركز ‘نيبرو‘ أول مركز رعاية صحية في السويد يحصل على دبلوم شهادة “الاستخدام الذكي للمضادات الحيوية”.

في لقاء خاص مع “الكومبس” ، روى الدكتور إسماعيل رحلته منذ أن كان لاجئاً يطرق أبواب المراكز الطبية في نيبيرو بحثاً عن فرصة تطوع أو تدريب، إلى أن أصبح المسؤول الطبي عن الرعاية الأولية الطارئة في إقليم كالمار، وطبيباً مشرفاً على الأطباء المتدربين تحت الاختصاص في نيبرو وكذلك مشرف أكاديمي على مجموعة من طلاب كلية الطب في جامعة لينشوبينغ، ومسؤولا عن برنامج ستراما (Strama) الوطني للصادات الحيوية في إقليم كالمار ، وممثلاً عن إقليم كالمار على المستوى الوطني في ملفات جودة الرعاية الصح بما يخص الأمراض الانتانية .

لطبيب السوري إسماعيل العبد الله Foto Privet

بدايات صعبة ولكن مثمرة

وصل إسماعيل إلى السويد في 12 سبتمبر 2014. ورغم ما يحمله من شهادات وخبرة طبية في سوريا ، اصطدم بعقبات تعديل الشهادات والاندماج في سوق العمل.

لم يتردد في قبول فرص التطوع ، فبدأ العمل مجاناً في مدارس نيبيرو ، حيث ساعد في استقبال الأطفال العرب الهاربين من الحرب عبر الترجمة في المدرسة ، كما قام بترجمة وتوضيح احتياجاتهم الصحية للمدارس.

استذكر تلك الفترة قائلاً “انتقدني كثيرون لأنني كنت طبيباً وأعمل في مدرسة بلا راتب، لكن تلك التجربة أنقذتني من العزلة والاكتئاب. كنت بلا عائلة، ووجدت نفسي بين الأطفال، أساعدهم وأتعلم منهم. كانت تجربة صعبة لكنها صنعت فرقاً كبيراً في حياتي.”

بعد عام من العمل التطوعي، حصل على عمل عقد كمدرس ، وعلى مدى عامين ، درس في مدارس عديدة في بلدية نيبيرو، وساعد طلبة من خلفيات مختلفة. وحضر دورات القوانين الطبية السويدية في جامعة أوميو كجزء من تعديل الشهادة الطبية.

بدأ العمل في مدارس نيبيرو Foto Privet

من التعليم إلى الطب

لم يكن طريق العودة إلى مهنة الطب سهلاً. فعلى الرغم من حصوله على قرار يسمح له بالتدريب في مستشفى ، اضطر إلى تأجيل ذلك لأسباب مادية. كان بحاجة إلى إعالة أسرته التي كانت لا تزال في تركيا ، فاختار مواصلة التدريس إلى أن تمكن من لم الشمل.

بعد وصول زوجته وأطفاله إلى السويد ، بدأ فعلياً طريق تعديل الشهادة. أنهى دورة اللغة الطبية في وقت قياسي ، مقارنة بزملائه الذين استغرقت منهم العملية سنوات بسبب تطوره السريع في اللغة من خلال عمله السابق كمدرس.

خلال عام 2017، بدأ تدريبه الطبي العملي في مركز طبي مجاناً ، إلى جانب عمله كمدرس. وبعد ستة أشهر من التدريب العملي واستكمال كل الأوراق المطلوبة، حصل على ترخيص العمل كطبيب رسمي في فبراير 2018.

خلال وجوده في مركز اللاجئين Foto Privet

من طبيب اختصاصي في سوريا إلى اختصاص ثان في السويد ومسؤول وطني في الرعاية الطبية

لم يتوقف الطموح عند هذا الحد. في عام 2018، بدأ إسماعيل تخصصه الثاني في طب الأسرة في نفس المدينة التي بدأ فيها ، وتخرّج كاختصاصي في عام 2023.

عُيّن بعدها مشرفاً سريرياً وأكاديمياً على تدريب طلاب الطب في السنوات النهائية من جامعة لينشوبينغ ، وأصبح مسؤولاً عن تدريبهم وإعدادهم لمهنة الطب.

كما أصبح الطبيب المسؤول طبياً عن الرعاية الأولية المناوبة في إقليم كالمار ويمثل الإقليم في الاجتماعات الوطنية لمراجعة جودة الرعاية في السويد.

وأوضح أن مهامه تشمل أيضاً برنامج ستراما الوطني في إقليم كالمار عبر متابعة عمل المراكز الصحية في وصف المضادات الحيوية في 37 مركزاً صحياً بالإقليم ، حيث يقوم بزيارات سنوية لتقييم الأداء وتقديم التوصيات.

Foto Privet

خطوات نحو القيادة

في تطور جديد، تم ترشيحه مؤخراً للانضمام إلى “أكاديمية القيادة والإدارة” ، وهي برنامج تدريبي مشترك بين مقاطعة كالمار ووزارة الدفاع السويدية وجامعة لينيوس (Linnaeus University). يُعد هذا البرنامج واحداً من أعرق برامج إعداد القياديين في السويد ، حيث يعمل منذ أكثر من 30 عاماً على تدريب المدراء والقادة في مجالات متعددة ، بما فيها القطاع الصحي.

ويستمر التدريب في الأكاديمية لمدة عام ونصف ، بينما تستغرق عملية الترشح والمنافسة واجتياز الامتحانات للقبول فيها سنة كاملة بحد ذاتها.

وقال إسماعيل “كنتُ أعمل على تطوير نفسي باستمرار ، وقدمتُ مؤخراً على منصب المدير الإقليمي للرعاية الصحية الأولية بعد أن علمتُ أن المسؤول السابق سينتقل لإقليم آخر. لا يزال التقييم جارياً ، لكني أطمح لمواصلة تطوير الرعاية الصحية وتحسين الأداء في المستوصفات.”

مركز ‘نيبرو’ أول مركز رعاية صحية في السويد يحصل على دبلوم شهادة “الاستخدام الذكي للمضادات الحيوية”

من غرفة 507 في سكن اللاجئين إلى قاعة المحاضرات

لم ينس إسماعيل بداياته. ما زال يزور مركز اللجوء الذي أقام فيه قبل عشر سنوات، ويتجول أحياناً في أروقته. هناك، في الطابق الخامس من المبنى ذاته ، حيث كانت غرفته تحمل الرقم 507 ، لكن هذه المرة طلب منه زيارة أحد المرضى في نفس الطابق.

قال إسماعيل “عندما دخلت الغرفة، تملكني شعور غريب. هذه كانت غرفتي هنا كنت أجلس وحيداً وأبكي ، بعيداً عن عائلتي غارقاً في المجهول.”

وخلال حديثه مع المريض المصاب بجلطة دماغية، تأثر الأخير بسبب وضعه الصحي وبدأ بالبكاء ، قبل أن يرد عليه إسماعيل قائلاً “أنا أيضاً سكنت هنا ، قضيت تسعة أشهر في هذا المكان .” فابتسم المريض وسط دموعه ، في لحظة اختلط فيها الماضي بالحاضر ، وأكدت له أن الفترات الصعبة عابرة، وأن الغد قد يحمل أكثر مما نتوقع.

فخر بالطلاب العرب

يُشرف اليوم على طلاب من خلفيات متنوعة ، بينهم عدد من الشابات والشبان العرب. أكد أن كثيراً منهم تحدوا ظروف اللجوء واللغة وغيروا مسارات حياتهم.

قال: “بعض طالباتي في الطب الآن أعمارهن في الثلاثينات. جئن من مجالات مهنية بعيدة ، وعدن إلى مقاعد الدراسة ، تَعِبْن على أنفسهن ووصلن. هذا فخر حقيقي في السويد ، لا سقف للحلم ، يمكنك أن تبدأ من جديد في أي عمر.”

وأضاف: “لا تدع الإعلام السلبي يخدعك. الواقع مختلف. نسبة كبيرة من العاملين في المستشفيات السويدية هم من خلفيات أجنبية ، بينهم أطباء عرب بذلوا جهداً كبيراً وحققوا نجاحاً ملحوظاً.”

عن الرعاية الصحية في السويد

علق الدكتور إسماعيل على الانتقادات التي توجه أحياناً للرعاية الصحية في السويد ، موضحاً أن المشكلة لا تكمن في الجودة ، بل في فهم النظام.

وقال: “الرعاية في السويد ممتازة ، لكن يجب أن تفهم كيف يعمل النظام. لا يوجد شيء اسمه طبيب خاص أو واسطة ، هناك نظام إحالة واضح يجب احترامه. الطبيب لا يستطيع مساعدتك إن لم تكن ضمن النظام وكان هو بثياب العمل ، ولا يحق له وصف دواء خارج ساعات العمل. هذا لا يعني تقصيراً، بل احتراماً للمسؤولية وللعمل المهني.”

زوجان من حلب يتقاسمان الطب والنجاح

وراء قصة إسماعيل قصة أخرى لا تقل إلهاماً ، تجمعه بزوجته ، زميلته السابقة في كلية الطب بجامعة حلب.

وقال مبتسماً “نحن من نفس الدفعة ، وأنا أكبر من زوجتي بخمسة أيام فقط! “. لم تكن الرحلة سهلة لهما ، لكنها كانت مشتركة في التحديات وكذلك في الإنجازات.

زوجته، وهي طبيبة أطفال من سوريا ، نجحت بدورها في تعديل شهادتها وتخصصت لاحقاً في طب الأسرة بالسويد. “نحن لا نتشارك الحياة فقط، بل الطب أيضاً ، أضاف إسماعيل، الذي رزق بثلاثة أطفال. اثنان منهم وُلدا في سوريا، ورُزقوا بطفلة ثالثة بعد انتقالهم إلى السويد. قصة عائلة طبية صغيرة بدأت من مقاعد الدراسة في حلب ، واستكملت طريقها في عيادات الرعاية الأولية في كالمار.

رسالة إلى الشباب العربي

في ختام اللقاء، وجه رسالة إلى الشباب العربي في السويد قائلاً: “هذه بلد الفرص ، الفرق بينها وبين بلادنا أن النظام هنا يمنحك دائماً فرصة ثانية للتعلم وتغيير مسار الحياة. حتى لو كنت في الخمسين ، يمكنك أن تعود للدراسة وتغير مهنتك. هناك الكثير من النماذج الناجحة ، فقط ضع خطة ، وتدرب على نفسك ، وستصل.”

معلومات سريعة

الاسم: إسماعيل العبد الله

البلد الأم: سوريا (مواليد حلب)

الوصول إلى السويد: 2014

المهنة:

طبيب اختصاصي في طب الأسرة والأحياء الدقيقة Specialistläkare i allmänmedicin & mikrobiologi الموقع الحالي: نيبيرو – إقليم كالمار Nybro Kommun- Kalmar Län

مهامه / وظائفه الحالية:

  • المسؤول الطبي عن الرعاية الأولية والطوارئ في إقليم كالمار
  • المسؤول عن برنامج المضادات الحيوية الوطني “ستراما” في إقليم كالمار
  • مشرف سريري وأكاديمي في برنامج كلية الطب في جامعة لينشوبينغ
  • ممثل إقليم كالمار في اللجنة الوطنية لجودة الرعاية الصحية على مستوى السويد

العائلة: متزوج من طبيبة أطفال، وأب لثلاثة أبناء

الطموح المستقبلي: تولي مناصب قيادية في تطوير الرعاية الصحية

أحمد الخضري