Lazyload image ...
2012-06-25

تتوالى التحذيرات من دخول دولة الكويت في فوضى سياسية يصعب تطويقها، ليس آخرها تحذير أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح من أن "المجال لم يعد يسمح بالمزيد من الفوضى والانفلات والمشاحنات التي تهدِّد أمن الوطن ومقدراته ومكتسباته.."، وتأكيد أحد أفراد الأسرة الحاكمة هو الشيخ فهد العلي السالم الصباح أنه "يتعين تسريع وتيرة الإصلاحات السياسية في البلاد"، وقوله: "نحن في الكويت متجهين إلى نفق مظلم ولا أرى نوراً في نهاية النفق".

تتوالى التحذيرات من دخول دولة الكويت في فوضى سياسية يصعب تطويقها، ليس آخرها تحذير أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح من أن "المجال لم يعد يسمح بالمزيد من الفوضى والانفلات والمشاحنات التي تهدِّد أمن الوطن ومقدراته ومكتسباته.."، وتأكيد أحد أفراد الأسرة الحاكمة هو الشيخ فهد العلي السالم الصباح أنه "يتعين تسريع وتيرة الإصلاحات السياسية في البلاد"، وقوله: "نحن في الكويت متجهين إلى نفق مظلم ولا أرى نوراً في نهاية النفق".

الأزمة الأخيرة بين الحكومة ومجلس الأمة (البرلمان)، التي انتهت بتعليق الشيخ صباح أعمال الأخير لمدة شهر، ومن ثم قرار المحكمة الدستورية العليا بحله، لم تخرج عن نطاق دائرة مفرغة من صراعات مستمرة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية منذ عام 1976، اتخذت مساراً متصاعداً بتولي رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح مهام أول وزارة شكَّلها في العام 2006، ولم تنته بإقالة وزارته السادسة وحل مجلس الأمة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والدعوة إلى انتخابات جديدة أجريت في الثاني من شباط (فبراير) العام الجاري، وفازت فيها المعارضة الإسلامية والقبلية بأغلبية المقاعد.

المحكمة الدستورية بيَّنت في حكمها أن حكومة ناصر الصباح المنصرفة هي التي أقرت المرسوم الأميري الخاص بحلِّ مجلس الأمة، والمرسوم الخاص بالدعوة إلى الانتخابات الجديدة بحسب التدابير التي ينص عليها الدستور، وبالتالي تكون الإجراءات الخاصة بالانتخابات غير قانونية بسبب وضع الحكومة السابقة. وهي المرّة الأولى التي تتدخل فيها المحكمة الدستورية في مؤشر على استنفاذ ما يعطيه الدستور الكويتي لأمير البلاد من صلاحيات لضبط الخلافات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بوسائل تقليدية، قادت إلى حل مجلس الأمة سبع مرات بمراسيم أميرية، أربع منها في الأعوام الستة الأخيرة.

ولا يلوح في الأفق مخرج للأزمات المزمنة والمركبة التي تنخر ركائز النظام السياسي في الكويت، فالخلافات وإن كانت تعزى ظاهراً إلى عدم اتساق نهج الحكومات على نحو يوفر أرضية لتعاونها وتكاملها مع مجلس الأمة، بالإضافة إلى تفاقم الخلافات داخل الأسرة الحاكمة، إلا أن تجربة الحكومات الست للشيخ ناصر الصباح، وتجربة حكومة جابر المبارك الصباح، تؤكد بشكل قاطع أن الخلل في بنية النظام السياسي، الذي يعرقل تطور الحياة السياسية والديمقراطية في المجتمع الكويتي من كافة جوانبه البنيوية والديموغرافية، ونمط آليات اتخاذ القرار حتى الآن، ومجاراة رياح التغيير في البلدان العربية.

فالكويت التي سبقت دول مجلس التعاون الخليجي في العمل البرلماني ظلت تراوح في المكان، دون إدخال تطويرات ترتقي بالممارسة الديمقراطية، وتُخضع أداء الحكومات وبرامجها لسلطة مجلس الأمة، وتسمح بإنشاء أحزاب، وليس الإبقاء على كتل سياسية فضفاضة أساسها أيديولوجيات دينية وانتماءات قبلية وطائفية.

ولا ريب في أن إحدى أثافي النظام السياسي الكويتي، ودول الخليج عموماً، احتكار العائلة الحاكمة لمنصب رئاسة الوزراء والمناصب الوزارية السيادية، ما يجعل من مخاصمة الحكومة دخولاً في خصام مع العائلة الحاكمة، فكل استقالات الحكومات وقرارات حل مجلس الأمة وقعت بمعظمها بعد تقديم النواب طلبات باستجواب وزراء من الأسرة الحاكمة، ليصار بعدها إلى إعادة إنتاج الأزمات بتشكيل حكومات تحافظ على تركيبة الحكومات المقالة؟! وتكرر هذا السيناريو مرات عديدة بأسلوب فج في حقبة حكومات الشيخ ناصر الصباح، والحكومة الحالية برئاسة الشيخ جابر المبارك الصباح.

وفي خضم المشهد المتوتر والمحتقن الذي تعيشه الكويت راهناً، ثمة حقيقة باتت واجبة الإحاطة بها ومعالجتها، وهي أنه دون تطويرات هيكلية في النظام السياسي الكويتي لن تخرج الأزمات بين الحكومات ومجلس الأمة من الدائرة المفرغة، وفي المقدمة توسيع صلاحيات المجلس كسلطة تشريعية وكسلطة رقابية على أداء الحكومة، إذ أن الدستور الكويتي المعمول به يعطي الحق لأعضاء المجلس حق استجواب الوزراء وسحب الثقة من أي وزير بشكل فردي، لكنه لا يعطي الحق لهم بسحب الثقة من رئيس الوزراء أو الحكومة مجتمعة، ما أدى إلى تراكم مشاكل نبعت من إحجام الحكومات عن تقديم برامج عمل واضحة، والالتزام بمعايير الشفافية في الموازنات العامة واتجاهات الإنفاق وإدارة الاستثمارات الوطنية.

كما أدى تغليب صلاحيات السلطة التنفيذية على صلاحيات السلطة التشريعية، في بعض الجوانب، إلى توترات تهدد بالعمق النسيج الاجتماعي، مثال ذلك رفض الحكومات إدخال تعديلات على قانون الجنسية، وتعسفها في استخدام صلاحية سحب الجنسية، التي تضرر منها آلاف العائلات من (البدون) الذين يطالبون على مدار عشرات السنوات بمنحهم حقوق المواطنة في بلدهم الكويت. وكان الخلاف بين الحكومة والمجلس حول هذا الملف وراء تعليق الشيخ صباح الأحمد الصباح، في أيار (مايو) المنصرم، عمل المجلس مدة شهر، مع تصاعد الخلاف بين الحكومة وأعضاء البرلمان قبيل دعوات لاستجواب في المجلس لوزير الداخلية الشيخ أحمد حمود الصباح في شأن قانون الجنسية.

وفي ظل انتفاء تشريعات للعمل الحزبي، برزت خلال الانتخابات الأخيرة لمجلس الأمة ظاهرة المعارضة القبلية والطائفية المسيسة، بتحول بعض القبائل إلى تجمعات للمعارضة كل على حدة، في مواجهة قبائل أخرى موالية للسلطة، ما ينذر بخطر تمدُّد الاحتقان السياسي إلى مربع احتقان قبلي وطائفي، تجلى في شكل غير مسبوق خلال الانتخابات البرلمانية السابقة.

ملف آخر لا يقلُّ عن تعقيدات الملفات الأخرى عنوانه الفساد السياسي والمالي، الذي مثَّل مطلب مكافحته عنوناً للحراك الشعبي المناهض لحكومات الشيخ ناصر الصباح، ولم يسلم مجلس الأمة من إخطبوط الفساد، حيث كشف نهاية العام الماضي عن ما يسمى بـ"قضية الإيداعات المليونية"، التي تورط فيها ثلاثة عشر نائباً، اتهموا بتضخم حساباتهم المصرفية، وأحيلوا للتحقيق معهم بموجب القانون الخاص بتبييض الأموال.

وهكذا؛ النظام السياسي الكويتي أمام احتمالين: العودة إلى الاحتقانات بين الحكومة ومجلس الأمة أو إصلاحات تأخذ بعين الاعتبار حاجة المجتمع الكويتي للتغيير، بحياة حزبية وفصل بين السلطات وحكومات برلمانية تخضع للمحاسبة.. فخيار (ديمقراطية ناقص)، الذي سارت عليه الكويت حتى الآن، أشبه ما يكون بمرجل أزمات، القادم منها أصعب وأشد تعقيداً، فالكويت ليست استثناءً عن قواعد "الربيع العربي".

عامر راشد

أنباء موسكو

25 يونيو 2012