Lazyload image ...
2012-06-17

هيفاء زعيتر
السفير
في خضم حرب التسلّح والتسليح الدائرة على الساحة السورية، تحتدم «حرب» أخرى من نوع آخر، ربما تكون أشد خطورة لأنها أكثر ذكاء. هي حرب إلكترونية تتولى الإدارة الأميركية قيادتها تحت شعار «المساعدات اللوجستية»، فيما تعمل على تحويل المقاتلين على الأرض إلى «محاربين سايبيريين» يتقنون حمل الرشاش في يد والكاميرا أو الكومبيوتر في اليد الأخرى.

هيفاء زعيتر

السفير

في خضم حرب التسلّح والتسليح الدائرة على الساحة السورية، تحتدم «حرب» أخرى من نوع آخر، ربما تكون أشد خطورة لأنها أكثر ذكاء. هي حرب إلكترونية تتولى الإدارة الأميركية قيادتها تحت شعار «المساعدات اللوجستية»، فيما تعمل على تحويل المقاتلين على الأرض إلى «محاربين سايبيريين» يتقنون حمل الرشاش في يد والكاميرا أو الكومبيوتر في اليد الأخرى. أما اللافت في الأمر فهو لجوء واشنطن إلى حيل إلكترونية تشبه تلك التي يستخدمها تجار المخدرات أو قراصنة الانترنت، وحيلهم نفسها كانت عرضة لـ«هجمات» أميركية استغرقت سنوات عدة.

«أبو غسان» هو أحد هؤلاء المقاتلين، وهو يروي بـ«فخر» لمجلة «التايم» الأميركية «كيف تعلّم القتال باستخدام رشاش من طراز «أك – 47»، لكن الأهم كيف تعلّم التصوير واستخدام الانترنت» .. وكيف حوّله الأميركيون إلى «مقاتل سايبيري».

ويشرح «أبو غسان» كيف أصبح بإمكانه تحميل التسجيلات القتالية المصوّرة عبر الانترنت، وذلك في بداية التدريب الأميركي للمعارضة على تكتيكات «القتال السايبيري».

وبعد فترة وجيزة، اختار قادة المعارضة المحلية المهندس السابق وانتدبوه للذهاب إلى أميركا من أجل الخضوع لدورات تدريبية أكثر تطوراً تتعلّق بمعرفة آليات تشفير الحواسيب، الالتفاف على أجهزة الرقابة الحكومية والاستخدام الآمن للهواتف النقالة بمساعدة وزارة الخارجية الأميركية.

تلفت المجلة إلى محاولة واشنطن الانخراط في الصراع عبر خط لا مرئي، هو التدريب الإلكتروني. فبينما صرّحت إدارة أوباما علناً أنها لن تسلح المعارضة للإطاحة بالأسد، كشف مسؤولون أميركيون أن إدارتهم بدأت، منذ اندلاع الصراع، بتأمين الدعم والتدريب التكنولوجي للمعارضين السوريين عن طريق مجموعات صغيرة غير ربحية مثل «معهد الحرب والسلام» و«بيت الحرية» (أو «فريدوم هاوس»).

وتعود «التايم» إلى بداية مشروع «الدعم التكنولوجي» الأميركي، وذلك قبل أربع سنوات فيما كان الهدف منه مختلف تماماً: الصين. حينها زار المحامي مايكل هوروويتز صديقه السيناتور الأميركي عن الحزب الجمهوري لولاية فرجينيا فرانك وولف واقترح عليه تخصيص أموال لمساعدة جماعة «فالون غونغ» المحظورة، والتي تصنفها بكين بـ«الخطيرة». كانت الأموال مخصصة لتوزيع برامج تساعد المنشقين الصينيين لأن يتحايلوا على حائط الرقابة الحكومي وتنظيم صفوفهم إلكترونياً كما التواصل بحرية مع العالم الخارجي. في ذلك الوقت، نجح وولف بتخصيص 15 مليون دولار لهذه الغاية، إلا أن المبلغ كان ضئيلاً نتيجة خوف أميركي من عرقلة العلاقات مع الصين، أما بعد العام 2010، أي بعد اندلاع التظاهرات الإيرانية وبعد العام الأخير، مع الربيع العربي، أصبح الكلام عن حرية الانترنت أكثر من مألوف في واشنطن. ما سبق يفسّر لماذا يناقش الكونغرس رفع المبلغ اليوم إلى 57 مليون دولار ليتم صرفها خلال السنوات الثلاث المقبلة.. على أن يتم تقسيم المبلغ على ثلاثة حقول: التعليم والتدريب وحيل إخفاء الهوية وذلك عبر إتقان آليات التشفير وتكنولوجيا الخدع التي تتيح قهر الرقابة الحكومية.

ولكن أين يجري التحضير لحملة «التدخل الإلكترونية»؟ تسأل المجلة لتكشف أن الإمدادات تنطلق من حجرة صغيرة في الركن الجنوبي الشرقي في الطابق السابع من مبنى هاري ترومان في وزارة الخارجية في واشنطن. هناك يجتمع فريق من ستة أشخاص، سيدتان وأربعة رجال، وظيفتهم البحث عن منح لحرية الانترنت وتسليمها إلى المنظمات غير الربحية ومطوّري البرامج الذين يساعدون المعارضين السوريين. ويمضي الفريق معظم وقته في غربلة المئات من مقترحات المنح وآراء الخبراء في هذا المجال. ويقول بن سكوت، وهو أحد العاملين في الفريق، «لن تجد مزودين تجاريين لتقديم هذه الخدمات لأنه مجال لا مكان للمال فيه. يتم تقديم ذلك مجاناً»، موضحاً أن «ليس هناك أشخاص كثيرون في العالم قلقون كفاية أو يمتلكون القدرة لتطوير هذه التكنولوجيات». وفي المجمل، هناك 10 آلاف مدوّن وصحافي وناشط مدربون بـ 10 لغات للعمل على 50 برنامجاً.

حيل تجار المخدرات!

المثير في الأمر، هو أن أغلب الحيل التي صدرتها أميركا للمقاتلين السوريين كان تمّ تطويرها للتهرب من السلطات الأميركية نفسها، حيث تقوم مجموعة تعمل في الشرق الأوسط، مدعومة أميركياً، بتدريب الناشطين على كيفية مواجهة النظام السوري عبر حيل يستخدمها تجار المخدرات وعرضت في وقت سابق في برنامج «السلك» («ذا واير») الشهير. أما في حال أراد المقاتلون تأمين سلامة الاتصالات الهاتفية، فيقوم المدربون بنصحهم باستخدام شريحة هاتف مسجلة على اسم رجل متوفى ووضعها في هاتف رخيص يمكن التخلص منها بسهولة.

وهناك حيلة تكنولوجية أخرى تسمى «تور»، تسمح للمعارضين بالالتفاف على رقابة الانترنت في سوريا، وتستخدم هذه الحيلة كذلك من قبل مهربي المخدرات كما من قبل قراصنة الانترنت. ويتم ذلك عبر إتاحة منصات خاصة محمية للبريد الإلكتروني والرسائل شبيهة بالتي يقدمها موقع «رايز أب. نت» (أو»انهض»)، وهو موقع يعرّف عن نفسه بأنه «سبيل لتوفير أدوات الاتصال عبر الانترنت التي تعمل على إحداث تغيير جماعي، وهو مشروع هدفه تأمين بدائل الكترونية ديموقراطية تساعد في ممارسة حق تقرير المصير، مع ضمان السرية والحماية عبر وسائلنا المعتمدة». مع العلم أن «الأف بي آي» حاول استهداف هذا الموقع مرات عدة.

أما الحيلة الثالثة فهي ما أعلنت عنه أميركا سابقاً عن تطوير «الانترنت في حقيبة»، التي تسمح بتأمين الدخول إلى الويب حتى عندما تحجب السلطات الانترنت. كما توفر الحقيبة الالكترونية «زراً سحرياً» يسمح بحذف جميع البيانات والاتصالات بكبسة واحدة عن الهواتف الذكية، ويوجد فيها تطبيق يقوم على إظهار شاشة كاذبة عندما يتم إدخال رمز الحماية بطريقة خاطئة، وتطبيق ثالث يمكن من خلاله طمس هوية المعارضين في الشارع أي بإخفاء ملامحهم مع الإبقاء على الصورة التي تظهر الاحتجاجات أو التجمّعات.

وتعود المجلة إلى «أبو غسان» الذي تحدث عن تدريبات مكثفة حصل عليها خلال خمسة أيام في برنامج «الأمن الإلكتروني» الذي بدأ تعليم المقاتلين بأكثر الموضوعات بديهية: الهاتف الخلوي. وتعلم «أبو غسان»، كما ناشطون كثر، كيف ينزعون بطاريات الهاتف عندما لا يكونون بحاجة لاستخدامه، وكيف يحملون أكثر من هاتف خلوي وكيف ينقلون الهاتف الواحد بين بعضهم البعض بسرعة قياسية. كما تعلموا تشفير دردشات الانترنت الخاصة بهم وكيفية إخفاء الملفات المخزنة على جهاز الكومبيوتر.

وفي هذا السياق، حذّر المدربون الناشطين من ان ينخرط النظام كذلك في «الحرب السايبيرية»، فهو سبق واستخدم»رسائل صديقة» لإرسال البرامج الضارة، وبمجرد إصابة جهاز واحد يمكن ان يتم اختراق الأجهزة الأخرى المرتبطة به بالتسلسل.

أما التحدي الأبرز الذي يتحدث عنه المدربون، هو تدفق البرامج المساعدة إلى الطرفين، فالنظام سبق واستورد وسائل تكنولوجية من أميركا لتتبع الناس على الانترنت، وهو ما تحذر الباحثة ساشا مينرات التي تقود مشروع «الانترنت في حقيبة» أن يتحوّل إلى «صفقة خاسرة».

.. والـ«سي آي إيه» يؤمن طرقات للمقاتلين!

في سياق الانخراط الأميركي في الصراع السوري، كشف كبار المسؤولين الأميركيين لصحيفة «وول ستريت جورنال» عن قيام عناصر من الاستخبارات الأميركية، إلى جانب ديبلوماسيين، بتكثيف اتصالاتهم مع المقاتلين السوريين للعمل على تنظيم عملياتهم العسكرية المتنامية ضدّ النظام السوري.

وكجزء من الجهود المبذولة، إلى جانب السعودية وقطر وتركيا والحلفاء الباقين، يعمل عناصر من جهاز الاستخبارات الأميركية على تطوير الطرقات اللوجستية لنقل الإمدادات إلى سوريا كما لتوفير التدريب على التواصل.

كما يناقش المسؤولون الأميركيون طرح تبادل المعلومات الاستخبارية مع «الجيش السوري الحرّ» لتنسيق هروب المتمردين من وجه قوات النظام عندما تهاجمهم بفضل معلومات استخبارية تؤمنها لها كل من روسيا وإيران.

ويعزو المسؤولون الأميركيون تعزيز التنسيق الاستخباراتي مع «الجيش السوري الحرّ» إلى رغبة أميركية بفهم أفضل لقدرات المقاتلين وهوياتهم وولاءاتهم الموزعة على جماعات متعددة على امتداد البلاد، في ظلّ تخوف من انخراط مقاتلي «القاعدة» في الصراع.

هذا الأسبوع، وفقاً للصحيفة، أعلن المقاتلون بشكل صريح أنهم قادرون على اعتراض الاتصالات العسكرية الحكومية، كما أكدوا أن الاتصالات الحديثة والآمنة بين بعضهم البعض سمحت لهم بتنظيم انشقاقات على نطاق أوسع. وخلال الأسابيع الماضية، تجاوب المقاتلون مع النداءات الدولية للتركيز بشكل أفضل على مركزية القيادة، وأنشأوا 9 مجالس عسكرية على مستوى المحافظات.

من ناحية ثانية، أشارت «الاندبندنت» إلى حصول مقاتلي «الجيش السوري الحرّ» على شحنات ضخمة من الأسلحة من السعودية وقطر عبر تركيا تضمنت بنادق «كلاشينكوف» ورشاشات «بي كا سي» وقذائف صاروخية وأسلحة مضادة للدبابات.