Lazyload image ...
2012-11-19

الكومبس – خاص : في واحدة من أيّام جُمع شارع المتنبي المتميزة، 16 تشرين الثاني، وفي احتفالية حُرص على أن لا ترعاها أيّة مؤسسة ثقافية رسمية ببغداد، احتفى محبو الشعر بالشاعر العراقي المقيم في السويد، (كريم راهي) وبمجموعته الشعرية الأولى والصادرة عن دار (نون) الإماراتية هذا العام، التي حملت عنوان (ساعي بريد الغرقى) .

الكومبس – خاص : في واحدة من أيّام جُمع شارع المتنبي المتميزة، 16 تشرين الثاني، وفي احتفالية حُرص على أن لا ترعاها أيّة مؤسسة ثقافية رسمية ببغداد، احتفى محبو الشعر بالشاعر العراقي المقيم في السويد، (كريم راهي) وبمجموعته الشعرية الأولى والصادرة عن دار (نون) الإماراتية هذا العام، التي حملت عنوان (ساعي بريد الغرقى) .

لم يكن هنالك في قيصرية (كريم الحنش) ما سيشير إلى أن حفلاً شعريّاً خاصاً سيبدأ منتصف النهار بصرخة الفنان المسرحي (فاضل عباس) العالية، من على دكة خشبية متهالكة في ساحة عارية وسط جمهور بلا كراسي ولا مناضد ولا مكبرات صوت:

"منذُ البدءِ، وأنا أتشبث باللحظة الرمادية تلك

التي تعيد الجندي إلى ثكنته والميت إلى أناه"

ليتبعه الشاعر الشاب (على وجيه) بقراءة جهورية لنص آخر من المجموعة، ثم الشاعر (مفيد البلداوي) القادم توّاً من ألمانيا والذي أصر على حضور الحفل وقراءة أشعار صديقه، فالشاعر نفسه ليقرأ من نصوص مجموعته بعض المختارات. هكذا تناوب الأربعة على قراءة مجموعة من النصوص بطريقة ممسرحة لم يخطط لها من قبل أذهلت الجمهور الذي لم يعتد هذا النوع من الحفلات الشعرية. فيما توزّع أصدقاء الشاعر، من جيله والكثير من جيل الشباب المتحمس، وقوفاً وجلوساً في صفوف غير منتظمة ليستمتعوا بغرابة حفل توقيع غير مسبوق أقرب إلى مسرح منه إلى حفل شعري.

استمرت القراءات لأكثر من ساعة تبعها توقيع نسخ من المجموعة للحاضرين ثم كلمة أخيرة من الشاعر لجمهوره تحدث فيها باختصار عن مجموعته وظروف إصدارها وختمها بالقول: "هذا الكتاب هو تأريخ حياتي الكامل.. كل حياتي تجدونها فيه، السجن، الحرب، المنفى، الحب والطعنات.. وكل صحبي الموتى. هذا تأريخ 35 سنة من حياتي مع الشعر."

المجموعة تتضمن نصوصاً  كُتبت في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وهي في مجملها تتحدث عن الماضي الذي يسعى الشاعر لتجريده من تبعاته المؤلمة من خلال توثيق الذكريات المريرة والكوابيس والسعي للخلاص من ثقلها في ضمير الشاعر الذي يحاول الإقامة على الأرض بجناحين يسعيان للتحليق ثانية دون أثقال. وهي مهداة إلى (محمد راهي) شقيقه الذي يكبره ببضع سنوات والذي فُقد في حرب الثماني سنوات ولم يُعثر له على أثر.

 ويطغى على جو النصوص المكتوبة روح الألم الممتزج بالخسارة، خسارة الوطن والصحب والأهل، والحب الذي سعى الشاعر بلا جدوى لأن يجعله معوِّضاً عن تلك الخسارات.

في النصوص المكتوبة نلاحظ أن للشاعر قاموس مفردات وأسلوباً متفرّداً في الكتابة يتجاوز في الكثير منها حدود اللغة الشعرية السائدة في النصوص المعاصرة.

عاش الشاعر المولود عام (1959) في مدينة الكوفة، ككل أبناء جيله ممن لم يهادنوا النظام السابق، الحروب القسرية والسجون والمطاردات والحصار، وترك كل هذا أثراً واضحاً على لغته الشعرية وأضفت عليها مسحة واضحة من الحزن تتجاوز أحياناً لتتغلب على مفردات بيئته الجديدة التي يصرّ على ترسيخها في نصوصه.

إختار الشاعر مقدمة لكتابه هو نص من أغنية للمغني والشاعر الكندي (ليونارد كوهين) تتحدث عن الرجال الغرقى كمدخل عمّا يتردد في كثير من النصوص، وفي حديث للشاعر عن سبب ذلك، ذكر أن ثيمة الغرق هي المعادل الشعري لقضية الغياب بكل أشكاله، الموت والتغييب والاختفاء وضياع الفردوس الأسفل لوريث آدم على الأرض.

1.jpg

يقول في حديثه للجمهور:

"كان تماسي الأول مع الموت في حادث غرق طفل بمثل سنّي في نهر الفرات الذي اعتاد أن يبتلع كل صيف واحداً من قرابينه، حينها ترسخ المشهد الأول للموت مقترناً بحادث الغرق، ثم اتخذ مفهوم الغرقى كل معنى للغياب، أو الغوص في الذكرى."

وهذا ما جسّده في نص من أروع نصوص المجموعة:

"ورائي، تركتُ حملاً من الخطايا

مثل جثَة الجنديَ الذي لم أغثهُ يوم صاح:

يا أخي.. يا أخي

ثمّ غاص في الذكرى."

في إشارة واضحه لأخيه المفقود في الحرب.

محاور الكتابة تعدت العادي والمألوف في غايات الشعر السائدة، الحب والموت والزمن، إلى الحرب والسجن والمنفى، وهي الإضافات المتفردة في كتابات الجيل الضائع، جيل (المهمَّشين) الذي يصرّ الشاعر على انتمائه إليه، الجيل الذي خرج من الوطن بكفين خاليتين واسم يجهلهُ الكثيرون.

لم ينتم الشاعر إلى جيل أدبي معروف في العراق رغم أنه بدأ النشر أواخر السبعينات في الصحف والمجلات، بسبب من تخفيه تحت شخصية أخرى لم تعلن عن شاعريتها إلا بعد الهروب من الوطن، تلك الشخصية التي رغم ما بذل الشاعر من إخفاءها، لم يمنع من أن يقبض عليه فيما بعد، ويلقى به في السجن محكوماً بسبب حيازته لكتب كان النظام يعتبرها ممنوعة لتحريضها ضد ما كان سائداً من افكار لم يتمكن الشاعر من قبولها وتبنيها.

في قراءة لقصائد المجموعة، نجد أن شخوصاً مثل الجندي الجريح، حارس الفنار، نزيل الزنزانة الانفرادية، الإنسان القديم قادح الحجر، بائعة الحلوى، الأرملة، الطائر والأغنية.. وغيرها تشكل النسيج الأكبر في القصائد التي كُتبت بلغة بعيدة عن الإسفاف وعن الإيجاز العالي في نفس الوقت. لغة الشاعر متفردّة ومفرداته مختارة بعناية تعطيه ميزة الالتفات لما يكتبهُ، والحاذق المتمرس الذي يقرأ نصوصه، سيمكن لهُ أن يتعرف إلى سواها دون الإشارة لاسمه.

لقد صنع (كريم راهي) في صمته الطويل، المتبتّل، صوتَه الخاص الذي يُمكن تمييزُه من بين الكثير من الأصوات التي تضج بها أروقة الشعر، وظهر في وقت حان ظهوره فيه ليعلن عن نفسه شاعراً ذا أسلوب مميز في القصيدة الحديثة التي دخلها  بعد أن أتقن في وقتٍ مبكِّر كلَّ أدوات الشعر وحرفياته.

ما قيلَ عن المجموعة لحد الآن، وفي زمن قصير، من كتّاب لهم وزنهم النقدي الفاعل، إيجابي بشكل كبير يمنح المجموعة تزكية لدخولها وبقوة سوق الشعر الذي يعاني من كساد لا يُخفي على أحد.

قصيدته مركّزة، مشحونة، تحتملُ التأويل لكنها لا تقفز على المعنى، بناؤها مرتكز على أسس الشعر الراكزة، من تماسك فني وشكل يؤسس لخصوصية قد تجعل من نصوصه شكلاً يحفّز جيل الشعراء الجدد للكتابة على الأسس ذاتها التي تدرب عليها الشاعر وأنجز.

بقي أن نقول أن الشاعر جاء لوطنه وبين يديه منجز شعري آخر  كتبه في العام الحالي في السويد حيث يقطن، من نصوصه:

أبو عبدِ الله الأخير

ليسَ أسفاً على الجيادِ النافِقة

في أندلسِ حُبِّك

ولا من الهزيمةِ بشيء

بُكائي مُلكَهُ المضاعَ

في أرضِ سوادِك.

لقد وقفتُ على ذُؤابةِ جبل

كساريةٍ، وتنهّدتُ عميقاً

ولم يسمعْ بحكايتي أحد.

للتعليق على الموضوع، يرجى النقر على " تعليق جديد " في الاسفل، والانتظار حتى يتم النشر.

8.jpg

6.jpg

5.jpg

3.jpg