الكومبس – خاص: في كثير من دول الشرق الأوسط، بات استخدام المضادات الحيوية ممارسة شائعة ومفرطة، حتى في حالات لا تستدعي ذلك طبياً. رشح بسيط أو سعال خفيف، كفيل بخروج المريض من الصيدلية وفي يده وصفة مليئة بالأدوية القوية. لكن في السويد، يبدو أن الأمر مختلف تماماً، ما يدفع كثيرين من القادمين الجدد لطرح سؤال: لماذا لا يصف الأطباء هنا المضادات الحيوية بسهولة؟

الطبيب السوري إسماعيل العبد الله، اختصاصي في طب الأسرة وفي الأحياء الدقيقة، وأحد العاملين في مركز “نيبرو” الذي نال في مارس 2025 شهادة “الاستخدام الذكي للمضادات الحيوية”، يشرح للكومبس الفرق بين النظامين، والأسباب التي تجعل السويد أكثر تحفظاً في وصف المضادات.

صدمة ثقافية عند البداية

يقول إسماعيل العبد الله “عندما بدأت عملي في السويد، فوجئت بعدم استخدام المضادات الحيوية في كثير من الحالات التي كانت تُعالجُ سابقاً بصادات حيوية قوية. في سوريا، كان من السهل الحصول على أدوية مثل أوجمنتين أو حتى أجيال متقدمة من السيفالوسبورينات بدون وصفة لعلاج أبسط الانتانات سواء الجرثومية أو الفيروسية. أما هنا في السويد فالأمر مختلف، نحاول جاهدين أن نتبع الارشادات العلمية والمعايير وحين نضطر للصادات الحيوية حين يحتاجها المريض فقط. وغالباً ما تُعالج الانتانات بصادات بسيطة أو لا تُعالج بها إطلاقًا حين لا يكون لهذه الأدوية جدوى ولا تنفع المريض”.

ويوضح إسماعيل أن التجربة السويدية تعتمد على استخدام أقل ما يمكن من المضادات، بهدف الحفاظ على فعاليتها للمستقبل وتقليل خطر تطور مقاومة البكتيريا لها.

ليس كل التهاب بحاجة إلى مضاد

وفقاً لإسماعيل، هناك سوء فهم شائع منتشر بين المرضى فالبعض قد يخلط بين “أدوية الالتهاب” و”المضادات الحيوية”. فبينما تشمل الأولى مسكنات ألم ومضادات للالتهاب مثل الإيبوبروفين و الديكلوفيناك والكورتيزون، فإن الثانية تُستخدم فقط في حال وجود عدوى بكتيرية مؤكدة وتحتاج علاجاً وفق المعايير, لأن بعض الانتانات الجرثومية يتكفل الجسم بعلاجها ولا حاجة فيها للمضادات الحيوية كالتهاب القصبات سواء كان فيروسياً أو جرثومياً.

ويضيف “مثلاً، التهاب المجاري البولية أو التهاب اللوزات قد يختفيان من تلقاء نفسيهما. الدراسات تشير إلى أن استخدام المضاد الحيوي في بعض هذه الحالات لا يؤثر كثيراً على الشفاء من المرض، بل قد ينقص مدة الأعراض يوماً أو يومين فقط، مع مخاطرة توليد مقاومة لاحقة بسبب تأثر البكتيريا المفيدة الموجودة في أجسامنا”.

حالات يُمنع فيها المضاد نهائياً

بعض الأمراض، مثل التهاب القصبات الفيروسي والجرثومي أو السعال طويل الأمد دون علامات بكتيرية واضحة، لا يُنصح فيها إطلاقاً باستخدام المضادات الحيوية.

يوضح إسماعيل ” أن هناك أمراض فيروسيّة لا تفيد معها الصادات نهائياً. بل قد يؤدي استخدامها إلى اضطراب في توازن البكتيريا المفيدة في الجسم”، وينبّه العبد الله إلى أن جسم الإنسان يحتوي على ما يقارب 2 كيلوغرام من البكتيريا المفيدة، والتي تتضرر عند تناول مضاد حيوي دون داعٍ.

العلاج ليس بالدواء فقط

يتحدث الطبيب عن بعض الحالات التي يتم فيها الاكتفاء بمسكنات الألم، والسوائل، والتوصيات المنزلية، بدلاً من المضاد الحيوي.
ويقول “هناك التهابات بسيطة تُعالج فقط بالراحة والسوائل. أحياناً يضحك البعض عندما نقول له: خذ باراسيتامول واشرب ماء. لكن الحقيقة أن الجسم قادر بفعالية كبيرة على مقاومة كثير من العدوى البسيطة دون الحاجة لأي صاد حيوي”.

ويؤكد أن هناك حالات خطيرة بالفعل تستدعي علاجاً فورياً، مثل التهاب الرئة الجرثومي أو التهابات الكلية والحويضة, والبوريليا, والتهاب السحايا ، وفي بعض هذه الحالات قد تُستخدم الصادات الحيوية الوريدية في المستشفى.

ليس من باب التوفير.. بل من باب الحماية

ينفي الطبيب أن يكون سبب عدم وصف المضادات الحيوية في السويد مرتبطاً بالرغبة في “توفير الدواء”، كما يعتقد البعض، بل هو مرتبط بسلامة المريض والصالح العام ومستقبل الأجيال القادمة.

ويقول “المضادات الحيوية سلاح مهم جداً، وإذا أُسيء استخدامها، تفقد فاعليتها. والمشكلة أن العالم وكل التطور العلمي لم يعد يكتشف صادات حيوية جديدة منذ سنوات عدة. لذلك يجب حماية ما نملكه اليوم من صادات، حتى تبقى فعالة لأطفالنا وأحفادنا في المستقبل”.

مركز “نيبرو” يحصل على شهادة “الاستخدام الذكي”

في هذا السياق، ساهم الطبيب إسماعيل مع زملائه في جعل مركز “نيبرو” أول مركز رعاية صحية في السويد يحصل على شهادة الاستخدام الذكي للمضادات الحيوية.

وعن ذلك يقول “شاركنا في مشروع وطني ضخم من تنظيم هيئة الصحة العامة، هدفه تقييم المراكز الطبية بناءً على 16 معياراً، ثم خُفضت لاحقاً إلى 8. عملنا لسنوات على تطوير سياسات الاستخدام، وتثقيف الكادر والمرضى، والحفاظ على الصحة الوقائية، حتى حصلنا على الشهادة كأول مركز في السويد ونحن نفخر جداً بعملنا “.

ويختم بالقول “نحن نؤمن أن نشر التوعية الصحية في المجتمع أفضل من أي علاج. وكلما زاد وعي المريض لماذا قد يحصل أو لا يحصل على المضاد الحيوي، قلّ التوتر وتحسن مستوى التعاون. الأمر ليس حرماناً من العلاج الذي يتوقعه المريض من الطبيب لكن بدرجة كبيرة الحصول على العلاج الصحيح لكل حالة، الهدف الأول لنا هو مساعدة المرضى بالطريقة الأمثل وحمايتهم من ضرر أكبر”.

معلومات سريعة

الاسم: إسماعيل العبد الله

البلد الأم: سوريا

المهنة: طبيب اختصاصي في طب الأسرة والأحياء الدقيقة Specialistläkare i allmänmedicin & mikrobiologi الموقع الحالي: نيبيرو – إقليم كالمار Nybro Kommun- Kalmar Län

مهامه / وظائفه الحالية:

  • المسؤول الطبي عن الرعاية الأولية والطوارئ في إقليم كالمار
  • المسؤول عن برنامج المضادات الحيوية الوطني “ستراما” في إقليم كالمار
  • مشرف سريري وأكاديمي في برنامج كلية الطب في جامعة لينشوبينغ
  • ممثل إقليم كالمار في اللجنة الوطنية لجودة الرعاية الصحية على مستوى السويد

أحمد الخضري