Lazyload image ...
2012-08-16

الكومبس- الصحافة العربية- القدس العربي 

عندما تفقد ثلاث دول غربية كبرى هي الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا ثقتها في المجلس الوطني السوري وتبدأ في البحث عن بديل ممثل للثورة السورية فهذا يعني ان المجلس اضاع فرصة تاريخية لكي يحظى بقيادة هذه الثورة وتمثيل القطاع العريض من الشعب السوري الذي يلتف حولها

الكومبس- الصحافة العربية- القدس العربي

عندما تفقد ثلاث دول غربية كبرى هي الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا ثقتها في المجلس الوطني السوري وتبدأ في البحث عن بديل ممثل للثورة السورية فهذا يعني ان المجلس اضاع فرصة تاريخية لكي يحظى بقيادة هذه الثورة وتمثيل القطاع العريض من الشعب السوري الذي يلتف حولها.

الدول الغربية الثلاث تبنت المجلس الوطني السوري، بل لعبت دورا كبيرا في تكوينه، متشجعة بتجربة المجلس الوطني الليبي المؤقت، وحرصت على حضور قيادته لمختلف اجتماعات تحالف اصدقاء سورية في اعتراف صريح وواضح به، ولكن الخلافات الكبيرة داخل صفوفه، وفشله في استقطاب جماعات اخرى للعمل تحت مظلته، واقامة قنوات اتصال حقيقية مع جماعات الداخل، كلها عوامل تقف خلف قرار هذا المثلث الغربي المذكور.
تطورات الاوضاع على الاراضي السورية لا يمكن تجاهلها في رصد اسباب سحب الثقة بالمجلس، فانتقال الثورة من المرحلة السلمية الى المرحلة العسكرية، جعل الثقل الداخلي السوري هو صاحب الكلمة العليا في مسألة تمثيل الشعب السوري المعارض للنظام.
وكان واضحا ان الكثير من قيادات الداخل السوري لم تكن متحمسة لقيادة المجلس الوطني للثورة الشعبية وتمثيلها في المؤتمرات واللقاءات الدولية، وانعكس هذا الموقف في العديد من البيانات التي اتهمت اعضاء المجلس بالبعد كثيرا عن الواقع السوري لانها عاشت لسنوات طويلة في المنفى، ومعظمها من الاكاديميين والمثقفين المثاليين قليلي الخبرة في العملين السياسي والعسكري الميداني.
وهذه النتيجة التي قد ينتهي اليها المجلس الوطني السوري ليست غريبة او غير متوقعة، فالتجارب السابقة اثبتت ان من يحمل البندقية ويخوض المعارك في ميدان المواجهة هو الذي ينتزع التمثيل وبالتالي القيادة.
من يخوض المواجهات العسكرية الدامية في جبهات القتال في حلب وحمص وحماة وادلب ودير الزور وبقية المناطق السورية الساخنة من الصعب عليه ان يقبل بتسليم امر قيادته الى مجموعة من الاكاديميين في باريس او لندن او واشنطن يتنافسون فيما بينهم على المناصب الرئيسية، ويتبادلون الاتهامات فيما بينهم، ومن ثم مع الآخرين في الجبهات والتجمعات الاخرى المعارضة.
الثورة السورية اصبحت الآن ثورة مسلحة، رأس حربتها الجيش السوري الحر، ومن المنطقي ان يكون القادة الميدانيون هم الذين يجلسون خلف عجلة القيادة في هذه المرحلة على الاقل، وهذا ما يفسر اجتماع سفراء امريكان مثل روبرت فورد السفير السابق في سورية، وجون ويلكس مبعوث بريطانيا في شؤون سورية بممثلين عن الجيش السوري الحر، وبحث احتياجاتهم من المساعدات المالية والعسكرية.
هذا الارتباك في صفوف القوى الغربية المتمثل في دعم تشكيل المجلس الوطني، والاعتراف به كممثل للثورة السورية، ثم التخلي عنه بهذه السهولة والسرعة، يعكس حالة من قصور الفهم، والقراءة الخاطئة للواقع السوري الراهن، ولا نتوقع حدوث اي تغيير لهذا النهج في المستقبل القريب.
الجماعات الجهادية الاسلامية التي عززت وجودها في سورية بعد عمليات التمويل المادي والعسكري في الاشهر الاخيرة، وباتت تعمل باستقلالية عن المجلس الوطني السوري او المعارضة السورية التقليدية، بما في ذلك حركة الاخوان المسلمين نفسها، هذه الجماعات اصبحت تمثل التيار الثالث القوي، والعمود الفقري للمعارضة السورية المقاتلة على الارض.
المثلث الامريكي البريطاني ـ الفرنسي بات الآن امام خيار وحيد وهو التعاطي مع هذه الجماعات والتسليم بنفوذها وقوتها وتواجدها على الارض، او محاربتها. الاعتراف بها والتعامل معها سيشكل تناقضا مع كل الادعاءات الغربية بمحاربة الاسلام الجهادي وجماعاته، ومحاربتها تعني الوقوف في خندق النظام.
لن نستبق الامور، ونطلق تنبؤات حول ما يمكن ان يتبلور عليه شكل القرار الغربي المستقبلي حول هذه المسألة، ولكن ما يمكن قوله وبكل ثقة ان هذه الجماعات الجهادية سحبت البساط من تحت اقدام الجميع، وباتت الرقم الاصعب في المعادلة السورية، وبات من المتأخر جدا لاي قرار امريكي ـ غربي ان يغير هذه الحقيقة.