الكومبس- أخبار السويد: أثارت مجموعة صور مُسربة للعلاجات النفسية التي تستخدمها مصلحة الخدمات الاجتماعية شمال شرق مدينة يوتيبوري (Socialförvaltningen Nordost) ردودَ فعل غاضبة بين السكان واختصاصيين نفسيين. الأسلوب المُشار إليه يُسمى “القرود الغاضبة” أو (Arga apor) ويتجسد في تمثيل مواقف مختلفة يتعرض لها الأطفال أو المراهقون على شكل سيناريوهات تُصيب القرود، كأن يشعر أحد القردة نفسه وحيداً أو غاضباً مع طرح أسئلة تحفيزية أسفل هذه الصور، وذلك لمناقشة ما يمكن فعله لمعالجة هذه المشاعر المختلفة.
قردة ترتدي”حجاباً” وآخر”من الضواحي”
تُظهر إحدى الصور التي نشرتها صحيفة داغينز نيهيتر مجموعة من القرود التي تبدو وكأنها تصرخ على بعضها البعض، مرتديةً قمصاناً مكتوب عليها كلمة “الضواحي” (Orten)، وفي صورة أخرى تظهر قردة محجبة محاطة ببعض الأشخاص، مع عبارات توضيحية تحتها مثل “تشعر القردة نفسها محاطةً بالأنظار، ما الذي يمكنها فعله؟ من يمكنه مساعدتها؟ ما الذي ستفعله لو كنت مكانها؟” وفقاً لما تشير إليه الصور.
وفي رده على ما أثارته هذه الصور قال أليساندرو رضائي، رئيس قسم الخدمات الاجتماعية في منطقة شمال شرق مدينة يوتيبوري “إذا أسأنا لأحد، فنحن نرغب بشدة في الاعتذار”. مضيفاً أنه مُمتن لأحد العاملين في البلدية الذي نبّه الإدارة إلى أن هذه المواد العلاجية قد تسهم في العنصرية البنيوية (Strukturell rasism)، والتي تشير إلى السياسات والممارسات والتمثيلات الثقافية التي تعمل على تعزيز عدم المساواة العرقية بين الناس. كما أضاف رضائي أن الإدارة كانت راضية عن الأسلوب العلاجي “القرود الغاضبة”، لكن الصور كان ينبغي مراجعتها بشكل أدق.
ووصلت الانتقادات الداخلية لمفهوم “القرود الغاضبة” إلى إدارة الخدمات الاجتماعية شمال شرق مدينة يوتيبوري نهاية شهر مايو الماضي، ليتم تعديلها لاحقاً واستبدال القرود بحيوانات أخرى، غير أن نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي مثل لينكد إن وفيسبوك أثار موجة غضب كبيرة.
ويأتي نشر هذه الصور في وقت قريب من بدء تطبيق القانون الجديد للخدمات الاجتماعية (السوسيال) يعد الأول من نوعه منذ أكثر من أربعة عقود، إذ يعزز مهام السوسيال ويسمح بتدخله بشكل مبكر لحماية الأطفال من الجريمة والمشكلات الاجتماعية، حتى دون موافقة الوالدين.
“الحيوانات العاطفية” بدلاً من “القرود الغاضبة”
وعقب انتشار ردود الفعل الغاضبة، نشر قسم الخدمات الاجتماعية المعني بياناً صحفياً أكد فيه أن الغرض الأساسي من أسلوب “القردة الغاضبة” كان مساعدة الأطفال والشباب المصابين بأمراض نفسية على التعبير عن مشاعرهم، لأنه يصعب عليهم فهم المشاعر القوية، كالغضب أو الخوف أو الحزن. وبعد الانتقادات الداخلية، وموجة الغضب على وسائل التواصل أُعيدت تسمية المادة بأكملها من “القرود الغاضبة” إلى “الحيوانات العاطفية”، وفقاً لما جاء في البيان الصحفي، كما أُعيد تصميم الرسوم التوضيحية باستخدام حيوانات مثل النمر والذئب، والفيل، والسلحفاة، مع إيقاف التدريب المُقدم فيما يتعلق بالمادة ريثما يتم تقييم جودة الرسوم التوضيحية الجديدة، وفقاً لتفاصيل البيان.
غضب سياسيين واختصاصيين النفسيين
في تعليقه على انتشار الصور، كتب نائب رئيس مجلس بلدية يوتيبوري عن حزب اليسار دانييل بيرنمار، على صفحته الشخصية في فيسبوك “هذه واحدة من أغرب وأخطر الحوادث التي رأيتها. يتضح جلياً أهمية مواصلة تعزيز جهود مكافحة العنصرية. إن عدم تحرك أحد أو إدراكه للمشكلة لأكثر من عام أمرٌ غير مقبول على الإطلاق سنعمل على تعزيز جهود مكافحة العنصرية ومن أجل حقوق الإنسان”.
الاختصاصية والمعالجة النفسية ليليا الأمير قالت للكومبس إنه لا يوجد في علم النفس ما يبرر تشبيه سلوك القرود بسلوك الأطفال، لأن أي مقاربة بين الحيوانات والأطفال هو انتقاص من قيمة الطفل بحد ذاته. وأضافت “عندما نناقش مع الأطفال مفهوم الحيوانات فإننا غالباً ما نربطها بأنها كائنات غير عاقلة، تتصرف بغريزتها ولا تتحكم بمشاعرها أو سلوكها كما يفعل الإنسان، لذلك أرى أن استخدام صورة القرد لإيصال أهمية ضبط المشاعر لم يكن محاولة موفقة من قبل قسم السوسيال المعني، فهناك العديد من الطرق والأساليب النفسية الفعالة التي تساعد الأطفال في فهم مشاعرهم وتنظيمها دون الحاجة إلى استعارات قد تحمل دلالات سلبية أو مربكة.
ولفتت ليليا إلى أنه يجب الانتباه إلى رمزية الحيوانات ودلالات تشبيه الأطفال بها، على سبيل المثال فإن حيوان الغزال قد يشار له على أنه شيء محبب للأطفال في الثقافات العربية بينما قد يشير في السويد إلى الخطر كونه قد يتسبب في الحوادث، مضيفةً “بمجرد تخيل بأننا نعرض صوراً غير جاذبة للأطفال، مع وجود مجموعة حيوانات غاضبة فقد يزيد هذا الأمر من حساسيتهم”.
الأمير علقت أيضاً على استخدام كلمة “الضواحي” ضمن الصور، مع تصوير إحدى القردة مرتديةً للحجاب بالقول “هذه رسائل وتفسيرات غير محمودة على الإطلاق، من الغريب كيف تم استخدامها بغرض الدعم النفسي”.
أسلوب علاجي منذ عام 2024
يشير التقرير نصف السنوي المنشور على الموقع الرسمي لبلدية يوتيبوري أن الخدمات الاجتماعية في منطقة شمال شرق يوتيبوري تستخدم أسلوب المعالجة “القرود الغاضبة” منذ الخريف الماضي، بمشاركة مجموعة من الشباب من وحدة (Resursenhet Unga) في البلدية ذاتها، ويشير التقرير ذاته إلى أن الاستراتيجية مبينة على أساس علاجي سلوكي معرفي وتم تطويرها من قبل وحدة الشباب لهدف منع استخدام العنف في المدارس.

وفي العام ذاته الذي طُرحت فيه استراتيجية “القرود الغاضبة” للعمل، تم ترشيحها لنيل جائزة Årets) nyskapare)، غير أن خبر الترشح لهذه الجائزة حُذف من الصفحة الرسمية للخدمات الاجتماعية على لينكد إن عقب انتشار صور الاستراتيجية.
رد البلدية
جددت بلدية يوتيبوري اعتذارها في البيان الذي نشرته أمس عقب ردود فعل قوية أثارتها صور استراتيجية “القرود الغاضبة”.
الكومبس تواصلت مع قسم الخدمات الاجتماعية في شمال شرق مدينة يوتيبوري، وسألت عما إن كانت استراتيجية “القرود الغاضبة” اُستخدمت في مناطق أخرى ضمن يوتيبوري، وعما إن كانت هذه التسريبات ستؤثر على سمعة الخدمات الاجتماعية ضمن المنطقة التي طُبقت فيها خصوصاً مع اقتراب دخول قانون الخدمات الاجتماعية الجديد حيز التنفيذ يوليو المقبل. كما وجهت سؤالاً حول سبب حذف منشور ترشيح هذه الاستراتيجية لجائزة (Årets nyskapare)، وبانتظار إجابة القسم المعني.
راما الشعباني
يوتيبوري