الكومبس – خاص: لم يكن الطريق الذي قاد الداعم اللغوي في نقابة IF Metall محمد العمر إلى العمل النقابي تقليدياً، لكنه تحوّل مع الوقت إلى تجربة إنسانية ومهنية يصفها بأنها “متعبة لكنها جميلة”، لأنها تمنحه فرصة مساعدة الآخرين والدفاع عن حقوقهم.

وفي مقابلة خاصة مع الكومبس، روى الداعم اللغوي في نقابة IF Metall محمد العمر تفاصيل رحلته من سوريا إلى السويد، وتجربته في العمل النقابي، والدور الذي يلعبه “الدعم اللغوي” في مساعدة العمال، خاصة من ذوي الخلفيات المهاجرة.

يأتي ذلك في وقت تعتبر فيه اللغة مفتاحاً أساسياً للفهم والمشاركة في العمل النقابي، حيث ترى نقابة IF Metall أن القدرة على الفهم والتواصل تمثل أساساً لتعزيز المشاركة والانتماء في مكان العمل. ولهذا أطلقت النقابة مهمة “الدعم اللغوي” كدور جديد يهدف إلى تقوية التواصل بين الأعضاء، خصوصاً ممن لا يتقنون اللغة السويدية.

وبحسب النقابة، فإن هذه المهمة أُدخلت حديثاً، ولا يوجد ما يماثلها في نقابات أخرى في السويد، حيث يعمل اليوم نحو 25 شخصاً كدعم لغوي داخل IF Metall، يتحدثون عدداً كبيراً من اللغات، بهدف تسهيل التواصل وشرح الحقوق والواجبات للأعضاء.

وتُعد IF Metall واحدة من أكبر النقابات في السويد، حيث تضم نحو 300 ألف عضو يعملون في قطاعات صناعية مختلفة، بينها الصناعات المعدنية والكيميائية والبلاستيكية، إضافة إلى وجود أكثر من 26 ألف عضو نشط نقابياً في مواقع العمل.

Foto: Christine Olsson / TT تُعد IF Metall واحدة من أكبر النقابات في السويد

من سوريا إلى السويد… رحلة متعددة اللغات

وصل محمد العمر، وهو كردي من سوريا، إلى السويد في بداية العام 2015، بعد أن أمضى أكثر من تسع سنوات في أوكرانيا، حيث عمل ودرس اللغات، ما مكّنه لاحقاً من إتقان عدة لغات بينها العربية والكردية والروسية والأوكرانية، إلى جانب السويدية التي تعلّمها بسرعة بعد وصوله.

بدأ رحلته في السويد بدراسة اللغة، حيث أشار إلى أنه اعتمد بشكل كبير على التعلم الذاتي عبر الإنترنت قبل الالتحاق بدورات “SFI”، ثم عمل لاحقاً كمساعد لغوي ضمن نفس البرنامج.

انتقل بعد ذلك للعمل في مصنع “Metal Fabriken Ljunghäll” في بلدية فيمربي التابعة لمحافظة كالمار، وهناك بدأت علاقته بالعمل النقابي.

من عامل إلى ناشط نقابي

انضم محمد العمر إلى النقابة منذ يومه الأول في العمل، لكنه بدأ الاهتمام الفعلي بالعمل النقابي بعد أقل من عام، حيث انخرط في متابعة قضايا العمال وحقوقهم.

قال إنه “بعد فترة قصيرة بدأ الاهتمام بالمواضيع النقابية، ثم حصلت على ثقة الزملاء وتم اختياري كحلقة وصل، وبعدها بدأت بحضور الدورات النقابية واحدة تلو الأخرى”.

تدرّج لاحقاً في عدة مهام، حيث أصبح عضواً في مجلس النقابة في مكان عمله، ثم ممثلاً عن التأمينات، قبل أن يُنتخب لاحقاً كممثل إقليمي، ما وسّع نطاق عمله ليشمل مواقع عمل مختلفة خارج مكان عمله الأساسي.

أوضح أنه في هذا الدور “نقوم بزيارة أماكن عمل مختلفة لتقديم معلومات عن التأمينات والحقوق، مثل ما الذي يحق للموظف الحصول عليه عبر الاتفاقيات الجماعية وما الذي يشمله النظام”.

Foto: Johan Nilsson / TT نقابة IF Metall خلال نزاع مع شركة تسلا

دور الدعم اللغوي… جسر بين العامل والنقابة

انضم محمد العمر لاحقاً إلى مشروع “الدعم اللغوي” الذي أطلقته نقابة IF Metall، وهو نظام يضم متحدثين بلغات مختلفة لمساعدة الأعضاء الذين لا يتقنون السويدية.

قال إن المشروع يضم متحدثين بأكثر من 16 لغة، مضيفاً أن “الهدف هو مساعدة الأعضاء على فهم حقوقهم والتواصل مع النقابة، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها حاجز اللغة عائقاً”.

أشار إلى أنه يتلقى اتصالات من مختلف أنحاء السويد، خصوصاً من متحدثي العربية والكردية والروسية والأوكرانية، حيث يساعد في تفسير القضايا المتعلقة بالعمل، أو التأمينات، أو النزاعات بين الموظف وصاحب العمل.

وأوضح أن دوره لا يقتصر على الترجمة، بل يشمل شرح ما يحدث في المفاوضات أو القضايا الجارية، قائلاً إن “الداعم اللغوي ليس مترجماً محلفاً، بل هو شخص يشرح ويوضح الأمور بلغة يفهمها العضو”.

قصة عامل كادت حقوقه تضيع

استعرض محمد العمر إحدى الحالات التي تعامل معها، حيث تواصل معه عامل يعاني من إصابة عمل تسببت له بإعاقة دائمة جزئياً.

قال إن المشكلة لم تكن في غياب الحقوق، بل في ضعف التواصل، موضحاً أن العامل “لم يحصل على الدعم الكافي لأنه لم يتمكن من شرح حالته بشكل صحيح، ولم يفهم الإجراءات المطلوبة”.

أضاف أنه طلب من العامل إرسال جميع الوثائق، وبعد مراجعتها تبيّن أنه يحق له تعويض إضافي، لأن القانون يسمح بإعادة فتح الملف بعد فترة في حال وجود إعاقة دائمة.

تدخّل محمد كداعم لغوي بين العامل ومسؤول النقابة، وساعد في صياغة الطلب بشكل صحيح، ومتابعة القضية خطوة بخطوة.

أشار إلى أن النتيجة كانت حصول العامل على تعويض أولي بلغ نحو 120 ألف كرون، قبل أن يتم تقديم اعتراض على القرار.

قال إنه شجّع العامل على الاعتراض، موضحاً أن “أي قرار في السويد يمكن الاعتراض عليه، ولن يخسر شيئاً”.

وبعد إعادة النظر في القضية، تم رفع التعويض إلى نحو 200 ألف كرون.

محمد العمر يعمل داعمي لغوي Foto TT & Privet

اللغة مفتاح الحقوق

شدد محمد العمر على أن اللغة تلعب دوراً حاسماً في حياة العامل، مؤكداً أن عدم إتقان السويدية قد يؤدي إلى خسارة الحقوق.

قال إن “الشخص قد يتعرض لمشكلة فقط لأنه لم يفهم ما قيل له، أو لم يتمكن من إيصال فكرته، وهذا قد يؤدي إلى خسارة حقوقه بالكامل”.

أضاف أن تعلم اللغة لا يعني بالضرورة بناء علاقات اجتماعية، لكنه ضروري في بيئة العمل، حيث يجب أن يكون هناك تواصل واضح مع الزملاء والإدارة.

فهم النقابة… تحدٍ ثقافي

أشار محمد إلى أن كثيراً من القادمين من خلفيات مهاجرة يحملون تصوراً مختلفاً عن النقابات، خاصة من دول لا تلعب فيها النقابات دوراً حقيقياً.

قال إن “في بعض البلدان، النقابات موجودة شكلياً فقط، وهذا يؤثر على نظرة الناس هنا، حيث يعتقد البعض أن النقابة لا فائدة منها”.

لكنه أوضح أن الواقع في السويد مختلف، حيث يمكن للعضو التأثير على ظروف عمله، مثل الأجور وساعات العمل والتأمينات.

أضاف أن “الحقوق التي نتمتع بها اليوم لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة نضال طويل، وحتى تضحيات بشرية”.

دعوة للمهاجرين للانخراط في العمل النقابي

دعا محمد العمر المهاجرين إلى الانخراط في العمل النقابي، مؤكداً أن اللغة ليست عائقاً حقيقياً.

قال إن “اللغة ليست عائقاً كبيراً، ويمكن للجميع المشاركة وأخذ مهام نقابية، لأن ذلك يساعدهم ويساعد غيرهم”.

أشار إلى أنه في مكان عمله يوجد أكثر من 100 شخص يتحدثون العربية أو الكردية، ما يجعل وجود شخص يفهم لغتهم أمراً مهماً.

وأضاف أن “سهولة التواصل تجعل الناس يلجؤون إليك عند أي مشكلة، وهذا يعزز الثقة بين العمال”.

واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية وجود دعم لغوي في النقابات، معتبراً أنه عامل أساسي لضمان وصول المعلومات بشكل صحيح، ومساعدة الأعضاء على الحفاظ على حقوقهم.