Lazyload image ...
2016-01-02

الكومبس – ثقافة: شارك المخرج فجر يعقوب للمرة الثانية في مهرجان مالمو للسينما العربية الذي أقيم في العام 2015، بعد مشاركته الأولى في العام 2011 بفيلم وثائقي، كان عمر الأزمة السورية وقتها ستة أشهر، وفي مشاركته الثانية العام الجاري في لجنة التحكيم، لم يتوقع فجر أن يعود مرة أخرى للسويد ليبقى فيها بسبب اشتداد هذه الأزمة وتحولها إلى معارك طاحنة.

على هامش النسخة الخامسة من المهرجان أجرينا معه حديثا قصيرا عن السينما وعن منفاه الجديد، وقبل أيام أكملنا الحديث معه لكي تصبح المقابلة شاملة وتغطي عدة مواضيع تخص الأجواء الجديدة التي اضافت لتجارب المخرج لمسات من الواقع السويدي:

 كيف ترى فكرة إقامة مهرجانات سينمائية عربية في الخارج، وما مدى نجاح الهدف المرجو منها إذا ما نظرنا اليها في اتجاهين سلبي وايجابي؟

من المؤكد أن المهرجانات السينمائية العربية العريقة التي نعرفها تبدو اليوم في حال صعبة ان أخذنا بعين الاعتبار الظروف التي تمر فيها البلدان الراعية لها.  ليست مهرجانات دمشق والقاهرة وقرطاج بخير. ربما لم يكن الأمر كذلك من قبل الى حد ما، ولكن الآن تبدو الأحوال من حول هذه المهرجانات ” مريعة “.

 كذلك نحن في غنى عن توصيف حالات هذه البلدان التي تعبر مضيقا هو الأخطر في تاريخها الحديث قد لايمكن تجاوزه بسهولة مع مايعنيه ذلك من تشظ في الثقافة والاقتصاد والتمظهرات الاجتماعية والسياسية التي استقرت عليها.

كان يجب أن تنتظر هذه المهرجانات عقدين على الأقل حتى تبدأ مسيرة التقهقر لحساب مهرجانات فتية بدأت تظهر تباعا في بعض دول مجلس التعاون الخليجي التي عرفت الفورة النفطية والاستقرار المتأتي منها، وبدا أن هذه المهرجانات صارت تحتل المشهد السينمائي العربي بالرغم من أنها لا تمتلك ” حظوظ ” الصناعة السينمائية التي تتيح لها اطلاق مثل هذه المهرجانات الضخمة حتى الآن على الأقل، وان كان هذا أمر في غاية المشروعية.

 والأمر الأكثر أهمية صار يكمن في أنها المسؤولة عن معظم الانتاج السينمائي العربي في العقد الأخير على الأقل. صار المأزق السينمائي العربي أشد وضوحا وأشد التباسا. لم يكن ممكنا تجاوز هذا المأزق حتى بالنسبة لسينمائيي البلدان التي بدأت مهرجاناتها بالأفول: ليس مهما الولوج في التفاصيل التي تؤكد عمق هذا المأزق اذ بدا أن تلازم هذه المهرجانات في التوقيت زاد الطين بلة ووسع من اشكالات خطاب السينما العربية نفسه، ان كان بقي لها خطاب لم تأت عليه رياح التغييرات التي تضرب بلدانه وتذروه.

 اليوم تبدو المهرجانات السينمائية العربية في الخارج والتي لا تخضع لتأثيرات مباشرة من أي من هذه الدول، وهذا أمر نسبي بطبيعة الحال، وكأنها تحاول فهم هذه المتغيرات والاستفادة منها بالقدر الممكن. أما عن علاقاتها مع المحيط الأوروبي، فهذا أمر بحاجة لفهم ودراسة متعمقين، فالخطاب الثقافي العربي بشكل عام متردد ويستمد مكوناته من خطاب سابق يمكن التأسيس والبناء عليه.

 تجربة بعض المهرجانات العربية في أوروبا وفي الشمال الأوروبي مشجعة. فشلت بعض التجارب. وبعضها استمر يعمل عن طريق استقطاب مكونات الفعل الثقافي في هذه البلدان. وأعتقد أن الخطاب الثقافي العربي ان لم يجر تفجيره من الداخل حتى يتمكن من مخاطبة الآخر بانفتاح أكبر، سيكون طريقه محفوفا بالمخاطر وستغدو مهمته أسهل حين يلوح في الأفق ذلك الذهن المستنير الذي يعرف ماذا يريد، ومتى يريد، وكيف يريد.

ماذا عن حلمك الفني وقد أصبحت في السويد؟

الآن أشعر بوطأة الانتقال بين الأمكنة والبحث عن ذاكرة جديدة، وبالتأكيد سيغدو حلمي الفني صورة عن هذا الانتقال المزمن بين هذه الأمكنة بما تفرضه من أزمنة جديدة، بعضها متخيل، وبعضها واقعي.

 لا أنكر أن هذا الحلم يتبدل أيضا، وما كنت أبحث عنه من قبل، سيتوقف الآن بانتظار تشكل الذاكرة الجديدة ولن يكون كما هو من قبل. ليس الحلم الفني بهذا المعنى شأنا شخصيا، لأن ما سيُعرض علي لن يتعدى الوجود الذي سأمضي فيه ربما بثقة أكبر، وربما بثقة أقل، ويغدو المتخيل أكثر التصاقا وقربا مني في هذا الحيز الجغرافي الشديد الخصوصية، والشديد الغموض في نفس الوقت.

 نعم أتبدل في هذه اللحظات ويتبدل حلمي معي، وهذا شأن طبيعي في هذا السياق الذي يفرضه مكان عيشي الجديد. أعتقد أن وجودي في بلاد انغمار برغمان الواسعة سيفرض نوعا من قراءة مختلفة للمصابيح السينمائية التي تتراقص أمامي الآن.

138850_2012_03_25_03_10_45.image2

نظرتك لمهرجان مالمو للسينما العربية وقد كنت عضو لجنة تحكيم الفيلم الوثائقي في الدورة الخامسة؟

شاركت في الدورة الأولى من مهرجان مالمو للسينما العربية بفيلمي (عراقيون في منفى متعدد الطبقات )، وكان لحضوري طعم مختلف لا أستطيع توصيفه الا كونه اشارة مبكرة على انتقالي لاحقا للعيش في السويد. أعرف أن مشاركاتي لم تتوقف في الدورات الماضية، فقد شاركت بفيلمين في الدورتين الثالثة والرابعة وحصل فيلمي ( وحدن ) على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الماضية.

 وأعرف أكثر أن المهرجان أصبح حاضنة لتفاعل ثقافي نشط بين العالم العربي مع الشمال الأوروبي أولا، وأوروبا ثانيا، حتى أن ثمة ما يغمر هنا ويغطي على تلك المشاعر والأحاسيس التي تنتقل اليك بالعدوى حول ضرورة الارتقاء بنوعية هذا التفاعل، اذ يثبت الآن أن هذه الدائرة لا يمكنها أن تعلق في سماء التحيز، وأن فعل الاخاء الانساني، والانتماء الحر للذات ولقضايا ومقولات عميقة صارت تميز حضور هذه الأفلام من عالم عربي متشظ، وقلق، ولكنه أصبح أكثر قدرة على توظيف الوعي في مسألة الحضور وصناعة الأفلام.

ماهو المنجز الذي قمت به في الفترة التي انتقلت بها للسويد؟

 أعمل الآن على اصدار مجموعتي الشعرية الخامسة ( بياض سهل ) في دمشق. أعرف أنه سيكون  لهذه المجموعة حضور خاص في سياق مشروعي الكتابي، ففي فترة استعدادي لأن أصبح لاجئا من طينة لاجئ، لم تتوفر لي الأدوات اللازمة للكتابة بين المدن الكثيرة التي انتقلت عبرها بعد أن ماتت ” المسودة ” ولم يعد ممكنا العودة للقلم والورقة، ولم أجد أمامي سوى الموبايل لكتابة 101 قصيدة حب، نقلتها لايميلي وايميل ( صاحبة الشأن ) حتى لا تضيع في هذه الزحمة.

 وقد شعرت أن وسائط الاتصال المجتمعي الشامل أصبحت أكثر رحمة ورأفة أكثر مما قد يتخيله البعض، بسبب الاحتماء بها، وتنقيل هذه القصائد عبرها حتى لا تضيع كما ضاعت أشياء كثيرة أخرى، وأنا أستقل وهم البحر بين مدن غير محايدة تتهدم واحدة تلو الأخرى أمام قصيدة عزلاء وضعيفة.

 اليوم وأنا أدفع بـ ( بياض سهل ) لمطابع دار كنعان في دمشق، أدرك الفارق في المتخيل الذي كانت عليه هذه القصيدة، وبين الواقع الشفوي الذي ستكون عليه بوصفها نصا ابداعيا يحاكي التفاصيل اليومية. ( بياض سهل ) هو دمشق ناقصة أحيانا، وكاملة أحيانا أخرى، وفي المنتصف يكمن لغز احياؤها قبل أن تدخل غرف الانعاش البيضاء للمرة الأولى في تاريخها.

يمكن المرء اليوم، المرء الذي عاش فيها حياته، أن يدركه الحب فيها، حتى لو كان بعيدا عنها كما لم يدركه من قبل، كأنه يحب للمرة الأولى، وهذا هو معنى التوغل في هذه العاطفة المستمرة تجاه هذا البياض السهل المتصل.

 هذا لا تجده الا في دمشق حين تحب. وفي غابات السويد أنجزت ماهو غير متوقع مني في هذه الفترة: روايتي الثانية ( شامة على رقبة الطائر ) وقد أصبحت في عهدة الناشر. وأعتقد أنني سأحتفي بصدورها قريبا. كان يجب أن أكملها لادراك الفارق الجوهري في الشخصيات التي انطلقت منها أساسا وأنا ألاحظ هذا المس الذي يضربها في أعماقها، ويفتح أمامها الباب واسعا على مصراعيه لتأويل مصائرها بغض النظر عن ملامستها شخصيات واقعية في أمكنة كثيرة.

الناقد السينمائي بشار ابراهيم كتب عنها قائلا:” هذا نصّ يمسّك ويمسكُك تماماً. فيه الكثير من غواية الرواية؛ اللغة الرشيقة، والمخيلة الخصبة، والتدفق البديع. المشهدية السينمائية، واللعبة المونتاجية، ومناخات ساحرة، وأنت تعيش مع «الرقيب رشيدوف»، و«الفاتنة كريستينا»، في قصة حبّ قلّ أن ترى نظيرها في الرواية العربية. شخصيات وأحوال ومصائر، تُخفي وتتخفى، لكنها تفصح في الوقت نفسه عن أربعين سنة أخيرة، ممسوسة بجنون البدايات ودموية النهايات.

 من عاش ووعى سوف يعرف تلك اللحظة التي حزّت بها السكين تلك الشامة التي على رقبة الطائر. الروائي فجر يعقوب متمكّن من نصّه تماماً، مدرك لرهافة النسيج الذي بين يديه، وحساسة الموضوع، الذي يمكن في لحظة أن يتحوّل ذاكرة أمة وشعب ومنطقة تشهد آخر شقهاتها على مذبح الانهيار.

من الرواية: نحن سلالات محسنة من وحوش ظافرة. لابد أننا كنا نقف وراء كل هذه العتمات التي تلفّنا، وكانت تلفّ أجدادنا من قبل.

DSC01092

السيرة الذاتية للمخرج والروائي فجر يعقوب

فجر يعقوب روائي مخرج وناقد سينمائي فلسطيني يعيش حاليا في السويد خريج المعهد العالي للسينما في صوفيا 1994 أنجز الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة • خدعة ربيعية ( فيلم التخرج ) 1994 • سراب – 1998 • صورة شمسية – فيلم تسجيلي 2003 • متاهة – فيلم تسجيلي 2004 • البطريق _ فيلم روائي قصير – انتاج المؤسسة العامة للسينما • عراقيون في منقى متعدد الطبقات 2009– فيلم تسجيلي – صورة للإنتاج الفني- السيدة المجهولة – فيلم روائي قصير 2009 – المؤسسة العامة للسينما في دمشق – نال جائزة الصقر الذهبي في مهرجان روتردام للفيلم العربي2010 . • أثر الفراشة – 2011 • طريق بيروت – مولهولاند 150ألف كيلومتر – 2013 .. • فيلم ( وحدن ) قيد الانجاز • شارك كعضو لجنة تحكيم الأفلام القصيرة في مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي في الجزائر 2008 • شارك كعضو لجنة تحكيم مسابقة أفلام من الامارات في أبو ظبي 2009 • شارك كعضو لجنة تحكيم الأفلام القصيرة في مهرجان مسقط 2010 • شارك كعضو لجنة تحكيم الأفلام التسجيلية في مهرجان الاعلام العربي في القاهرة 2010 • أصدر الكتب التالية : • جمهورية التلفزيون – دائرة الاعلام والثقافة في الشارقة – 2001 • الوجه السابع للنرد – مقالات في السينما – دمشق 2002 • عباس كياروستامي : فاكهة السينما الممنوعة – دمشق 2003 • ميّ المصري : مندوبة الأحلام – المجمع الثقافي – أبو ظبي 2005 • البطريق ( مفكرة فيلم ) المجمع الثقافي – أبو ظبي 2006 • جان شمعون : الرجل المهرجان – المجمع الثقافي أبو ظبي 2007 • أنا والضجر وبنات آوى – حوارات مع عبد اللطيف عبد الحميد 2008 وزارة الثقافة – دمشق . • زهرة القندول الثانية – سينما مي وجان 2009 – دمشق • رواية ( نقض وضوء الثعلب ) 2013 • ترجم الكتب التالية : • الرقص مع الذئاب – دار كنعان – دمشق 2000 • جنجر وفريد – المخرج الايطالي فيدريكو فيلليني – دار كنعان -دمشق2003 • عرق الضفدع – المخرج الياباني أكيرا كوروساوا – دار نشواتي – دمشق 2003 • مسرّاتي كسينمائي – المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي – وزارة الثقافة دمشق 2008 • سينما الرغبات – المخرج الاسباني بيدرو آلمودوفار – وزارة الثقافة – دمشق 2007 • فوضى الخيال – المخرج الألماني رينر فيرنر فاسبيندر- وزارة الثقافة – دمشق 2008 * مصنع الأحلام – ايليا هرنبورغ – دار كنعان – دمشق 2008 * جماليات الانسان الأرضي – دراسات في السينما الوثائقية –وزارة الثقافة – دمشق 2011 • له أربع مجموعات شعرية • آخرها ( حين تخلو صورتها من المرآة ) 2012 • نقض وضوء الثعلب – رواية 2013 الاستبداد المفرح – حوارات مع حاتم علي 2015

Related Posts