Lazyload image ...
2012-06-05

بعد عقد وسنتين من تحقيق مهمة تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، يتكرر السؤال: وماذا عن لبنان الوطن، بعد أن التصق بمعناه طويلاً مصطلح الساحة، وما زال؟ ويتردد سؤال ثانٍ: لماذا استعيدت الأرض، وأعيد احتلال البلد بمذهبيات ذات مرجعيات خارجية متناحرة؟ ومع السؤالين الآنفين: من هي القوى المسؤولة عن ذلك مسؤولية أساسية؟ ومن هي القوى «الفرعية» التي تستجيب من دون تردد لنداء الخراب الوطني؟

بعد عقد وسنتين من تحقيق مهمة تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، يتكرر السؤال: وماذا عن لبنان الوطن، بعد أن التصق بمعناه طويلاً مصطلح الساحة، وما زال؟ ويتردد سؤال ثانٍ: لماذا استعيدت الأرض، وأعيد احتلال البلد بمذهبيات ذات مرجعيات خارجية متناحرة؟ ومع السؤالين الآنفين: من هي القوى المسؤولة عن ذلك مسؤولية أساسية؟ ومن هي القوى «الفرعية» التي تستجيب من دون تردد لنداء الخراب الوطني؟

لقد بُدّد إنجاز التحرير بعيد ساعة إعلانه. ليست المسألة مسألة فاصل زمني، ليقال بعد ساعة أو بعد أشهر، إنما الأمر أمر اتصال سياسي، وتواصل سياق «مرجعي»، جعلا محطة التحرير لحظة عابرة، ومنعاها من التشكل كرسوبٍ زمني صالح للزراعة، ومؤهل لإعادة استنبات الشجيرات الوطنية. على عجل، جرت المطابقة بين صنّاع التحرير وكتلتهم الأهلية الحاضنة، ومن دون مواربة، أعلن الالتحام بين المقاومة كخيار عام، وبين أداتها، التي أوصلت العمل القتالي إلى خاتمته الظافرة. ولم تتأخر البنية اللبنانية المتباينة الميول والرؤى عن التقاط الإشارة، وفهمت جيداً أن خيار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي «تشيّع أو شيّع»، وأن المقاومة، بمعناها الشامل، حشرت في أداتها الحصرية، «حزب الله».

الفهم هذا، الذي بكرّت «البنية» في معاينة بواكير ولادته، بالظن أو بالتساؤل أو بالترقب، غذته ممارسة «المقاومين» الجدد، بكل الحيثيات التي تزيد الالتباسات من حوله، وبكل المعطيات التي نقلته من متاهة الظن إلى مساحة اليقين. كان من شأن ذلك أن يجد ترجماته في تعرجات السياسة اللبنانية، وفي قنوات صوغ خياراتها، وفي إعادة ترتيب الأولويات العامة، وفي تفصيل المواقع الجديدة ضمن التراتبية الأهلية الداخلية، وفي تعيين مراكز الثقل الحاسمة داخلها… وكان من شأن ذلك، في نهاية المطاف، أن يؤسس مجدداً لمسيرة الاهتزاز اللبناني، الذي ظن البعض أنهم غادروا فخاخه، بعد أن تقدموا ببطاقة تعريف وفاقية حول موقع لبنان في الصراع العربي-الإسرائيلي، وبعد أن طووا خلافاتهم، أو أجّلوها إلى ما بعد إنجاز مهمة القتال ضد الاحتلال. لقد فشلت نظرية المطابقة، التي صارت تصنيفاً اجتماعياً وسياسياً، في انتزاع شرعية الاعتراف بها من جانب الأطياف اللبنانية الأخرى، وزاد من فشلها اعتماد سياسة التحليق فوق الوطني الداخلي، وربطها بالعمق الخارجي، الذي أمدّها بكل أسباب التفوق وإمكانات النجاح.

عند هذا المفترق غادر «لبنان» ليعود «لبنانات» تتوزع على خطب القائلين بها، أي عاد البلد إلى حمل لقب الساحة وواقعها، تلك التي لم تغادر أحكامها مسيرة الاستقلال منذ بداياتها الأولى.

ولأن لكل ساحة معناها، فإن سيرة الانفكاك البنيوي الداخلي طبعت بأختامها كل المعاني، وختمت عليها. لقد ولى زمان لبناني كان الإنشطار الداخلي فيه إجمالياً، ولو على التباس اجتماعي، أو شبهة «دينية»، وحل محله زمان افتراق مذهبي، تعددت فيه الولاءات والساحات، بحيث يمكن الاستخلاص، أن الاحتلال الخارجي الإجمالي، لم ينهض على أنقاض اندحاره استقلال داخلي إجمالي، بل أعيد إشغال الداخل من جانب «احتلالات مذهبية»، تقيم على افتراق، وتكاد تفترق على تناحر. ولأن السمة الأهم لكل مذهبية، النبذ، فإن التوق «الخلاصي» يصير وهماً إذا تخيله اللامذهبيون، أي أولئك الذين يعتاشون من «الفكرة الوطنية»، على رغم تبدد أو وهن قواها، كذلك تصير «الخلاصية» استبداداً، عندما تراود مذهبية بعينها، القدرة على تحقيقها. في كل خلاصية فئوية قمع وإقصاء، وقهر وإلغاء… ما ورد له معناه المحدد في السياق اللبناني، وله تجاربه المريرة وخلاصاته الدامية، التي لا يقلل من مأسويتها المستقبلية، حاضر الائتلافات المذهبية، التي تحاول حكماً وطنياً «رشيداً» باسم ديموقراطية فريدة، لم تكن في يوم من الأيام إلاّ هجينة، ودائماً على الطريقة اللبنانية!

لكن من المسؤول؟ ومن هم شركاؤه في المسؤولية؟ على سبيل المقارنة، تحمل النظام اللبناني المسؤولية الأساسية عن اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975. وكانت المارونية السياسية، في طليعة التشكيلة الطائفية المختلطة، التي اتخذت قرار الإقفال على «المرجل» الاجتماعي الوطني الداخلي المحتقن، فأدى ذلك إلى الانفجار الأهلي العام. ولم تكن معارضة ذلك النظام خالية الوفاض من مسؤولية الاستجابة «لتحدي التفجير»، بل هي بادرت إليه، وخاضت غمار «التغيير الديموقراطي» على طريقتها، ونظّرت لوسائلها وأسبابها التغييرية، مثلما روّج النظام القائم لأساليبه ودواعيها. في تماثل يأخذ في الاعتبار الفارق الزمني، بما هو فارق معطيات وقوى ومتغيرات…، يتحمل النظام إياه مسؤولية الوضع الراهن، وتحتل الشيعية السياسية رأس هرم المسؤوليات التشكيلة المذهبية المختلطة الحالية، التي تقفل الوضع اللبناني على الانسداد، فيبادلها أخصامها المذهبيون الإمعان في توليد أسباب إضافية لهذا الانسداد.

بعد سنوات من «الإنجاز التحريري» لم يباشر اللبنانيون استقلالاً ثانياً كانوا يطمحون إليه، وبعد ذكريات أهلية مرّة، تعلن القوى الأهلية «حنيناً» مكثفاً لاستئناف كتابة تلك الذكريات… ودائماً ببنيان الحاضر وحجارته المتناثرة.

أحمد جابر

الحياة اللندنية

5 يونيو 2012