Lazyload image ...
2015-11-29

الكومبس – سينما: انغمار برغمان ولد في السويد وظل يعمل فيها دون انقطاع، باستثناء فيلمه “العار” الذي اضطره غلى تصوير بعض مشاهده في ألمانيا “موقع النازية الأول على الخريطة”، وقد افتضح أمر هذا المخرج الكبير إن جاز التعبير في باريس، وهنا لا يتحمل النقد السينمائي أي مسؤولية في التعريف به، لأن برغمان نفسه تحول إلى جائحة سينمائية، ولم يكن مصادفة البتة أن يكتشف الأوروبيون في أعمال هذا المخرج الواعد كثيراً من التيمات التي بدأوا يعملون عليها في أفلامهم منتصف خمسينيات القرن الفائت.

والباحثون في أفلام برغمان، ينظرون إليها بعين الاستغراق والتأمل من طرف علاقتها بالأدب الاسكندنافي، وتراث تلك البلاد، وقبل كل شيء علاقته بأدب أوغست ستيرندبرغ والفيلسوف الدانمركي كيركيغارد، ذلك أنه تحول إلى تقليد وتراث علا شأنه وأصبح ناصية ثقافية مميزة.

والغريب أن السينما السويدية أخذت تتطور في موضوعاتها تحت راية ما يمكن تسميته “ضد برغمان” لكن في ظل برغمان نفسه، إذ لم تحتمل ظلاله في السويد، لكن لم يستطع أحد تجاوز هذه الظلال، أقله حتى اللحظة الأخيرة  التي أعلن فيها عن رحيله، وحتى التمرد الذي قاده مخرجون ونقاد سينمائيون من أمثال سيوبرغ وبوبيدبرغ ويورن دونير، بحجة أن أفلامه لا تحاكي تيمات واقعية في المجتمع السويدي، بقي في إطار الأفكار، ف”البرغمانية” ظلت أقوى منها، وظلت تتجاوزها باستمرار.

كل الكتب التي تحدثت عنه وعن أفلامه، بما فيها سيرته الذاتية، توقفت في أربعة أو خمسة أسطر فقط أمام تسعة أفلام قصيرة أخرجها برغمان منذ مطلع خمسينات القرن الفائت عن صابون مشهور في السويد. تجربته المجهولة مع هذه الأفلام لم تكن يائسة إلى هذا الحد، ولكنها كانت بمثابة “الخطأ الشرير المفرح” بحسب الناقدة المتخصصة بأفلام برغمان مارييت كوسكينين.

download_794x600

وفي الواقع فإن برغمان أخرج هذه الأفلام أثناء توقفه الاضطراري عن العمل في تلك الفترة محتجاً ضد الضرائب المفروضة على “المتع والتسلية”، وقد صنف برغمان في تلك الفترة مخرجاً عاطلاً من العمل، ولهذا عندما دعته شركة “سنلايت وغيبس” لغخراج مجموعة من الإعلانات التجارية عن الصابون السويدي الأول قبل هو بعبثية هذا العرض ولم يستطع أن يرفضه.

نظرة نقدية متفحصة لهذه الاعلانات قام بها هاوك لونغ فوكس، وهو ينبش في ماضي برغمان دفعته إلى القول: “لقد تم تقبل هذه الاعلانات في وقتها ببعض الاستحسان” أما برغمان فيصفها بالثورية. يورن دونير في كتابه عن برغمان يذكرها بأربعة أسطر فقط، ورغم انه يصفها بالمحبطة، الا أنه يضيف: “لا أحد يستطيع أن ينفي إطلاقا أن برغمان يتمتع بامكانية خلق شيء خاص به في إطار التعبير السينمائي”.

مريانا هيووك الناقدة المتخصصة أيضا بسينما المخرج الكبير تقول: “لقد خرج من إعلانات الصابون نظيفا. وصل إلى فتوحات ناضجة، وربما أعطته هذه الاستراحة الاجبارية امكانية أن يلتقط أنفاسه قبل أن يدخل في طور مرحلة جديدة”.

في كتاب صدر قبل أكثر من عقد لمؤلفه فرانك غادو ورغم أنه تجاوز 500 صفحة، فإنه يذكر هذه الاعلانات ببضع كلمات. غادو يعتقد أنها تستأهل الذكر لأنها ترتبط ببرغمان نفسه بوصفه “من الأسود الكبيرة في يالمشهد الثقافي العالمي”.

يرى البعض أن هذه الأفلام الإعلانية عملت على إنقاذ برغمان وحفظته للأجيال، فالشركة المنتجة للصابون كانت تبحث عن طريقة للحصول على أفلام إعلانية جاذبة بهدف الترويج لمنتجاتها، وبرغمان أعطى موافقة مشروطة يحصل بموجبها على كل مايلزمه لتحقيق حريته الإبداعية في أفلامه الروائية بما فيها العمل مع مصوره في تلك الفترة غونار فيشر، والرقابة الكاملة من لحظة السيناريو حتى لحظة المونتاج.

لم تعترض الشركة مقابل ادخال العبارة التالية في كل فيلم “العرق ليس له رائحة، الرائحة تأتي من باكتريا الجلد، صابون بريس يقتل الباكتريا”. بكلمات أخرى فإن إعلانات بريس بحسب برغمان كانت نتاجات مؤلف خاصة، وليس مجرد طلبيات عادية من منتجات استهلاكية.

برغمان الذي اعتاد أن يحول “ضد برغمان” إلى “ظل برغمان” يخدع المشاهد في كل شيء قدمه له منذ أن قرر أن يعبث بمحتويات الصندوق السحري وهو ينزل إلى مستوى طفولي في إعلاناته من دون أن يتحمل آثامها ..لأن مسيرته بعد فيلم “الختم السابع” كانت ظلالا وارفة في حياته المديدة عمرا وسينما. سيتصل يوما بزوجته في هيلسنبوري ويصرخ بصوت عال: يجب على المخرجين من أمثال سيوبرغ، ومولاندر، ودراير أن يتقاعدوا فوراً، فانغمار برغمان قادم في الطريق!

فجر يعقوب – السويد/ اولفستروم

Related Posts