الكومبس- خاص: منذ 15 عاماً، لم يعد عيد الأم مناسبة مكتملة في منزل هناء الشريف في هالستهامر غرب فيستروس إذ تستعيد كل عام صور أبنائها الثلاثة الذين فقدتهم خلال الحرب في سوريا، ورحلة العذاب والاعتقال التي انتهت بها إلى السويد.
في 2011، وخلال أحداث حمص، كان أبناء هناء الثلاثة في المكان نفسه عندما وقعت مجزرة تُتهم قوات تابعة للنظام السوري السابق بارتكابها. ووصلها خبر مقتلهم جميعاً دفعة واحدة. قبل أن يتبين لاحقاً أن أحدهم على قيد الحياة. تستعيد تلك اللحظات بالقول “لا شيء قادر على وصف الموقف… الأم لا تحتمل خدشاً في وجه ابنها، فكيف وأنا أتلقى خبر رحيل الثلاثة معاً”.
وأكدت في حديث للكومبس، أن أبناءها مرهف وعبد المهيمن وهدوان المصري كانوا مدنييين ولم يكن لهم ذنب في شيء، مضيفةً أن الخوف على بقية أفراد العائلة أجبرها على كتم حزنها عند سماع الخبر، ومواصلة الحياة “وسط ملاحقات أمنية مستمرة”.
تسلمت هناء جثماني اثنين من أبنائها، بينما بقي الثالث “هدوان” مفقوداً، وبعد ثلاثة أشهر علمت أنه مصاب ولا يزال على قيد الحياة، فعاد إليها شيء من الأمل، قبل أن يهدم مجدداً بعد نحو عام، حين وصلها خبر مقتل ابن آخر وهو مدين، الذي تحول إلى مقاتل ضد قوات النظام بعد مقتل إخويه، خلال حصار حمص القديمة العام 2012. وحتى اليوم، لا تعرف مكان جثمانه.
قيد الاعتقال والتعذيب
بعد مقتل أبنائها، اعتقلت هناء للمرة الأولى في فرع الأمن السياسي بمدينة حمص في سوريا إبان النظام السابق، ثم اعتقلت مجدداً العام 2015 لدى المخابرات الجوية، حيث تعرضت، بحسب روايتها، للتعذيب والضرب والصعق الكهربائي.
وقالت إن المحققين كانوا يرددون أمامها عبارة “أنت أم الإرهابيين”، في وقت كانت تحاول فيه التمسك بما تبقى من عائلتها المكونة من سبعة أبناء، قتل منهم ثلاثة شبان، وبقي لها ابنتان وولدان.
ورغم الألم، تؤكد هناء أن فخرها بأبنائها لم يتغير يوماً.
قرار نهائي بالرحيل
قالت هناء إن قوات الأمن السورية داهمت منزل العائلة مرة أخرى في 2015، بهدف اعتقال أحد أبنائها الذين بقوا على قيد الحياة. وتمكنت العائلة من تهريبه قبل أن تتخذ هناء قرارها الأخير بمغادرة سوريا.
تتابع “كنت قد تشبعت بالألم بما يكفي”، مضيفة أنها غادرت إلى الأردن خوفاً على بقية أبنائها وأحفادها الأيتام، قبل أن تخوض رحلة لجوء بحرية استمرت 15 يوماً وصولاً إلى السويد نهاية 2015.
في السويد، بدأت حياة جديدة لم تكن سهلة، فقد عاشت مع أحفاد أبنائها الراحلين، وتولت رعايتهم وتربيتهم، محاولةً تعويضهم عن بعض ما فقدوه، وتقول إن كثيرين من العرب والسويديين الذين عرفوا قصتها أبدوا تعاطفاً كبيراً معها، وكانوا يتساءلون عن مصدر قدرتها على التحمل والصبر.
عادت لتزور قبورهم
ورغم حصولها لاحقاً على الجنسية السويدية واستقرارها في هالستهامر، بقيت حمص حاضرة في تفاصيل حياتها اليومية. وبعد سقوط النظام السابق، عادت إلى سوريا للمرة الأولى، ثم توجهت إلى مدينتها، كما تقول، “للاحتفال برحيل الظلم”.
وأضافت “أنا أم الشهداء. وأنا جزء من فاتورة هذه الحرية، مثل كثير من الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، وربما أكثر”.
وفي تلك الزيارة، شعرت للمرة الأولى، بحسب وصفها، أن أبناءها “حصلوا على محاكمة عادلة لقاتلهم”، بعدما عاشت سنوات طويلة تحمل “شعور الظلم والفقد دون قدرة حتى على الحداد العلني خوفاً على من تبقى من الأبناء في سوريا”.
زارت قبري اثنين من أبنائها بشوق، لكنها تقول إن حسرتها ما تزال معلقة بابنها الثالث “مدين”، الذي لا تعرف حتى اليوم أين دُفن، مضيفةً أن مصيره يشبه مصير مئات الجثامين المفقودة التي ما تزال عائلاتها تجهل أماكنها.
ورغم كل ما عاشته، تقول أم مرهف “أحياناً أنظر إلى كل ما مررت به ولا أعرف كيف تحملته لكنني هنا الآن، أعيش بأمان واستقرار مع أحفادي، وأتفقد أثر الذكريات كل يوم”.
ندى سمارة