الكومبس – خاص: تحوّل تأخر الطفل محمد (7 سنوات)، المصاب بالتوحّد، عن العودة إلى منزله مساء الجمعة الماضي، إلى حالة طوارئ واستنفار أمني في مدينة أوبسالا، بعدما اختفى خمس ساعات قبل أن يُعثر عليه داخل حمّام في مبنى مدرسته. تقول والدته للكومبس “كان مبتلاً، وخائفاً، وجائعاً يبكي ويحتضنني أنا ووالده بشدة”.
عند الساعة الخامسة مساء الجمعة، لم يعد محمد إلى منزله الكائن في غوتسوندا (Gottsunda)، لحظات القلق الأولى تحوّلت سريعاً إلى رعبٍ حقيقي، بعدما فشلت كل محاولات الأب أدهم، الاتصال بالمدرسة الابتدائية للحالات الخاصة التي يدرس فيها محمد، وسائق التاكسي، والمشرفين، لمعرفة أسباب التأخير الذي امتدّ لخمس ساعات عن موعد العودة إلى المنزل.
ساعات عصيبة
وعن تلك الساعات العصيبة، يقول أدهم والد الطفل “ألف فكرة كانت تدور في رأسي… هل خُطف؟ هل أصابه مكروه؟ هل هو تائه في الغابة؟ محمد يعاني من التوحّد وتأخّر النمو الدماغي والجسدي، إلى جانب مشكلات في السمع والنطق، كما أنه لا يملك إدراكاً لمخاطر البيئة من حوله. كيف تركوه؟ كيف اختفى؟”.
يضيف أدهم أن عملية البحث اتخذت مسارين متوازيين، فبعد أن فشلت محاولاته في التواصل مع المسؤولين عن ابنه، أبلغ الشرطة التي تحركت على الفور، ونشرت منشور بحث وتقصٍ في أوبسالا. وبدأت التحقيقات بالتواصل مع إدارة المدرسة وجميع العاملين مع محمد في ذلك اليوم، غير أن المعلومات الواردة كانت متضاربة؛ إذ قيل أولاً إن الطفل سُلّم لعائلته، ثم قيل إنه سُلّم لسائق التاكسي، مع وجود توقيع يُثبت تسليمه للسائق.
المفاجأة، بحسب والد محمد، كانت حين أكدت الشركة المسؤولة عن سائقي التاكسي، أن محمد لم يُسلَّم لأي من سائقيها في ذلك اليوم، وأن الطفل الوحيد الذي كان في المركبة هو زميله الذي يسكن بالقرب من منزل العائلة. في الوقت ذاته، تم العثور على ملابس محمد وحذائه ومعطفه الشتوي في مكانها داخل المدرسة، ما أكد أنه لم يغادر المبنى إطلاقاً.
عندها، تحوّل مسار البحث ليركّز داخل المدرسة نفسها، مع تحليق مروحيات في محيطها، إلى جانب دوريات شرطة جابت المنطقة بأكملها.
العثور على محمد
يتابع الأب “وصل أحد المدرسين المساعدين في صف محمد، وهو يعرفه جيداً، وتطوع للبحث عنه، وبالفعل كان هو من عثر عليه داخل الحمّام التابع لقسم صفوف الابتدائي، أي في مبنى آخر بعيد عن صف محمد تماماً”.
وبحسب المعلومات التي نُقلت للأسرة، تقول بسمة والدة محمد “قيل لنا إنه كان واقفاً تحت صنبور (الدوش) ماء ساخن يصبّه على نفسه، وبمجرد أن سمع صوتاً بدأ بالبكاء. أخذته الشرطة فوراً إلى المستشفى خوفاً من أن تكون المياه قد تسربت إلى رئتيه، ولإجراء الفحوص الطبية اللازمة”.
جوع وخوف
وتقول الأم بحزن “بعد فحصه، أعادته الشرطة إلى المنزل، لن أنسى ملامح وجهه… كأنه يسألني: أين كنتِ؟ كان خائفاً، منهكاً، جائعاً، يبكي ويحتضنني أنا ووالده بشدة”.
كانت ليلة عصيبة كما يصفها والدا محمد، لم يفكرا خلالها إلا في احتضانه وتهدئته. يقول الأب “استيقظ ليلاً وهو يصرخ، وفي صباح اليوم التالي كان يضحك ثم يبكي فجأة، ملامح الخوف لم تفارقه رغم أنه لا يدرك كل ما جرى حوله”.
تحقيقات مستمرة
قررت الأسرة عرض محمد على طبيب نفسي وإجراء فحوصات شاملة له، إلى جانب السير في الإجراءات القانونية للوقوف على حقيقة ما حدث. وباشرت الشرطة تحقيقاتها في الحادثة، بينما اتصلت إدارة المدرسة بالعائلة يوم السبت لتقديم اعتذار رسمي، متعهدة بإجراء تحقيقات داخلية موسعة لمعرفة ما حصل.
ويرى والد محمد أن الحكمة تقتضي انتظار نتائج التحقيقات، مضيفاً “المعلومات الأولية التي حصلنا عليها من المدرسة تفيد بأن محمد انتقل مع زملائه في وقت الأنشطة (Fritids) لقسم الألعاب في مبنى الصفوف الأعلى، وعندما غادروا نسوا محمد هناك وأقفلوا الأبواب عند الساعة الثالثة مساءً وغادروا، أي أنه حبس هناك 6 ساعات”.
تساؤلات مفتوحة
تساؤلات كثيرة بلا إجابة، يقول أدهم “كيف لم يلحظوا غياب محمد؟ كيف تركوه وحيداً، رغم التقارير الطبية التي تؤكد خطورة حالته وضرورة مراقبته باستمرار؟ والأهم: كيف وقّع الموظف المسؤول على تسليمه للسائق رغم أن ذلك لم يحدث؟”,
فوتقول الأم”المدرسة مخصصة للأطفال المصابين بالتوحّد والحالات الصعبة، ولا نفهم كيف لم يكن هناك جواب واضح عن اسم الموظف المسؤول عن محمد في ذلك اليوم، أو حتى من كان حاضراً معه… كل الإجابات كانت: لا نعرف، بدأ الدوام فيها منذ شهرين فقط، ولاحظت عليه خلال الفترة الأخيرة بأنه لا يرغب بالذهاب إلى هناك وهو ما سيدفعني اليوم أكثر لطرح أسئلة عدة واتخاذ كل الإجراءات التي تحميه وتعيد له السياق الملائم له في المكان المناسب الذي نطمئن عليه فيه”.
المدرسة آسفة وتحقق
الكومبس تواصلت مع إدارة المدرسة التي طلبت إمهالها المزيد من الوقت للاطلاع على السياق القانوني المتبع للتعقيب على الواقعة.
وبحسب والدي محمد، فإن الإدارة اجتمعت معهم صباح اليوم الاثنين وأعربت عن أسفها للحادثة، مشددةً على أنها تدرك بأن موظفين لديها خالفوا الأنظمة، وأنها لا تزال تحقق بما حدث.
قانوني يوضح الإجراءات والعقوبات
المستشار القانوني عبد الله حذيفة أوضح الخطوات الواجب اتباعها في مثل هذه الحالات بالقول “يعدّ التواصل مع مدير المدرسة الخطوة الأولى، فهو المسؤول قانوناً وفق قانون المدارس السويدي عن سلامة الطلاب داخل المدرسة، وعليه فتح تحقيق داخلي وتوثيق ما حدث فوراً”.
وأضاف “إذا كانت المدرسة تابعة للبلدية، يجب إبلاغ قسم التعليم في البلدية (utbildningsförvaltningen) أو لجنة التعليم (utbildningsnämnden) لفتح تحقيق إداري مستقل. أما في حال كانت خاصة (friskola) أو إذا كانت الحادثة جسيمة، فيجب رفع بلاغ إلى هيئة التفتيش المدرسي (Skolinspektionen)، التي يمكنها فرض غرامة أو حتى إغلاق المدرسة بعد إجراء تحقيق موسّع”.
وتابع حذيفة “قد يُفتح أيضاً بلاغ رسمي بحق الموظف المعني ويُحوَّل إلى الشرطة، وبحسب المعلومات الواردة عن القضية حتى الآن تم دمج البلاغ الإداري مع البلاغ الجنائي ضمن التحقيق الجاري”.
وأشار إلى أن الحادثة قد تُصنّف ضمن جريمة “Vållande till fara för annan” أي التسبب في خطر لشخص آخر، وهي جريمة يُعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى سنتين إذا ثبت أن الإهمال أدى إلى تعريض حياة الطفل أو سلامته للخطر.
ندى سمارة
أوبسالا