الكومبس – صحافة: بشوارعها المرصوفة بالحصى، وبيوتها التي يعود تاريخها إلى العصور الوسطى، تجاورها بعض المحلات والمقاهي الصغيرة، باتت بلدة رياتشي الواقعة جنوب إيطاليا، مقصداً للعديد من اللاجئين العابرين من الشرق الاوسط وشمال أفريقيا إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.

فالبلدة التي لا يزيد عدد سكانها عن 1800 نسمة ، يعيش فيها حالياً أكثر من 450 لاجئاً من مختلف الجنسيات، لدرجة أن عدد أطفال هؤلاء في مدارس البلدة، يفوق عدد التلامذة الايطاليين أنفسهم.

يقول رئيس البلدية دومينيكو لوكانو، إن بلدته التي تسمى بالقرية العالمية، كانت منذ القدم مقصداً للكثير من الحضارات التي تركت بصماتها فيها، كالاغريق والرومان والعرب والاتراك، الأمر الذي كون لدى السكان، فكرة مسبقة عن تاريخ هذه الشعوب حيث ينتمي لها بعض اللاجئين.

وما يراه لوكانو إيجابياً، هو أن بلدته كادت أن تصبح في الأجل القريب، مدينة للأشباح مع إرتفاع عدد كبار السن فيها، لولا قدوم هؤلاء اللاجئين على مدى السنوات الماضية، حيث وفرت لهم البلدة المسكن وفرص العمل والتدريب، ليصبحوا مكوناً رئيسياً لها.

وبالرغم من أن الحكومة الايطالية، تقدم دعماً مادياً للبلدة كمساعدات حكومية، إذ يتم تخصيص 40 يورو لكل لاجئ إليها يومياُ على مدار السنة، جزء منه يذهب إلى جيب المهاجرين والآخر يخصص لتغطية نفقات معيشتهم اليومية، بالرغم من ذلك ، فإن الكثير من هؤلاء اللاجئين يقررون ترك البلدة والتوجه إلى شمال أوروبا، حيث فرص العمل متوفرة بشكل أكبر في دول تلك المنطقة

ومع هذا فقد فضل آخرون منهم البقاء للعيش في رياتشي، مثل زارا حسيني (34) عاماً، القادمة من أفغانستان والتي تعمل في محل صغير لتصنيع بعض المنتجات اليدوية.

تقول زارا في هذا الإطار إنها هنا تشعر بالآمان بعيداً عن ظلم حركة طالبان، وتضيف أنها تعيش مع ابنتها في رياتشي منذ 3 سنوات بعد رحلة مروعة في البر والبحر، وهي الآن مطمئنة على مستقبل أبنتها في التعلم بدلاً من أن تكون ضحية للحرب في أفغانستان.

كذلك الأمر بالنسبة لزميلتها في ذات المحل الشابة الصومالية سلمى غيامه، التي جاءت إلى رياتشي بعد ان أسرها ولاجئون آخرون مجموعة من المهربين، خلال رحلة لجوء لمدة 8 أشهر، تعرضوا خلالها لمعاملة سيئة جداً، حيث تقول سلمى إنها في هذه البلدة منذ سنتين ولاتفكر أبداً في مغادرتها لأنها وجدت فيها السلام.

أحد القاطنين في البلدة منذ سنوات طويلة، ويدعى بهرام عكر (50 عاماً) والذي وصل اليها في صيف العام 1998 على متن قارب يقله مع 250 لاجئاً كردياً، يعرب عن سعادته في العيش هناك، فهذا المكان بيته وهو كما يقول، لا ينسى المنظر الطبيعي الجميل الذي أرتسم أمام ناظريه في اليوم التالي من لجوئه منظر جعله يشعر وكأنه في منزله وفق تعبيره.

وفي المقابل، يعتبر الكثير من السكان الاصليين للبلدة، أن هذا الخليط الثقافي والاجتماعي، أمر مهم وينعكس إيجاباً على بلدتهم، وترى الإيطالية ميريلا إن تجربة العيش مع مهاجرين، كانت تجربة جيدة، فهم أعطوا نوعاً من الحيوية للبلدة، حيث مع وصولهم قامت بتوسيع مخبزها الذي تملكه، وتم فتح مقاهي جديدة، وتضيف أنه لم يكن هناك حياة في البلدة قبل وصول هؤلاء.

كلام ،يعود ويؤكد عليه رئيس بلدية رياتشي، الذي يعتبر أن بلدته هي أنموذج للعيش المشترك ودليل مغاير لما يخشاه السياسيون الأوربيون، من أن اللاجئين سيجلبون معهم الأمراض وعدم الاستقرار. ويقول إنهم في الحقيقة جلبوا لنا عالمهم بثقافته وألوانه ومعارفه المختلفة.