الكومبس – لقاءات: عشرات السنين في العمل الدبلوماسي، تحدد الكثير من شخصية سفير لبنان في السويد، ابن بلدة العباسية الجنوبية د. علي عجمي، تدعمها سيرة ذاتية حافلة بالشهادات الجامعية، آخرها شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من الجامعة اللبنانية في بيروت سنة 1998.
المحيطون به يشيدون بإجادته التعاطي مع الآخرين بحنكة وانسانية، لا تخلو من درجة عالية من المصداقية.
لماذا اخترت الاختصاص باللغة العربية؟
إنها قصة طويلة، فانا عندما انتهيت من مرحلة الثانوية، وكنت لامعا في المواد العلمية، لم يكن لدي المال الكافي لألتحق بالجامعة في بيروت، ولم يكن هناك جامعة في مدينة صور الجنوبية كما الآن. وبعد أن بقيت 8 سنوات دون مواصلة التعليم الجامعي، حيث كنت حينها امارس مهنة التعليم في قريتي، استطعت اخيرا الانتساب الى الجامعة في بيروت. ولانه لم يكن هناك امامي خيارا آخرا الا الفروع الادبية، الا انني لم اندم ابداً على هذا الاختصاص. كان من الممكن ان اصبح مهندساً عظيماً او طبيباً رائعاً، لكن ان اصبح كاتبا واديبا ليس بالامر القليل ايضاً.
هل أتى حبك للأدب بعد التحاقك بالجامعة؟
طوال حياتي احب الادب واللغة العربية كثيرا. حتى انني في مرحلة الثانوية كتبت قصيدة كاملة.
أي نوع من الادب تفضل؟
القصة والرواية، خاصة ذلك النموذج الذي تختارين فيه حدثاً تاريخياً معيناً وتبنين عليه احداث القصة او الرواية. وأفضل من يستخدم ذلك الاسلوب في كتاباته، هو امين معلوف، الكاتب اللبناني الفرنسي. فأجمل ما في روايته سمرقند، مثلاً، أنه بنى حبكته الروائية ضمن إطار تاريخيّ وأحداث حقيقية وقعت في الفترة التي عاش فيها عمر الخيام وسعدي الشيرازي في ايران.
مَن من الادباء كان له الأثر الأكبر عليك؟
نجيب محفوظ، مما لا شك فيه كان له التأثير الاكبر عليّ في البداية، ثم أمين معلوف لاحقاً. وعلى الصعيد العالمي، تأثرت كثيراً بالادب الروسي. الى الآن هناك روايتان لا استطيع نسيانهما، هما الحرب والسلم لليو تولستوي، ورواية الدون الهادئ لميخائيل شولوخوف.
ما هو آخر كتاب قرأته؟
أقرأ حالياً رواية شرف لكاتبة تركية مدهشة تدعى إليف شافاق. تجري احداثها بين تركيا ولندن، وتحكي فيها عن عائلات كردية تعاني من ملاحقة العادات والتقاليد لها مهما تنوعت المجتمعات التي ينتقلون للعيش فيها. وهي تكتب ايضاً في الاطار المحبب اليّ، وهو أن تأخذ حدثاً تاريخياً وتبني عليه قصتها.
ما أفضل كتاب قرأته؟
هناك كتاب مهم من الصعب عليّ أن لا أنوه عنه، وهو كتاب الحروب الصليبية كما رآها العرب للكاتب أمين معلوف. وأهميته تكمن في سرده للاحداث التاريخية من منظور عربي، حيث يعتمد محتواه على شهادات المؤرخين العرب مثل المقريزي وغيره من الذين عاشوا تلك الحقبة. فنحن في تاريخنا العربي للأسف، لا نعرف عن الحروب الصليبية إلا من منظار المؤرخين في الغرب. والتاريخ الذي يكتبه المنتصر يأتي دائما لصالحه. وهذا الكتاب جدير بالقراءة لكل عربي متعلق بعروبته.
ما أسوء كتاب قرأته؟
هناك الكثير. وعادة لا أكمل القراءة رغم الاسم الرنان للكتّاب، حيث تجدين أن انتاجهم الادبي لا ينطبق مع اسمائهم اللامعة. ولا أريد ذكر أسماء من باب الدبلوماسية!
لديك انتاج من الادب والشعر، خاصة القصص القصيرة. لماذا لم تتجه الى كتابة الروايات الطويلة؟
كتابة القصص القصيرة أصعب بكثير من كتابة الرواية الطويلة. لأن المدى الزمني للأخيرة يزودك بالقدرة على التحكم بالوقت. أما القصة القصيرة فهي عبارة عن ومضة أو فرقعة اصبع! هي لحظة من الوقت تتمسكين بها لتبني عليها تلك الفكرة. فمثلاً في مجموعة القصص حالات، أبدأ بقصة وحشة، حيث دارت الفكرة حول رجل يحفر قبره بنفسه وينام فيه ليلة كل جمعة. تلك القصة نالت الاعجاب الكبير وحصدت عليها جائزة في لبنان. كما بقصة تواطؤ، دارت حول فكرة بقي سببها مبهماً للقارئ ولم يعلم بأمرها الا في النهاية.
هل تسعى لاعطاء القارئ من خلال القصص القصيرة، هامشاً يسرح فيه بخياله؟ خاصة أنك موجز في الجمل وتبرز قصر الشرح فيها.
إطالة الجملة أو تقصيرها لها علاقة بالقصيدة أو بروح القصة. أنا أعطي أهمية للنقاط والفواصل لأنها تضع حدوداً للفكرة التي أريد إيصالها.
هذا لا يعني انعكاساً لعدم صبر في شخصيتك؟
أبداً على الاطلاق. أنا صبور جدا و”ما حدا قدي طويل البال”! لكن في كتاباتي، انا أحرص على ايصال الفكرة للقارئ بطريقة جميلة وسهلة، دون ان يكون بحاجة لأن يضع معاجم اللغة العربية لفك طلاسم الكلمات. انا أعتبر الادب رساله، واريد ايصالها بدقة ومن دون ارباك.
من هم برأيك جمهورك من القراء؟ وهل تشعر انك تكتب لطبقة دون أخرى؟
أنا أكتب لكل الناس. وكلمة طبقات من القراء توحي بانتقاص شأن أناس وإعلاء آخرين، مع العلم أن المقصود منها هو الطبقات في المستوى الفكري والثقافي والأدبي للناس. وأنا أحرص على الكتابة باسلوب يسهل فهمه وتلقيه، ولا أقصد أن ابدو الان نرجسياً لكنني بالفعل امتلك اسلوباً جميلاً في الكتابة! والغاية منها هو اخراج مخزون ذاتي وأن أشعر بالمتعة.
لكنك مقلّ في كتاباتك، وانتاجك من الاصدارات لم يتعدى اصابع اليد. ما السبب؟
أعباء الحياة التي أعيشها كدبلوماسي، هي من اهم الاسباب لذلك. نحن جمهور من الناس لا نملك نعمة الاستقرار. وحال استقرارنا وبنائنا لعلاقات انسانية واجتماعية في بلد ما، نضطر الى ترك كل شيء والانتقال الى بلد آخر.
عندما ينتقل الاديب الى الدبلوماسية، على ماذا يحصل وعن ماذا يتخلى؟
لا شيء تحديداً. مهما تعددت اثواب العمل الا أن الجوهر يبقى نفسه. الا أن القراءة تساعد على تنمية الثقافة العامة وهي مطلوبة جداً للدبلوماسي، وتجعله مطلعاً على ثقافات عديدة، مما يسهل عليه ممارسة حياته مع الاخرين في المجتمعات الجديدة.
بحكم عملك الدبلوماسي، أي البلاد شعرت أنك تستطيع العيش فيه طوال حياتك؟
البرازيل، وتأتي بعد بلدي لبنان. اعتبر البرازيل من البلدان المدهشة بجمالها، وروعة شعبها الودود والطيب. كل من يذهب الى البرازيل يصعب عليه العودة.
اذا ما استعدت سنين حياتك الماضية، ما الذي ستغيره في مسار حياتك؟
اوف.. سؤال صعب! لكنني استطيع القول ان رغم كل الجمالية في حياتي كدبلوماسي، الا اني اتمنى لو بقيت في بلدتي الجنوبية في لبنان. مع ان جوهر ذاتي لم يتغير طوال سنين عملي، وما زالت طيبة الفلاحين الذين تربوا على خبز الارض يغلب على شخصيتي بخاصة في تعاملي مع الناس والاحساس بالرغبة الدفينة في مساعدتهم دون ثمن او مقابل.
اخيرا، ما الموقف الذي لا يمكن ان تنساه وكان له الاثر الاكبر على حياتك؟
موقف مع أمي، رحمها الله. فأنا عندما كنت صغيراً بعمر السنتين، تركنا أبي، أنا وأمي وأخي الاكبر وأختي الرضيعة، وهاجر الى أفريقيا وتزوج من أخرى. حينها رفضت أمي الطلاق وكرست حياتها في تربيتنا والعمل بالحقل لإعالتنا لعدم كفاية الأموال التي يرسلها الينا أبي من الخارج. أنا لا أنسى أنه في سن الـ15، انقطعت النفقة نهائياً من أبي، ولم يعد لدينا ما يكفي لتغطية حاجاتنا. عندها اقترحتُ على أمي ترك المدرسة لأعمل واجني المال لمساعدتها. وهنا انا لا أنسى أبداً تلك اللحظة التي انهالت عليّ بالضرب فيها وقالت:” ما عندك أيّ شي تعمله الا أنك تكفي دراستك”، ورفضت أن يترك أحد مننا الدراسة ومساعدتها. لذا أنا دائماً أقول بأعلى صوت ومن على المنابر، أن ما وصلنا اليه أنا وأخي الطبيب وأختي هو بفضل “الغبرات التي كانت تدوسها أمي بحذائها، الحاجة أم الخضر”.
حاورته: ديما الحلوة