الكومبس – أخبار السويد: كشفت سلسلة تحقيقات نشرتها صحيفة أفتونبلادت عن شبكة من المتطوعين وأصحاب المناصب الرفيعة والتبرعات والخدمات المجانية المرتبطة بمؤسسة Fållöknastiftelsen، التي أسستها القسيسة بيرغيتا إيد زوجة رئيس الوزراء أولف كريسترشون، والتي تدير أنشطة دينية في عقار خارج مالمشوبينغ.

وبحسب الصحيفة، تعتمد المؤسسة على متطوعين وتبرعات مالية وخدمات مقدمة دون مقابل، فيما أثار استخدام شبكة العلاقات الشخصية والسياسية والكنسية المحيطة بالمؤسسة انتقادات من خبراء في القانون والأخلاقيات ومكافحة الفساد.

كما دعا الحزب الاشتراكي الديمقراطي المعارض إلى إجراء تحقيق مستقل لرئيس الوزراء، قائلاً إن “ثقافة تحايل ومحسوبية” نشأت حول أولف كريسترشون.

مؤسسة تستأجر عقاراً يملكه مؤسسوها

اشترت بيرغيتا إيد ويوران تورستنسون (Göran Thorstenson) عقار فولوكنا عام 2023. ووفق ما ورد على موقع المؤسسة، فإن العقار مملوك لبيرغيتا إيد وأولف كريسترشون ويوران تورستنسون.

ويجري تأجير المبنى الرئيسي للمؤسسة التي أُسست لاحقاً لتنظيم خلوات روحية وأنشطة تقوم، وفق تعريفها، على القيم المسيحية وتعزيز الصحة الوجودية للإنسان.

وأظهرت وثائق اطلعت عليها الصحيفة أن المؤسسة جمعت أكثر من نصف مليون كرون بين أواخر صيف 2024 وبداية عام 2025، بينها تبرعات خُصصت لإصلاح جسر يؤدي إلى جزيرة تابعة للعقار.

كما أطلقت المؤسسة حملات لجمع الأموال من أجل أعمال ترميم وتجهيز مختلفة، بينها شراء الشموع واستكمال أعمال تطوير المباني.

متطوعون يعملون مجاناً لصالح مؤسسة زوجة كريسترشون

استقطبت المؤسسة عشرات المتطوعين للمشاركة في أعمال الصيانة والتجهيز داخل العقار، بما في ذلك تقليم الأشجار ونقل الأثاث وإصلاح المرافق وتجهيز الخلوات الروحية.

كما أُشير في مواد المؤسسة التعريفية إلى أن العمل التطوعي يتيح الانضمام إلى “شبكة جيدة من العلاقات”.

وأظهرت صور ومنشورات للمؤسسة مشاركة رئيس الوزراء أولف كريسترشون في بعض أيام العمل التطوعي داخل العقار.

وعندما سألت الصحيفة مكتب رئيس الوزراء عن ذلك، جاء الرد بأن كريسترشون ليس مشاركاً في إدارة المؤسسة أو اتخاذ قراراتها، لكنه ساعد في بعض أعمال البستنة في العقار خلال عدد من عطلات نهاية الأسبوع.

شخصيات نافذة بين المتطوعين

وكشفت أفتونبلادت أن عدداً من الأشخاص الذين قدمتهم المؤسسة على أنهم متطوعون عاديون يشغلون في الواقع مناصب بارزة في قطاع الأعمال والعلاقات العامة.

ومن بين هؤلاء نيكولاس فاوكنر، مدير الاستراتيجية في شركة Kind Patches، وماتياس أولييلوند، رئيس قسم السياسة والرأي العام في اتحاد الشركات السويدية Svenskt Näringsliv.

كما ضمت قائمة المتطوعين إيريكا ميلين زانديلين المديرة في شركة سكانيا، وإريك بوكيدال الذي يشغل منصباً قيادياً في بنك نورديا، إضافة إلى ميكائيل فورش، نائب المدير السابق لمستشفى كارولينسكا الجامعي.

اجتماعات في مقر رئاسة الحكومة

أظهرت محاضر اجتماعات مجلس إدارة المؤسسة أن عدداً من الاجتماعات عُقد في قصر ساغيرشكا، المقر الرسمي لرئيس الوزراء.

كما ناقش المجلس تنظيم لقاءات للمتطوعين في القصر نفسه، إضافة إلى خطط لجمع التبرعات عبر العلاقات الشخصية وأعضاء مجلس الإدارة وشبكاتهم الخاصة.

قدم شقة لكريسترشون.. واليوم يدير مؤسسة زوجته

وكشف التحقيق أيضاً أن المؤسسة حصلت على دعم من جهات مرتبطة بالكنيسة السويدية عبر علاقات أعضاء مجلس إدارتها.

ويرأس المؤسسة القس توربيورن لارشون، الذي كان قد خضع مع أولف كريسترشون لتحقيق عام 2008 في قضية مرتبطة بعقد شقة سكنية قبل أن تتم تبرئتهما من شبهات الرشوة.

وبحسب محضر اجتماع لمجلس الإدارة، كان من المقرر أن يتولى لارشون التنسيق مع رعية إسكيلستونا لضمان تنفيذ أعمال متعلقة بالموقع الإلكتروني للمؤسسة من دون تكلفة عليها.

وقال كاهن الرعية يوهان هيدلوند للصحيفة إن الرعية ساعدت المؤسسة في بعض أعمال الطباعة وإطلاق الموقع الإلكتروني، موضحاً أن ذلك تم لأن المؤسسة تدير مركزاً مسيحياً للتأمل وأن الرعية كانت تملك الوقت للمساعدة.

كما أظهرت الوثائق أن عدداً من القساوسة المرتبطين بشبكة المؤسسة شاركوا في إعداد مواد دينية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما شارك آخرون كمتطوعين في أنشطة العقار.

علاقات كنسية ومقتنيات دينية

وأشارت محاضر الاجتماعات إلى أن بيرغيتا إيد أبلغت مجلس الإدارة بإمكانية الحصول على عدد من المقتنيات الدينية، بينها مذبح وحوض تعميد وأدوات كنسية فضية.

كما أبلغت المجلس بأن أسقف سترينغنيس يوهان دالمان طُلب منه تقديم المساعدة في ما يتعلق بالكنيسة الصغيرة الموجودة داخل العقار.

يُذكر أن دالمان يساهم أيضاً في نشر مواد عبر حسابات المؤسسة على وسائل التواصل الاجتماعي.

انتقادات من خبراء: “فساد صريح”

وأثارت هذه المعطيات انتقادات من خبراء قانونيين اعتبروا أن هناك خطراً يتمثل في تداخل المصالح الخاصة مع المكانة العامة المرتبطة بمنصب رئيس الوزراء.

وقالت الأمينة العامة لمعهد مكافحة الفساد فيكتوريا فون أوكسكول (Victoria von Uexküll) إن على السياسيين وكبار المسؤولين تجنب أي ممارسات قد تعطي انطباعاً بأن المناصب العامة تُستخدم لخدمة مصالح أو التزامات خاصة، مشددة على أهمية الفصل بين الدور الرسمي والأنشطة الخاصة.

ورأت الباحثة في شؤون جماعات الضغط والعلاقات العامة بجامعة أوبسالا آنا تيلستروم أن تقديم أشخاص نافذين على أنهم متطوعون عاديون يذكّر بأساليب كانت مستخدمة سابقاً في قطاع العلاقات العامة، تقوم على غموض الجهة المرسلة والهدف الحقيقي من الرسائل الموجهة للجمهور.

من جانبه، اعتبر أستاذ القانون يواكيم نيرغيليوس أن مشاركة الكنيسة في مثل هذه الترتيبات تثير تساؤلات تستحق النقاش، معتبراً أن القضية تعكس تداخلاً غير مريح بين أدوار عامة وأنشطة خاصة.

كما قالت القسيسة والباحثة في الأخلاقيات بجامعة لوند إليزابيت غيرله إن القضية تطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان ينبغي للكنيسة السويدية دعم مبادرات خاصة مرتبطة ببيرغيتا إيد أو بجهات تشارك فيها، محذرة من وجود خطر لتضارب المصالح.

أما أستاذ القانون الإداري أولّي لوندين فكان أكثر حدة في انتقاداته، معتبراً أن استخدام شبكة العلاقات المرتبطة برئيس الوزراء، إلى جانب عقد اجتماعات في قصر ساغيرشكا واستقطاب متطوعين ومتبرعين للمؤسسة، يثير إشكاليات تتعلق بالخلط بين العام والخاص.

وقال إن أولف كريسترشون وزوجته يستخدمان مكانتهما للمساهمة في خلق قيمة اقتصادية خاصة، مضيفاً أن مثل هذا السلوك “يُسمى في دول أخرى فساداً صريحاً”. كما رأى أن استخدام مكانة الحكومة ومرافقها وعلاقاتها لجعل المؤسسة أكثر جاذبية يبعث على القلق.

ولم يوافق أولف كريسترشون أو بيرغيتا إيد على إجراء مقابلات مع الصحيفة، فيما أكد رئيس مجلس إدارة المؤسسة توربيورن لارشون في رد مكتوب أن المؤسسة تلتزم بالقوانين المعمول بها، وأن المتطوعين المشاركين فيها هم من الأصدقاء والمعارف الذين يرغبون في المساهمة في ما وصفه بـ”هدف إيجابي”.

المعارضة تطالب بالتحقيق في دور كريسترشون

وأثارت التحقيقات أفتونبلادت ردود فعل من المعارضة، حيث طالب الحزب الاشتراكي الديمقراطي بإجراء مراجعة خارجية مستقلة لرئيس الوزراء أولف كريسترشون والقرارات التي اتخذها خلال فترة ولايته.

وقال سكرتير الحزب الاشتراكي الديمقراطي توبياس باودين إن التحقيقات تشكل دليلاً على نشوء “ثقافة تحايل” (fiffelkultur) حول رئيس الوزراء أولف كريسترشون، متهماً إياه بممارسة ما وصفه بـ”محسوبية الأصدقاء” (vänskapskorruption)، أي استخدام العلاقات الشخصية في منح المناصب أو الامتيازات، ومطالباً بإخضاعه لمراجعة مستقلة.

وقال: “الأمر خطير الآن، ويجب وضع حد له”. وأضاف: “إذا لم يكن لدى كريسترشون ما يخفيه، فيجب أن يقبل الخضوع للتدقيق”.

من جهته، اعتبر رئيس مجموعة حزب اليسار في البرلمان صامويل غونزاليس فيستلينغ أن منح أشخاص إمكانية الوصول إلى شبكات نفوذ وعلاقات مقابل خدمات يقدمونها للمؤسسة يمثل نموذجاً للفساد، مطالباً بمناقشة القضية في البرلمان.

كما أشار الحزبان إلى قضايا أخرى أُثيرت سابقاً بشأن رئيس الوزراء، من بينها تعيين صديق طفولته هنريك لاندرهولم مستشاراً للأمن القومي وما تبعها لاحقاً من فضائح أمنية أدت إلى استقالته، ومشاركة كريسترشون في قرار منح أموال لمؤسسة Teach for Sweden التي تشغل شقيقة زوجته ماريتا بيلد عضوية مجلس إدارتها.