الكومبس – أخبار السويد: في الوقت الذي فتحت فيه الشرطة السويدية تحقيقاً في جريمة اغتصاب جماعي، كان الآلاف يتابعون مجريات “محاكمة” علنية تُبث مباشرة على فيسبوك ضمن نظام “العدالة الموازي” المعروف باسم “رومر كريس” بين أفراد أقلية الرومر في السويد. الضحية المفترضة، أنجلينا (19 عاماً)، ظهرت في أحد البثوث وهي تضع يديها على الإنجيل وتبكي، في حين تولى والدها تصوير المشهد وإدارته أمام جمهور من المشاهدين. وفق تحقيق نشرته صحيفة إكسبريسن.
بث مباشر للتحقيق
بدأت القصة في أواخر 2024، عندما أعلن والد أنجلينا على فيسبوك أن ابنته تعرضت لاغتصاب جماعي من قبل ثلاثة رجال من الرومر، جميعهم أقارب أو معارف للعائلة. وبدلاً من اللجوء الفوري للشرطة، قرر الأب التعامل مع القضية من خلال “رومر كريس”، وهي محكمة عرفية رومانية تعقد عادة في إطار مغلق لكنها في هذه الحالة تحولت إلى شكل علني على وسائل التواصل الاجتماعي.
ظهرت أنجلينا لاحقاً في بث مباشر تضع يديها على إنجيل مفتوح، وتروي بتفاصيل مؤلمة كيف تعرضت للاغتصاب، وكيف حاولت الصراخ والمقاومة. وخلف الكاميرا، كان والدها يطلب منها أن تقول “الحقيقة الكاملة أمام الله”، بينما كانت الأم تؤكد بصوت خافت أن ما حدث هو “اغتصاب”.
جدل داخل مجتمع الرومر
ورغم الشهادة العلنية الصادمة، شكك العديد من رجال الأقلية في صحة الرواية. حيث ادعى أهالي الشباب الثلاثة أن الشابة مارست الجنس الجماعي معهم “برضاها ودون أي إكراه”. وتداول آخرون مقطع فيديو سابق لأنجلينا مع شخص آخر تماماً وهي ترقص وتبتسم، واعتبروا ذلك دليلاً على أن الفتاة “لم تتعرض للإكراه” في حادثة “الاغتصاب”.
واحد من القضاة في “كريس”، سبق أن اتُهم بالضلوع في جريمة قتل بدافع الشرف، وصف ما حدث بأنه “سلوك مشين وغير مقبول تجاه فتاة من الرومر”، لكنه لم يعتبره اغتصاباً. وأكد أن الرجال الثلاثة خالفوا الأعراف بتصرفهم “.
تهديد باللجوء إلى القضاء
في أحد البثوث هدد والد أنجلينا بأنه سيبلغ الشرطة إذا لم يتحمل آباء المتهمين مسؤولياتهم وفقاً لقواعد الرومر. وبالفعل، بعد أسابيع من التوتر، أجرى اتصالاً مباشراً بالشرطة على الهواء، شجع فيه ابنته على الإبلاغ عن أحد المشتبه بهم. وأخبرت الشابة الشرطة بأنها تعرضت للتهديد وأنها لم تعد تشعر بالأمان في مكان عملها.
ويبدو أن الهدف من الاتصال كان الضغط على الطرف الآخر للاستجابة لمطالب المحاكمة العرفية الموازية التي أعلنت العقوبات لاحقاً وهي: استبعاد الشبان الثلاثة من الجالية لمدة عامين، وغرامة إجمالية قدرها 300 ألف كرون تدفع لوالد أنجلينا، و60 ألف كرون لعائلات أخرى شعرت بـ”النجاسة” بسبب الحادثة.
“وصمة عار”
نتائج المحاكمة العرفية كانت كارثية على أنجلينا، حيث أصبحت منبوذة اجتماعياً. وبدأت عائلات بإخراج الأرائك من منازلها لأنها جلست عليها. وظهرت مقاطع على فيسبوك لنساء يتحدثن عن “تطهير بيوتهن” من أثر الفتاة. وعلق قاضٍ في “الكريس” بأن “أي فتاة من الرومر يمسها ثلاثة رجال، لن يقبل بها أحد كزوجة بعد الآن”.
وقالت أنجلينا في مقابلة لاحقة إنها شاركت في البث بإرادتها، ليس لأنها أرادت الفضيحة، بل لأنها أرادت إيصال صوتها.
ورغم أن بعض أبناء الجالية دافعوا عن نظام “الكريس” باعتباره وسيلة لحفظ السلم الاجتماعي، فإن أنجلينا عبّرت عن خيبة أملها بالقول “لو حدث ما حدث لي مع فتاة أخرى، كنت سأطلب منها اللجوء إلى القانون السويدي، لأن هؤلاء الرجال لا يمكنهم أن يفهموا مشاعر ضحايا العنف الجنسي”.
ما هو “رومر كريس”؟
“كريس” تعني محكمة أو جلسة فصل عرفية في لغة الرومر. وهي تقليد شائع بين الرومر في أوروبا، ويعقدها شيوخ محترمون من الرجال بهدف حل النزاعات داخل الجالية دون تدخل خارجي. وعادة ما تكون العقوبات مالية أو اجتماعية مثل الاستبعاد المؤقت.
والرومر، أو “الروما”، هم مجموعة إثنية انتشروا في أوروبا منذ قرون. ويشكلون اليوم إحدى أكبر الأقليات العرقية في أوروبا، ويعيش الكثير منهم أيضاً في السويد.