الكومبس ـ خاص: كشفت دراسة أكاديمية أعدها المحقق حارث جمعة كاظم الحلفي في جامعة أوميو عن إمكانية توظيف منصة تيك توك الرقمية أداة لتعزيز الوقاية من العنف ضد النساء، خصوصاً في العلاقات الحميمة وفي سياقات اجتماعية تهيمن عليها ثقافة الشرف والسيطرة الذكورية.

وسلطت الدراسة الضوء على الطريقة التي تستخدم بها النساء المنصة للتعبير عن معاناتهن، من خلال محتوى رقمي يخلق تفاعلاً عاماً ويسهم في بناء دعم جماعي، رغم التحديات التقنية والأخلاقية المرتبطة باستخدام هذه البيانات في عمل الشرطة.

بين العراق والسويد

يعمل المحقق حارث الحلفي (48 عاماً) في قسم جرائم الشباب في الشرطة السويدية إلى جانب عمله الميداني، ويتابع دراساته الأكاديمية في مجالات العمل الاجتماعي والشرطة، وأنجز مؤخراً أطروحة الماجستير في جامعة أوميو، بعد إنجازه أطروحة ماجستير في العمل الاجتماعي.

قدم الحلفي إلى السويد من العراق العام 2007، في عمر الـ29 عاماً، بعد أن عمل في مجال الشرطة هناك لعدة سنوات. ويقول “قدمت إلى السويد بحثاً عن بيئة آمنة أتمكن فيها من متابعة دراستي وتطوير خبرتي المهنية”.

تجربة شخصية

بدأت فكرة البحث خلال زيارة الحلفي إلى العراق قبل عامين، حين أنشأ حساباً على تيك توك بهدف إنساني لنشر الوعي حول قضايا العلاقات والتربية وفهم الذات. وسرعان ما لقيت مقاطع الفيديو التي ينشرها تفاعلاً واسعاً، خصوصاً من نساء عراقيات بدأن يروين في التعليقات والرسائل تجاربهن مع العنف والخوف والهيمنة الذكورية.

يقول الحلفي “كنت أقرأ هذه القصص ليلاً، وأدركت أنني أمام صرخات استغاثة لا يسمعها أحد”، موضحاً أن هذه التجربة ألهمته لطرح سؤال بحثي جوهري: هل يمكن للشرطة أن تتعلم الإصغاء إلى هذه الأصوات الرقمية قبل أن تتحول المعاناة إلى جريمة؟

ويضيف “لم أرغب أن يُكتب عن العنف ضد النساء كموضوع أكاديمي فقط، بل كواقع حيّ رأيته في كلماتهن والمعاناة التي لا تُرى. وهكذا تحوّلت تجربتي على تيك توك من مبادرة شخصية إلى مشروع علمي هدفه واحد: أن نحوّل الصمت إلى معرفة، والمعرفة إلى أداة لحماية النساء”.

6 مقاطع فيديو بالعربية

أظهرت الدراسة أن العديد من النساء اللواتي يعشن في بيئات خاضعة لرقابة اجتماعية صارمة وجدن في تيك توك فضاءً رقمياً للتعبير عن تجارب العنف النفسي، والجسدي، والاقتصادي والعاطفي، وغالباً عبر مقاطع فيديو قصيرة تتضمن شهادات شخصية وتعليقات داعمة من الجمهور.

وركزت الدراسة على ستة مقاطع فيديو منشورة باللغة العربية، تتحدث فيها نساء مقيمات في العراق عن تجاربهن. ومن خلال تحليل التعليقات والمحتوى، لاحظ الباحث أن النساء يستخدمن لغة بسيطة وعفوية لسرد الألم، مع ظهور مؤشرات على المقاومة مثل الدعوة إلى التضامن وشرح أسباب البقاء في العلاقة رغم المعاناة.

لماذا العراق؟ وما الفائدة للسويد؟

كان التركيز على العراق قراراً منهجياً مقصوداً، لأن كثيراً من النساء هناك، حبسب الباحث، يفتقرن إلى القنوات التقليدية لطلب المساعدة، إما بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية أو القيود الثقافية والهيمنة الذكورية. لذلك، هدفت الدراسة إلى فهم كيف يمكن للمرأة في بيئة كهذه أن تستخدم منصة رقمية للتعبير والمقاومة.

ولم يكن الهدف تحليل وضع المرأة العراقية بحد ذاته، بل استخدام هذه الروايات الرقمية كوسيلة لفهم كيف يمكن توظيف تيك توك في العمل الوقائي ضد العنف في بيئات أخرى، مثل السويد. فالعديد من النساء المقيمات في السويد من خلفيات شرقية يواجهن تحديات ثقافية مماثلة.

أساليب غير تقليدية

أجرت الدراسة مقابلات مع عدد من ضباط الشرطة والمحققين المدنيين في السويد، الذين أبدوا اهتماماً بإمكانية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأدوات للوقاية من الجريمة، مع الإشارة إلى صعوبات مثل مصداقية المحتوى، ونقص التدريب، وغياب الأطر الواضحة لتحليل البيانات.

وقال أحد الضباط “منصات مثل تيك توك يمكن أن تفتح لنا أبواباً لفئات لا تصلها الأساليب التقليدية، لكننا بحاجة إلى أدوات محددة للتعامل مع هذه المعلومات بمسؤولية”. وأكد مشاركون آخرون أهمية التعاون مع منظمات المجتمع المدني وخبراء التقنية لتطوير نماذج فعالة.

الترجمة إلى لغة الشرطة

خلصت الدراسة إلى ضرورة تطوير ما يشبه “الترجمة” بين لغة المستخدمين على وسائل التواصل ولغة الشرطة الرسمية، خصوصاً عند التعامل مع النساء اللواتي يشاركن تجاربهن مع العنف رقمياً. وأكدت أهمية بناء أدوات منهجية وأخلاقية لفهم هذه السرديات وتحويلها إلى معلومات قابلة للتعامل معها رسمياً.

وشددت الدراسة على أن تيك توك ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل قد يكون مساحة رقمية لمكافحة العنف، بشرط وجود استجابة واعية من السلطات وتعاون مع الجهات المعنية.

وتم اعتماد الدراسة أكاديمياً من جامعة أوميو.

“استغاثة حقيقية”

يقول الحلفي “آمل أن تفتح دراستي أفقاً جديداً في فهم كيف يمكن للمنصات الرقمية، مثل تيك توك، أن تُستخدم أدوات للوقاية المبكرة من العنف ضد النساء، وليس فقط كوسيلة للتعبير أو الترفيه”.

ويتابع “على المستوى الأكاديمي، أطمح إلى أن تسهم الدراسة في تطوير معرفة أعمق حول العلاقة بين التكنولوجيا والسلوك الإنساني، وكيف يمكن تحليل المحتوى الرقمي لفهم أنماط الخطر قبل وقوع الجريمة. أما على المستوى الاجتماعي، فأتمنى أن تسهم في بناء الثقة بين النساء المعرضات للخوف والعزلة، والجهات القادرة على حمايتهن ودعمهن”.

ويضيف “هدفي الأعمق أن نتعلم كيف نصغي إلى الأصوات الرقمية، لأنها كثيراً ما تكون استغاثة حقيقية خلف شاشة صامتة”.

ريم لحدو