Lazyload image ...
2012-07-04

تنشط حركات شبابية أردنية، إلى جانب غالبية القوى الحزبية وفي مقدمتها جماعة "الأخوان المسلمين" والأحزاب اليسارية والقومية، بالدعوة لمقاطعة الانتخابات النيابية القادمة في حال لم يتم إدخال تعديلات جذرية على قانون الانتخابات، الذي أقرَّه مجلس النواب أخيراً، وردَّه الملك عبد الله الثاني مطالباً الحكومة والمجلس بإعادة دراسته من جديد لتلافي الاحتجاجات الشعبية والحزبية عليه.

تنشط حركات شبابية أردنية، إلى جانب غالبية القوى الحزبية وفي مقدمتها جماعة "الأخوان المسلمين" والأحزاب اليسارية والقومية، بالدعوة لمقاطعة الانتخابات النيابية القادمة في حال لم يتم إدخال تعديلات جذرية على قانون الانتخابات، الذي أقرَّه مجلس النواب أخيراً، وردَّه الملك عبد الله الثاني مطالباً الحكومة والمجلس بإعادة دراسته من جديد لتلافي الاحتجاجات الشعبية والحزبية عليه.

الحراكات الشبابية والأحزاب السياسية تأخذ على قانون الانتخابات عودته إلى نظام الصوت الواحد في العملية الانتخابية، المعمول به منذ العام 1993، وأنه أفرز حسب انتقادات المعارضة مجالس نيابية على مقاس الحكومات، بما يخدم توجهاتها غير الجادة في الإصلاح السياسي وإطلاق الحريات العامة ومحاربة الفساد.

وكان مجلس النواب قد أدخل تعديلاً محدوداً على المادة الثامنة، التي يدور حولها الخلاف الرئيسي إزاء قانون الانتخابات، ويقضي التعديل بإعطاء صوت واحد للناخب على مستوى المحافظة كدائرة انتخابية للمقاعد الفردية، وصوت آخر للناخب على مستوى الأردن كدائرة واحدة لانتخاب قائمة حزبية مغلقة من سبعة عشر نائباً، وزيادة عدد مقاعد (الكوتا) النسائية من اثني عشر إلى خمسة عشر مقعداً. بحيث يصبح مجموع من سينتخب على أساس الدائرة الفردية 123 من أصل 140 مقعداً.

في حين تطالب قوى المعارضة بإعطاء الناخب الحق بأكثر من صوتين، بمعنى حق التصويت لأكثر من مرشح على المقاعد الفردية، فضلاً عن التصويت للقوائم الحزبية على مستوى الوطن، مع رفع نسبة الأخيرة من مقاعد مجلس النواب إلى خمسين في المئة – سبعون مقعداً بدلاً من سبعة عشر مقعداً فقط – ليتسع المجلس لمشاركة كل القوى السياسية والحزبية، على قدم المساواة مع تمثيل القوى الاجتماعية، ولإرساء إمكانية قيام حكومات برلمانية في المرحلة المقبلة.

للتوضيح، يقوم نظام الصوت الواحد على تقسيم البلاد إلى دوائر صغيرة، ويُلزم الناخب بإعطاء صوته لمرشح واحد فقط، فمثلاً لو كان عدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية ثلاث مقاعد لا يحق للناخب انتخاب ثلاثة مرشحين، بل مرشح واحد، ويفوز المرشحون الثلاثة الذين نالوا أعلى عدد من الأصوات بغض النظر عن نسبتها.

ويعاب على هذا النظام الانتخابي عدم عكسه لرأي الأغلبية، وتشتيته للنسبة الأكبر من أصوات الناخبين، وهضمه لحقوق الأقليات والفئات الاجتماعية المهمشة. وللتلطيف من النتائج السيئة لتطبيقاته أخذ واضعوه في الأردن بتقسيم الدوائر حسب المناطق، دون اعتبار لعدد السكان، وفرض "كوتات للأقليات والنساء، بغية توسيع تمثيل كل النسيج الاجتماعي والمناطق النائية، لكن هذا يخلق بدوره غبناً للناخبين وللمرشحين في آن، بعدم تقارب وزن الكتل التصويتية اللازمة لإيصال ممثلين منتخبين إلى مجلس النواب، وجعل التركيبة السياسية للمجلس تركيبة قبلية وعشائرية وطائفية تمزق المجتمع بنزعاتها، وتحجر على العمل الحزبي والتعددية السياسية.

بينما يشكِّل نظام التمثل النسبي أقرب القوانين الانتخابية للمعايير الديمقراطية، وأقلها عيوباً، في الوصول إلى تمثيل الغالبية من شرائح وفئات المجتمع، وفي تفعيل الحياة السياسية والمجتمع المحلي.

ويتفق غالبية المراقبين السياسيين في العاصمة الأردنية على أن مقاطعة "الإخوان المسلمين"، والأحزاب اليسارية القومية والحراكات الشبابية، للانتخابات البرلمانية القادمة سينتقص من شرعية مجلس النواب المنتخب، وسيضع النظام السياسي الأردني أمام مأزق معقد في مرحلة شديدة الدقة على وقع تأثيرات ثورات "الربيع العربي"، حيث تسعى جماعة "الإخوان المسلمين" إلى تشكيل حكومة ظل وبرلمان ظل، كخطوة مؤكدة على مقاطعة الانتخابات المرتقبة نهاية العام الجاري، وسط توقعات باتساع رقعة المظاهرات وأعداد المشاركين فيها، للمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية شاملة، ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين.

كما يزيد من حدّة الاحتقان بين الحكومة والبرلمان من جهة والشارع في الجهة المقابلة، تزامن الحراك الشعبي مع تسونامي التغيير في البيئة السياسية العربية، ما شجَّع النخب الأردنية المعارضة على رفع سقف طموحاتها، والانفتاح على القوى الاجتماعية ذات المصلحة بالإصلاح، باتجاه نقل البلاد إلى مرحلة متقدمة من التشريعات الدستورية تلبي مطلب المشاركة الشعبية في القرار السياسي من خلال صناديق الاقتراع.

إلا أن حجم الشعبي مازال محدوداً حتى الآن، باقتصاره على أنصار الأحزاب والقوى السياسية التقليدية، واجتذابه فئات اجتماعية تأتلف على قضايا مطلبية بعينها، دون حاجز التأثير في موازين القوى بين السلطة والمعارضة، وهو ما تشدُّ به القوى المهيمنة على الحكومة والبرلمان أزرها في تعطيل عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي، وإفراغ مضمون برامج انتشال مؤسسات الدولة من الفساد المالي والإداري، الذي تغوَّل بعمليات الخصخصة والاعتداء على المُلكية العامة في السنوات الأخيرة.

معادلة الركون إليها يضع الأردن في دائرة مخاطر عدم الاستقرار السياسي المؤسسي، بتجاهل الضرورات الموضوعية للإصلاح، لاسيما أن الظروف المعيشية المتدهورة تزكي المنحى التصعيدي للحراك الشعبي الرافض لسياسات الحكومات المتولية وعقيدتها الاقتصادية التي لم تتغير.

الحملة الشبابية على صفحات التواصل الاجتماعي "مقاطعون من أجل التغيير" وافد جديد على حراك الشارع، من شأنه إذا أخذ مداه أن يفرز معطى مؤثراً، في محاكاته لفعاليات على الأرض، تتوافق المجموعات الشبابية على إطلاقها، في حال لم تبادر الحكومة ومجلس النواب إلى تعديل قانون الانتخابات.

وفي دليل على أخذ تلك التحركات على محمل الجد، وصف سياسي أردني رفيع المستوى الدعوات على المواقع الاجتماعية بـ"الحرائق الصغيرة"، وحذَّر – في تصريح لصحيفة "الحياة" اللندنية – من اتساع مداها مع تباطؤ مؤسسات القرار في اتخاذ القرارات الخاصة بالإصلاح، وشيوع حال اليأس التي قد ترفع سقف المطالب في الشارع.

مفترق طرق الانتخابات البرلمانية القادمة، مرحلة فاصلة في تاريخ الحياة السياسية الأردنية، إما حقن النظام السياسي بدماء جديدة وتحصينه باستراتيجيات تعالج أخطاء الماضي، وإما وضع الصدام بين الحكومة والبرلمان وبين حراك الشارع على نار متقدة، فإجراء الانتخابات بناء على قانون مرفوض حزبياً وجماهيرياً سيقطع الطريق أمام تغيير مبرمج ومتفق علية بين السلطة والمعارضة بشقيها التقليدي والناشئة حديثاً، بينما الإصغاء للغة العقل وقبول ملاحظات المعارضة والحراك الشعبي سيخلق حالة من التوازن، بمصالحة بين الحكومة والهيئة التشريعية والشعب، الأردن في أمس الحاجة لها.

عامر راشد

أنباء موسكو

3 يوليو 2012

Related Posts