Lazyload image ...
2012-09-17

بشيء من التجريد، وإسقاط التفاصيل هنا أو هناك دون بخس أهميتها، تبدو الخلفية المتحركة لصور الحراكات الشعبية العربية، وما آلت إليه، متشابهة إلى درجة كبيرة من حيث أوضاع الفقراء والمهمشين الذين هم خزان الحركات ووقودها.

بشيء من التجريد، وإسقاط التفاصيل هنا أو هناك دون بخس أهميتها، تبدو الخلفية المتحركة لصور الحراكات الشعبية العربية، وما آلت إليه، متشابهة إلى درجة كبيرة من حيث أوضاع الفقراء والمهمشين الذين هم خزان الحركات ووقودها. فالصور بالأبيض والأسود تشير، بعد أكثر من عام ونصف العام على شرارة الثورة في تونس، إلى أن معاناة الفقراء والمهمشين في العشوائيات وأزقة الأحياء القديمة والبلدات والقرى والنجوع مازالت على حالها، من بطالة وحرمان ونقص في الضرورات الأساسية للحياة الآدمية، لكن الجديد فيها أن أبناء الطبقات المحرومة باتوا يتنفسون من رئة الحراكات، شهيق حرية وزفير جوع.

مشاهد الذكرى السنوية الأولى لرحيل مفجِّر الثورة التونسية كانت قاسية، أسرة الشاب محمد البوعزيزي ما زالت تعاني من شظف العيش، وتتساوى في ذلك مع آلاف الأسر الأخرى في سيدي بوزيد ومدن الجنوب التونسي. نسبة الفقر في تونس بلغت وفق آخر إحصائية رسمية بعد الثورة 24.2 في المئة، باعتماد عتبة الفقر دولارين أميركيين للفرد في اليوم الواحد. ويقدَّر عدد العاطلين عن العمل حالياً بـ700 ألف شخص، 69 في المئة منهم سنهم أقل من ثلاثين عاماً، و170 ألف شخص من خريجي التعليم العالي.

وتؤكد الحكومة التونسية أنه من الضروري لمجابهة الوضع الراهن إدخال إصلاحات هيكلية على السياسة الاجتماعية في تونس، تشمل الصناديق الاجتماعية، والنظام الضريبي، وسياسة الأجور وقوانين العمل، علاوة على قطاع الصحة ومنظومة التعليم بجميع مراحلها. يشار هنا أن المؤسسات المالية العالمية كانت تقدِّم التجربة الاقتصادية التونسية في الأعوام الخمسة كنموذج يقتدى به في الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية والنمو!

الصورة لا تختلف كثيراً في مصر، التي كانت تُقدّم أيضاً كمثال يجاري النموذج التونسي في (الإصلاح الاقتصادي)، فقد كشف تقرير لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، ارتفاع معدلات الفقر في مصر بعد الثورة إلى 25.2 في المئة خلال عام 2011 مقابل 21.6 في المئة 2009، و16.7 في المئة فقط عام 1999، مشيراً إلى أنه بلغ متوسط الإنفاق الشهري للأسر الأكثر احتياجاً نحو 667 جنيه شهرياً بواقع 5.5 جنيه للفرد في اليوم، علماً بأن سعر صرف الدولار الأميركي أمام الجنيه المصري يبلغ 6.0292، أي أن حصة الفرد في اليوم أقل من دولار واحد.

وفي المغرب يقدّم خبراء الاقتصاد أرقاماً صادمة عن الامتيازات والإعفاءات الضريبية للأغنياء، التي تضيع على خزينة الدولة مليارات الدراهم، فأكثر من 66 في المئة من الشركات من الشركات المغربية البالغ عددها حوالي 170 ألفاً، تصرِّح في بياناتها الضريبية بأنها تتكبد خسائر مالية سنوية، أو أنها لا تحقق أرباحاً، وبالتالي فإنها تعفى من أداء الضريبة.

ويرى الخبراء الاقتصاديون أن حكومة عبد الله بنكران -زعيم "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي- "تحاول اليوم الاستئساد على المواطنين بالزيادة في الأسعار لفك ضائقتها المالية، وكان أولى بها أن تفتح ورش الإصلاح الضريبي، وهو القطاع الذي يعاني منذ سنوات من عدة اختلالات تفوت على الدولة مليارات الدراهم".

ومن مظاهر الخلل التي تقرُّ بها حكومة بنكران، قال مصدر في الوزارة المكلفة بالشؤون العامة، إن 20% من الفئات المعوزة تستفيد بما مقداره 1% من مجموع دعم صندوق المقاصة لدعم المستهلكين، فيما تستحوذ الفئات الميسورة على 75%، من هذا الدعم.

الأوضاع في ليبيا، التي تعتبر من أغنى الدول العربية والأفريقية في ثرواتها، ليست أحسن حالاً من الأوضاع في تونس ومصر والمغرب، إذ يرزح أكثر من أربعين في المئة من الليبيين تحت خط الفقر، حسب تقديرات "المجلس الوطني الانتقالي" الحاكم، وتعيش آلاف من الأسر في تجمعات من بيوت الصفيح. ويعزى ذلك إلى استفحال ظاهرة الفساد في بنية النظام السابق، الذي وصلت ليبيا في عهده إلى المرتبة 146 من بين 178 دولة في مقياس الفساد، بناء على تقرير منظمة الشفافية الدولية عام 2010. وبيَّنت دراسة صادرة عن مركز بحوث العلوم الاقتصادية أن البطالة السافرة في ليبيا وصلت إلى ثلاثين في المئة، وإذا أضفنا إلى هذه النسبة البطالة المقنعة (الموجودة في القطاع العام) يمكن أن تفوق النسبة خمسين بالمئة. وبهذا يكون معدل البطالة في ليبيا هو الأعلى بين دول منطقة المغرب العربي الخمس، ويرى الخبراء معالجة أن الفقر والبطالة من أكبر التحديات التي ستواجه نظام الحكم الجديد.

ويعاني الأردن منذ سنوات من تنامي ظاهرة اتساع الفقر والبطالة، وتآكل القيمة الحقيقية للدينار الأردني، ويتهم خبراء الاقتصاد الأردنيون حكومات بلدهم بأنها تتبع سياسة "النعامة" بـ"دس رأسها في التراب" بدل مواجهة الأزمات ببرامج عمل تمتلك مقومات الحل.

وتشير معطيات آخر المسوحات الخاصة بالفقر في الأردن إلى أن ما نسبته 13.3 في المئة يقعون تحت خط الفقر، في حين تُقدَر معدلات البطالة ما بين 12-18 في المئة –التقديرات تختلف من مسح إلى آخر، وبلغة الأرقام تجاوز عدد الفقراء ثمانمئة ألف نسمة، وعدد الأسر التي تحت خط الفقر أكثر من مئة ألف أسرة.

سورية لها نصيبها أيضاً من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فقد أكد تقرير اقتصادي للاتحاد المهني لنقابات عمال الكهرباء والصناعات المعدنية أن نسبة الفقراء وصلت إلى 41 في المئة من عدد سكان سورية، وكان وزير الشؤون الاجتماعية والعمل رضوان الحبيب قال في تصريح له "إن نسبة البطالة ارتفعت إلى 14.8 في المئة عام 2012 صعوداً من 8.2 سجلت خلال العام السابق"، لكن اقتصاديين مستقلين يقدِّرون نسبة البطالة الحقيقية بأكثر من ثلاثين في المئة. وتشهد الأسواق السورية موجة من ارتفاع الأسعار وصلت إلى عدة أضعاف في المواد الغذائية، وتراجع صرف الليرة السورية بما يقارب خمسين في المئة أمام الدولار الأميركي، ما زاد من الأعباء المعيشية للمواطن السوري.

أما في اليمن فالصورة هي الأكثر كارثية، حيث كشف مستشار وزارة الصناعة اليمنية طه الفسيل أن معدلات الفقر ارتفعت في اليمن من 47 في المئة عام 2009 إلى ما بين 65-75 في المئة حالياً. وفي سياق متصل أكدت منظمتا "أوكسفام" و"الإغاثة الإسلامية"، في بيان مشترك أصدرتاه مطلع العام الجاري، أن فقراء اليمن باتوا "على شفير الهاوية.. فبعضهم يأكل مرَّة كل ثلاثة أيام وبعضهم الآخر يقتات على الخبز والشاي فقط..". وأضافت المنظمتان الإنسانيتان في بيانهما: "إن خُمس الأطفال يعانون من معدلات سوء تغذية حادة في محافظة أبين الجنوبية التي يسيطر تنظيم "القاعدة" على أجزاء واسعة منها..". وقالت مسؤولة السياسات في منظمة "اوكسفام" كيلي غيلبرايد: "وصل ملايين اليمنيين إلى حافة الهاوية، ولا يعرفون من أين ستأتيهم الوجبة التالية".

وتواجه حكومة الوفاق الوطني برئاسة محمد سالم باسندوة مصاعب لا تحسد عليها في محاولة إنقاذ الاقتصاد اليمني المنهار، وتنفيذ برامج الإصلاحات التي وعدت بها، فقد ترك علي عبد الله صالح خزانة الدولة خاوية.

من هنا لن تكتمل الثورات والحراكات إلا عندما لا يكون زفير الفقراء جوع وبطالة.

عامر راشد

أنباء موسكو

14 يونيو 2012

Related Posts

مؤسسة الكومبس الإعلامية © 2021. All rights reserved
Privacy agree message   سياسة الخصوصية , مؤسسة الكومبس الإعلامية
No, Review