دراسة سويدية: مصاعب سنوات المراهقة تترك آثارها حتى منتصف العمر
الكومبس – أخبار السويد: أظهرت دراسة طويلة الأمد في السويد أن ضعف البيئة المدرسية والبطالة خلال السنوات الأولى من الشباب قد يتركان آثاراً نفسية تمتد حتى منتصف العمر.
وتابع ستة باحثون وخبراء نحو ألف شخص من الصف التاسع وحتى سن 43 عاماً، ووجدوا أن البطالة لأكثر من خمسة أشهر بين سن 18 و21 عاماً ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بمشكلات الصحة النفسية إلى الضعف في سن 43 عاماً.
ونشروا نتائج الدراسة في مقال رأي بصحيفة داغنس نيهيتر، مؤكدين أن المدرسة وبداية الدخول إلى سوق العمل لا تؤثران في صحة الشباب خلال تلك المرحلة فقط، بل قد تستمر آثارهما لعقود.
دراسة بدأت في لوليو العام 1981
بدأت الدراسة عام 1981 وشملت جميع طلاب الصف التاسع في بلدية لوليو. وتابع الباحثون المشاركين عبر استبيانات ومقابلات وفحوص سريرية متكررة، بهدف دراسة تأثير البيئة المدرسية وظروف العمل في الصحة النفسية.
وشارك في الدراسة منذ بدايتها 1071 شخصاً، واستمر 1010 منهم، أي 94 بالمئة، حتى سن 43 عاماً. ويرى الباحثون أن هذه النسبة المرتفعة من المشاركة أتاحت لهم متابعة أشخاص عانوا من مشكلات صحية شديدة، وهي فئة غالباً ما تنسحب من الدراسات الأخرى.
وجُمعت نتائج 79 دراسة فرعية ضمن مراجعة علمية تناولت العلاقة بين ظروف الدراسة والعمل والصحة النفسية من مرحلة المراهقة حتى منتصف العمر.
البطالة في سن الشباب وآثارها الطويلة
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين أمضوا أكثر من خمسة أشهر في البطالة بين سن 18 و21 عاماً كانوا أكثر عرضة بأربع مرات للإصابة بمشكلات الصحة النفسية عند سن 21 عاماً.
ورغم مرور أكثر من 20 عاماً، بقي خطر الإصابة لديهم مضاعفاً عند سن 43 عاماً، حتى بين الأشخاص الذين لم يتعرضوا للبطالة بعد انتهاء فترة الشباب.
ويؤكد الباحثون أن الدراسة لم تتناول بطالة استمرت سنوات، بل فترات بلغ مجموعها بضعة أشهر فقط، ما يوضح، بحسبهم، أهمية التدخل المبكر لمنع امتداد آثار البطالة إلى مراحل لاحقة من الحياة.
وأشاروا إلى أن البطالة بين الشباب لا تمثل مشكلة اقتصادية فقط، بل تشكل أيضاً خطراً على الصحة النفسية على المديين القصير والطويل.
وكان معدل البطالة بين الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً يبلغ 3 بالمئة عند بدء الدراسة عام 1981، بينما يصل اليوم، وفق الأرقام التي استند إليها الباحثون، إلى 24 بالمئة، وهو ثاني أعلى معدل في الاتحاد الأوروبي.
برامج سوق العمل تقلل خطر المرض
لفت الباحثون إلى أن إجراءات سوق العمل النشطة التي كانت مطبقة خلال ثمانينيات القرن الماضي خففت من خطر تدهور الصحة النفسية لدى الشباب الذين كانوا معرضين للبطالة.
وظهرت الفائدة بصورة أوضح على المدى القصير، لكن الباحثين كتبوا أن “انخفاض خطر الإصابة بالمشكلات الصحية يبدو أنه يستمر حتى منتصف العمر”.
كما أوضحوا أن بعض الشباب يدخلون في حلقة متكررة من البطالة والوظائف غير المستقرة، الأمر الذي قد يزيد من تدهور أوضاعهم النفسية.
البيئة المدرسية تترك آثاراً حتى منتصف العمر
خلصت الدراسة إلى أن البيئة المدرسية الضعيفة، بما يشمل قلة تأثير الطلاب في حياتهم الدراسية وغياب التعلم الهادف وضعف العلاقات مع الزملاء، تزيد خطر الإصابة بمشكلات الصحة النفسية خلال سنوات المدرسة، وقد يستمر هذا الخطر حتى مرحلة البلوغ.
وأظهرت النتائج أن كثيراً من المشاركين الذين عانوا لاحقاً من البطالة كانت لديهم مشكلات نفسية منذ سن 16 عاماً.
ويرى الباحثون أن البيئة المدرسية تؤدي دوراً أساسياً في الوقاية من مشكلات الصحة النفسية، ولا سيما لدى الطلاب الأكثر عرضة للبطالة بعد انتهاء الدراسة.
وقارن الباحثون بين تأثير المدرسة وتأثير الظروف الأسرية، فوجدوا أن البيئة المدرسية السيئة كانت مرتبطة بآثار نفسية سلبية طويلة الأمد، في حين لم تظهر العلاقات الأسرية غير الجيدة الأثر المستمر نفسه في نتائج الدراسة.
وطرحوا تفسيراً محتملاً يتمثل في أن العلاقات العائلية قد تتحسن مع مرور الوقت، بينما يمكن أن تبقى التجارب السلبية في المدرسة بمثابة آثار نفسية يصعب تجاوزها.
الصحة المدرسية وتقليل أعداد الطلاب
أشارت الدراسة إلى أن الممرضات المدرسيات كن يلتقين بصورة متكررة بالفتيات اللواتي عانين من أسوأ أوضاع الصحة النفسية، وأصبحن عاطلات عن العمل بعد انتهاء الدراسة.
وبناء على ذلك، يرى الباحثون أن تحسين الوصول إلى خدمات الصحة المدرسية قد يزيد فرص اكتشاف المشكلات مبكراً واتخاذ إجراءات وقائية.
كما استشهدوا بتقرير صادر عن معهد تقييم سياسات سوق العمل والتعليم، أظهر آثاراً إيجابية طويلة الأمد لتقليل عدد الطلاب في الصفوف خلال المرحلة المتوسطة.
وشملت هذه الآثار تحسن المفردات والقدرات المنطقية والمهارات غير المعرفية، مثل المثابرة وتحقيق الذات، إضافة إلى ارتفاع المستوى التعليمي والأجور في مرحلة البلوغ.
وخلص الباحثون إلى أن تحسين البيئة المدرسية وتنفيذ إجراءات مبكرة لمواجهة بطالة الشباب يمكن أن يساهما في الحد من مشكلات الصحة النفسية وتحسين الصحة العامة على المدى الطويل.
دراسة أعدها ستة من أبرز الخبراء في المجال
أعد الدراسة ستة باحثين وخبراء هم الباحثة الأولى في معهد كارولينسكا والأستاذة الفخرية في الصحة العامة بجامعة أوميو آنه هامارستروم (Anne Hammarström)، التي قادت مشروع Luleåkohorten، إلى جانب الأستاذة الأولى في طب العمل والطب البيئي بمعهد كارولينسكا ماريا ألبين، وأستاذ الطب الاجتماعي الفخري بجامعة أوميو أوربان يانليرت، وأستاذ علم الأوبئة المتخصص في أبحاث التوتر بجامعة ستوكهولم هوغو فيسترلوند ، والمدير العام السابق للمعهد الوطني للصحة العامة (هيئة الصحة العامة حالياً) غونار أوغرين، وأستاذ الطب الاجتماعي الفخري بجامعة لوند بير أولوف أوستيرغرين.