Lazyload image ...
2012-06-06

مثّل عدوان الخامس من حزيران/يونيو 1967 حداً فاصلاً في تاريخ الصراع الفلسطيني والعربي – الإسرائيلي، فنتيجة الحرب الخاطفة التي شنتها إسرائيل بدت ظاهرياً "نصرا عسكريا مؤزراً"، باحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، مضافاً إليها شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، لكن هذا "النصر" أصبح لاحقاً مصدر خوف وقلق شديدين للإسرائيليين من إدامة الصراع وتحوله إلى صراع وجودي

مثّل عدوان الخامس من حزيران/يونيو 1967 حداً فاصلاً في تاريخ الصراع الفلسطيني والعربي – الإسرائيلي، فنتيجة الحرب الخاطفة التي شنتها إسرائيل بدت ظاهرياً "نصرا عسكريا مؤزراً"، باحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، مضافاً إليها شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، لكن هذا "النصر" أصبح لاحقاً مصدر خوف وقلق شديدين للإسرائيليين من إدامة الصراع وتحوله إلى صراع وجودي، وهذا ما عبّر عنه المفكر الإسرائيلي ميرون بنفنستي بالقول: "ليس بوسع الصهيونية الآن الاستمرار في تحقيق حلمها، فهي ضحية انتصارها، ضحية التاريخ لفرصة ضائعة".

لقد قدمت الحركة الصهيونية نفسها (كحركة تحرر وطني للشعب اليهودي)، ورسمت على الدوام صورة نمطية تظهر اليهود كـ"أقلية ضعيفة ومهدَدَة بالإبادة من عالم عربي متوحش"، ودأبت إسرائيل لاحقاً على تقديم نفسها كـ"واحة للديمقراطية في وسط بحر من الديكتاتورية الشرق أوسطية". إلا أن هذه الصورة سرعان ما تكشفت بعد الخامس من حزيران/يونيو 1967، لتحل مكانها صورة دولة احتلال مآلها اندحار تاريخي، يستشرفه الرئيس الأسبق للكنيست الإسرائيلي إبراهام بورغ في رثاء فجائي "إن ألفي سنة من الصراع انتهت إلى دولة من المستوطنات تديرها عصبة غير أخلاقية من الفاسدين.. لا بد أن تنهار بنية قائمة على القسوة الإنسانية..".

وما كان لإبراهام بورغ أن يصل إلى هذه النتيجة لولا المقاومة التي نهض بها الفلسطينيون على مدار سنوات الاحتلال الطويلة، رغم أن موازين القوى بقيت مختلة بشكل كامل لصالح إسرائيل، فالمقاومة أفقدت قوة البطش الإسرائيلية جدواها في تحويل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية. وهذا ما يوضحه حاييم هنغنبي الذي كتب: "أقول إننا كنا متسامحين أكثر من اللازم مع مقولات الحركة الصهيونية.. الأمر الذي أوقع اليهود في نمط استخدام القوة بغير حساب. وبدلاً من أن يدفعهم الصراع لموقف أخلاقي ونحو الحكمة، خلق لديهم إدماناً في استخدام القوة، ولكن هذه القوة استنفدت ذاتها. لقد وصلت هذه القوة إلى حدود قدرتها. ولذلك إذا بقيت إسرائيل دولة كولونيالية بطابعها فإنها لن تصمد، ففي نهاية المطاف ستكون المنطقة أقوى منها، والمظالم القائمة بالأساس ستكون أقوى منها، وكل من يأمل العيش على حد السيف سيجد نهايته بالسيف".

وإذ يبدي الكثيرون من دعاة السلام في إسرائيل معارضتهم للسياسات الليكودية كونها تضر بالمشروع الصهيوني، بل وتدمره، لا يرون مخرجا من مأزق الاحتلال والاستيطان التوسعي، الذي يلخصه الكاتب والناشط اليساري الإسرائيلي يهودا ليطاني بإيجاز: "محاولات الدحر والتجاهل ستتواصل هي الأخرى بلا جدوى، لم نتخلص منهم وهم لم يتخلصوا منا".

وللتقليل من خسائر دولة الاحتلال ينبه السفير الأميركي الأسبق في إسرائيل دان كيرتسر، وهو من كبار المؤيدين لإسرائيل، إلى أن هناك مسألتين تثيران قلق الإسرائيليين والأمريكيين جميعاً "الواقع الديمغرافي على الأرض، وإمكانية تحول الصراع السياسي الإقليمي هنا إلى صراع أيديولوجي مصيري لا يوجد فيه مكان إلا للمنتصر.."، ويضيف: "هناك علاقة بين هذين التخوفين، وكلّما بكرنا في حل الدولتين المعقول سيساعد ذلك في حل المعضلة الديمغرافية، وتقليص التهديد الكامن في تحول الصراع إلى مواجهة وجودية بين الشعبين".

وعموماً، هناك شبه إجماع لدى جميع تيارات الحركة الصهيونية على أن إسرائيل باتت تعيش أزمة عميقة، استمرارها يعني المضي نحو أزمات أشد تُخرج الصراع عن نطاق السيطرة، ويمكن تصنيف اتجاهات الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي في ثلاثة اتجاهات رئيسية إزاء البحث عن مخرج من مأزق الاحتلال، وإيجاد تسوية سياسية مع الفلسطينيين:

الاتجاه الأول يدعو إلى الاستمرار في سياسة "الانفصال عن الفلسطينيين من جانب واحد" في ظل تعذر تسوية سياسية مع الفلسطينيين مقبولة إسرائيلياً بشروطها المعروفة.

الاتجاه الثاني يدعو إلى أن يكون الانسحاب على قاعدة اتفاق حل وسط مع الفلسطينيين، وبهذا فهم يرفضون الانفصال الأحادي، رغم اتفاقهم مع التيار الأول بأن أي حل وسط مقبول إسرائيلياً لن يتضمن الانسحاب من كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكنهم في الوقت ذاته يرون في الجمود السياسي خطراً كبيراً، لذلك يدعون إلى إعادة الروح للعملية التفاوضية.

الاتجاه الثالث يقول بعدم إمكانية الانفصال عن الفلسطينيين مرة أخرى، ويقف جناحا هذا الاتجاه على طرفي نقيض، فغلاة اليمين يرون في إخلاء المستوطنات خيانة عظمى وتقويضاً للمشروع الصهيوني. أما الجناح الثاني من دعاة عدم إمكانية الانفصال فيرون أن واقع الاحتلال أنشأ وضعاً يصعب العودة عنه، مما جعل شر ثنائية القومية قدراً لا مفر منه.

على الضفة الأخرى للصراع، ثبَّتت المقاومة الفلسطينية بالتراكم معادلة جديدة في الفهم الرسمي العربي للصراع مع إسرائيل، تقوم على الإقرار بخصوصية الدور الذي يجب أن ينهض به الفلسطينيون في مقاومة الاحتلال وتحرير وطنهم، وحقهم في تقرير مصيرهم، دون وصاية أو استلاب. وتعمق هذا الفهم بعد عدوان الخامس من حزيران/يونيو 1967، حيث شكّل دعم العمل الفدائي الفلسطيني الرد المباشر من الشعوب العربية على الهزيمة المرة، فنمت المقاومة الفلسطينية، وهو ما مهد لاحقاً لنقلة نوعية في الفكر السياسي الفلسطيني، دلَّلت على نضج وفهم دقيق لموازين القوى الإقليمية والدولية، وحاجة الثورة الفلسطينية إلى خطة عمل ملموسة لتركيز قواها على المهمات المباشرة، وتحديد مهمتها الرئيسية بالنضال من أجل تحرير المناطق الفلسطينية المحتلة في العام 1967، وضمان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

وبذلك استطاعت المقاومة الفلسطينية إعطاء إجابات واضحة على جهود التسوية السياسية، ونزع فتيل الصدام مع المجتمع الدولي. وأقر المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة عشرة حزيران/يونيو 1974 البرنامج المرحلي الفلسطيني، الذي بات في الدورة الثالثة عشرة للمجلس كانون الثاني/يناير 1979 البرنامج السياسي الرسمي للثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وحقق البرنامج المرحلي اختراقات سياسية ودبلوماسية مهمة، أبرزها قرار مؤتمر القمة العربي العادي – الرباط تشرين الثاني/نوفمبر 1974- باعتماد منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. وقرار الأمم المتحدة (3237) – 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974- الذي مُنحت م.ت.ف بموجبه مركز مراقب دائم في الأمم المتحدة.

وبغزو إسرائيل للبنان صيف العام 1982 انتقل ثقل العملية النضالية إلى داخل المناطق الفلسطينية المحتلة في العام 1967، ليدخل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي مرحلة جديدة كلياً، كانت علامتها الفارقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انفجرت في 9 كانون الأول/ديسمبر 1987، واتخذت طابع المقاومة الجماهيرية المنظمة والمتواصلة، لتفكيك مرتكزات السلطة المدنية التابعة لسلطة الاحتلال العسكري الإسرائيلي.

وبعد فشل العملية التفاوضية على المسار الفلسطيني –الإسرائيلي، وفشل محاولات إحيائها، يتأكد اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن إسرائيل لا تستطيع أن تقرر وحدها حلاً يحقق لها أهدافها التوسعية، وعليها أن تختار بين المضي قدماً في مشروعها الاستيطاني التوسعي وبين السلام، بمعنى آخر مواصلة الصراع بمزيد من الحروب، أو وضع حد له بإنهاء احتلالها لكامل الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة في عدوان الخامس من حزيران /يونيو 1967.

ومثلما بدأنا مع ميرون بنفنستي نختم معه: "لا يمكن لمجتمع أن يظل مؤسساً على أراضي النهب والاحتلال، وإذا لم تغير الصهيونية أساسها الأيديولوجي فقد حُكِم عليها بالزوال..".‏

عامر راشد

أنباء موسكو

5 يونيو 2012

Related Posts