الكومبس – خاص: تنهيدات تخفي في أعماقها، ذكريات الأهل والوطن وتتعالى فيها أوجاع الشوق وحسرة الفراق، مشاعر تتشابه بشكل أو بآخر بين العديد من المقيمين العرب هنا في السويد، لاسيما القادمين الجدد منهم، عندما تتناول معهم جوانب الحديث عن مايعنيه لهم رمضان في حياتهم الجديدة، وقد أقبل عليهم الشهر الفضيل من جديد بعيدا عن رؤية أقرب الناس اليهم.
السائر في مركز تسوق منطقة شيستا في العاصمة ستوكهولم، يصادف العديد من المقيمين واللاجئين من دول شرق أوسطية مختلفة، دفعتهم ظروف الحرب وعدم الاستقرار، إلى ترك بلدانهم.
والكثير ممن حاولنا أن نجري معهم أحاديث عن انطباعاتهم حول قدوم الشهر الفضيل وهم بعيدين عن أوطانهم، حاولوا كبت مشاعرهم بل الغالبية، فضّل عدم الحديث كي لاتفضحهم دموع أعينهم، لما يحمله رمضان من ذكريات عندهم، ذكريات قد تتعلق بشقيق فقد في الحرب هنا، أو بيت عائلة تدمر هناك والكثير الكثير، كما هو حال السيدة أم أحمد، التي طلبت منا أن نناديها بهذا الأسم، وهي القادمة من سوريا، والتي قالت لنا عندما طرحنا السؤال عن انطباعاتها حول الشهر الكريم (ليش بدك تفتحلنا جروحنا)؟
وبغصة وصوت مرتجف تتابع، هذا ثاني رمضان يمر عليّ وأنا محرومة من رؤية أهلي وبالأحرى لا أعرف عنهم شيئا، منذ أن تركت أنا وأولادي منطقتنا في حمص، وتضيف: “رمضان هو الأهل ولمّة العائلة حول المائدة، أما هنا فالفرحة تبقى منقوصة بقدوم الشهر الكريم، فقد تعودنا كل رمضان حتى في أولى سنوات الحرب في سوريا، أن نقضي أوقات الإفطار مع بعضنا، سواء في منزل عائلة زوجي أو أهلي، كان هناك فرحة، رغم سماعنا أحيانا صوت الرصاص، تختم أم أحمد حديثها معنا بالقول: “لمّة العائلة تعطي رمضان رونقه الجميل”.
رمضان في الـ “كامب “
كلام ربما لا يختلف معه أحد ومنهم يافا، الشابة الفلسطينية التي أتت من مخيم اليرموك قبل سنة ونصف، تعتبر أنها عاشت شهر رمضان العام الماضي هنا وقد مر عليها كأي شهر آخر، لأنها لم تشعر بخصوصيته وتقول: رمضان في كامب ليس كرمضان مع أبويك وأخوتك، وليس كرمضان مع عزيمة خالك أو عمك.
وترى يافا، أنها لا تعرف كيف سيمر عليها رمضان مجددا هذا العام، معتبرة أنه لن يكون صياما عن الطعام والمعاصي فحسب، بل صياما عن مشاعر الشوق والحسرة، التي تفرغ كل شيء جميل من معانيه.
“لا بد من التأقلم”
من جانبه، يرى حاتم المظفر العراقي المقيم في السويد منذ 4 سنوات، أنه بالرغم من أن شهر الصيام لا يحلو إلا مع العائلة، لكن لابد للإنسان أن يتأقلم مع الظروف التي يرغم عليها المرء، ويقول إن رمضان المبارك قد يكون الوسيلة الأفضل لذلك.
ويعتبر أن الشهر الكريم بالنسبة له، ليس كما كان قبل أربع سنوات عندما كان يعيش في العراق مع الأهل والأصدقاء، قائلا: كان له لذته الخاصة حتى في ظل الظروف الأمنية التي مر ويمر بها العراقيون.
لكن هنا وفي ظل غياب الطقوس الرمضانية، إلا أن حاتم استطاع أن يخلق بعضا من الأجواء الرمضانية التي تعود عليها في بلده، ويضيف أنه من خلال التعرف على الأصدقاء من جنسيات عربية مختلفة “حاولنا أن نعيش رمضان بصورة أقرب لما هو في بلداننا”، من خلال إقامة وجبات الإفطار المشتركة والذهاب إلى المسجد وحتى في التجمع في المقاهي ليلا بصحبة الأصدقاء وقضاء الوقت سوية. ويقول: ماذا علينا أن نفعل فالحياة يجب أن تستمر.
“رمضان أجمل في بلدي”
أما سليم الحيمود، وهو مغربي مقيم مع عائلته في السويد منذ 7 سنوات، فيعتبر أنه مع مرور السنوات بدأ يتعود على قضاء الشهر الفضيل بعيدا عن الطقوس التي كان يعيشها في المغرب، يقول لنا، إنه بالرغم من أنه يعيش مع والديه وأخوته هنا، إلا أن لرمضان في بلده الأصلي نكهة خاصة، نكهة موجودة في كل حي وفي كل شارع، فرائحة الطعام قبل موعد الإفطار التي كنت تشمها من منزل هذا الجار أو ذاك، غير موجودة هنا في السويد، وهذا أمر طبيعي حسب قوله، فهنا لا يوجد من يطرق باب بيتك ويقول لك تفضل هذا الصحن من الطعام قد” اشتهته أمي لكم على الافطار”، ولا يوجد من يناديك من أصحابك في وقت متأخر، من أجل الذهاب إلى إحدى المقاهي لشرب الشاي والنرجيلة قبل أن يحل موعد السحور، ولكن سليم كما يقول قد تعود على أن يكون بعيدا عن هذه الأجواء هنا في السويد، وإن كان يشتاق إليها كثيرا.
سميرة: “لن يكون مثل رمضان بلدي”
شوقٌ قد يكون مضاعفاً لدى سميرة، اللاجئة السورية الجديدة في السويد، التي حدثتنا وطفلها الصغير بين يديها، عن رمضان وطعمه الخاص في سوريا، وبتنهيدة تقول: ماذنب هذا الطفل أن يربى محروما من رؤية أهل أبيه وأهل أمه، بسبب حرب لاتعرف كبيراً ولا صغيراً؟
تضيف أنه مع حلول الشهر الفضيل، يزداد ألم الشوق والحنين، لما يحمله هذا الشهر من ذكريات العائلة والجيران، خاصة أنه أول رمضان ستقضيه سميرة في السويد، مضيفة أنه من المحزن أن لا تجد معك حول مائدة الافطار من تعودت على رؤيتهم، فرغم بساطة الحال إلا أن لمّة العائلة تغني عن الكثير من الأشياء.
تتابع لا أعرف كيف سيمر الشهر عليّ هنا، لكن كل ما أعرفه أنه لن يكون نفس رمضان الذي تعودنا عليه حتى في ظل الحرب، فرائحة وجبات الافطار مع الأهل، كانت تطغى على رائحة البارود القوية.
هاني نصر