سوريون في الدنمارك يتظاهرون أمام السفارة السويدية في كوبنهاغن. لوحة كتب عليها "أين حقوق الإنسان في الدنمارك؟"
سوريون في الدنمارك يتظاهرون أمام السفارة السويدية في كوبنهاغن. لوحة كتب عليها "أين حقوق الإنسان في الدنمارك؟"
2021-06-04

أقرت الدنمارك قانونا يتضمن تشديد إجراءات اللجوء من ضمنها إقامة مراكز استقبال خارج الاتحاد الأوروبي لفحص طلبات اللجوء. القانون الجديد أثار الكثير من الانتقادات. خبراء وحقوقيون يتعبرونه “غير إنساني”، و سياسة “بلا ضمير”.تعتبر الدنمارك أول دولة في الاتحاد الأوروبي تقر قانوناً في البرلمان ينص على إسناد إجراءات طالبي اللجوء إلى دول ثالثة في المستقبل. وبموجب ذلك يجب على طالبي اللجوء تقديم طلب على الحدود الدنماركية حتى يتم نقلهم جواً إلى مراكز الاستقبال في بلدان أخرى، حيث سينتظرون بعد ذلك حتى يتم الانتهاء من إجراءات اللجوء الخاصة بهم. لكن الدنمارك لا يزال ليس لديها شركاء في مشروعها هذا.

اتخذت الحكومة في كوبنهاغن مساراً صعباً بشكل خاص في التعامل مع اللجوء والهجرة لسنوات. وكانت قد أعلنت مؤخراً العاصمة السورية دمشق منطقة آمنة لترحيل لاجئي الحرب من سوريا إلى هناك. وتعتمد رئيسة الوزراء ميتي فريدريكسن المعادية للهجرة “عدم وجود أي طالب لجوء في الدنمارك” هدفاً لسياستها.

وتنتهج حكومة وسط اليسار الدنماركية حالياً سياسة هجرة هي من الأكثر تشدداً في أوروبا، وتتضمن سحب الإقامة من بعض السوريين لاعتبار المناطق التي يتحدرون منها باتت آمنة، وتشديد قانون مضاد لقيام غيتوات يرمي إلى تحديد سقف لعدد السكان “غير الغربيين” في الأحياء، واعتماد هدف رسمي يقضي بالتوصل إلى “صفر مهاجرين”.
وهذا لا يعني بالضرورة أن المهاجرين الذين يعتبرون في حاجة إلى اللجوء سوف يتمكنون من السفر إلى الدنمارك بعد ذلك. وبدلاً من منحهم اللجوء سوف يبقون في البلد الذي قدموا فيه الطلب أو سوف ينقلون إلى أحد مخيمات اللجوء التابعة للأمم المتحدة.

معسكر في أفريقيا؟

انتقد الاتحاد الأوروبي الخطط الجديدة للحكومة الدنماركية قائلاً: “إننا نشارك المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مخاوفها. إذ أن معالجة إجراءات اللجوء في الخارج تشكك بشكل أساسي في إمكانية الحصول على الحماية، الأمر الذي لا يتطابق مع قانون الاتحاد الأوروبي أو الميثاق الجديد بشأن الهجرة”. وأوضح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أنهم يريدون دراسة وتحليل القانون الدنماركي بشكل معمق أكثر واتخاذ قرار بشأن خطوات أخرى.

وقد رفض بشدة هنريك نوردنتوفت، ممثل وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الإقليمي في دول الشمال والبلطيق الخطة الدنماركية، حيث قال إنها تتعارض مع مبادئ التعاون الدولي بشأن اللاجئين، واضاف “يإقرار مثل هذا التغيير الجذري والمقيّد في التشريع، تخاطر الدنمارك بالتسبب بتأثير الدومينو في دول أوروبية أخرى، والتي من المحتمل أيضاً أن تحقق في إمكانية الحد من حماية اللاجئين على أراضيها.”

تحاول الدنمارك الآن تنفيذ فكرة سبق أن تم طرحها للنقاش الأوروبي. ومع ذلك، فإن جميع الرحلات التي قام بها السياسيون المهتمون إلى المغرب وتونس والجزائر، الذين ظهروا كشركاء مناسبين، باءت بالفشل. ورفضت منظمة الهجرة واللجوء التابعة للأمم المتحدة، المنظمة الدولية للهجرة، دعم هذه السياسة وتبين أن المشاكل العملية والقانونية لا يمكن التغلب عليها في النهاية.

وتستخدم الحكومة في كوبنهاغن الآن هذه المناقشات السابقة وتجادل بأن نظام اللجوء الحالي غير إنساني، وأنه يضع اللاجئين تحت رحمة المهربين ومخاطر الرحلة عبر البحر الأبيض المتوسط ​​التي تهدد حياتهم. كما أعلن وزير الهجرة ماتياس تسفاي، وهو نفسه ابن مهاجر إثيوبي في الدنمارك: أنه “يجب بالطبع وضع نظام لنقل طالبي اللجوء ضمن القواعد الدولية”. وقال أيضاً: “كانت الدنمارك صريحة وصادقة من اليوم الأول. أوضحنا للاجئين السوريين أن تصاريح إقامتهم مؤقتة، ويمكن إلغاء التصريح إذا لم تعد هناك حاجة للحماية”.

“قانون غير إنساني للغاية”

ذكرت وسائل إعلام دنماركية أن مصر وإريتريا وإثيوبيا قد تكون دولاً شريكة محتملة للدنمارك. ومع ذلك، تبين أن صفقة مزعومة مع رواندا كانت عبارة عن خدعة سياسية. إذ سافر الوزير تيسفاي إلى كيغالي في نيسان/ أبريل ووقع اتفاقية هناك، ثم قدمها للعامة على أنها اتفاقية بشأن معسكرات طالبي اللجوء. ولكن حتى الآن، لم توافق أي دولة على إنشاء أحد مراكز اللجوء هذه.

ومن جهته وصف الباحث في شؤون الهجرة مارتن ليمبيرغ بيدرسن من جامعة كوبنهاغن القانون الجديد بأنه “غير إنساني للغاية ويؤدي إلى نتائج عكسية. والمقلق هو أنه مغلف في حجة شبه إنسانية”. واضاف أنه منذ عام 2014 ، رحلت إسرائيل آلاف اللاجئين من السودان وإريتريا ودفعت للحكومة في كيغالي 5000 دولار مقابل استقبال الفرد الواحد. لم يتلق الناس في رواندا أي مساعدة وهرب معظمهم مرة أخرى، وفقاً للباحث بيدرسن.

علاوة على ذلك، للقانون الجديد تأثير على نظام اللجوء بأكمله في الدنمارك، والذي يُنظر إليه بشكل متزايد من منظور السجون والترحيل القسري وإجراءات الشرطة الشمولية. وقال بيدرسن: “لقد هيمن منطق الردع على سياسة الهجرة في الدنمارك لعدد من السنوات”.

سياسة “دون ضمير”

لا تستطيع عضوة البرلمان الأوروبي مارغريت أوكن تفسير التغيير السياسي لزميلها السابق في الحزب تسفاي. لقد تحول من حزب الخضر إلى الاشتراكيين الديمقراطيين ومنذ ذلك الحين أصبح ملزمًا بالانضباط الحازم ضمن التوجه. لكن ميته فريدريكسن تحاول “الاقتراب قدر الإمكان من حزب الشعب الدنماركي” من أجل استمالة الناخبين اليمينيين.
تنتقد أوكن هذه السياسة وتصفها بأنها تفتقر إلى التضامن وبأنها مخزية. وتؤكد أنه يجب حل مشاكل سياسة اللجوء من خلال التضامن الأوروبي. وتوضح النائبة البرلمانية أن خطوات كهذه “تجردنا من مصداقيتنا وتضر بالتحالفات السياسية”. فاللاجئون السوريون، على سبيل المثال، سوف يتوجهون إلى ألمانيا والسويد إذا هددت الدنمارك بطردهم.
وتصف شارلوت سلينتي المسؤولة في المجلس الدنماركي للاجئين الاستعانة بجهات خارجية لتولي مسؤولية طالبي اللجوء بأنه تصرف “غير مسؤول ويظهر انعدام التضامن”. فقد أسفرت نماذج مماثلة كالتي جرت في أستراليا أو في اليونان عن حوادث تصعيد خطير وعنف جسدي بالإضافة الى بطء إجراءات اللجوء وعدم الحصول على الرعاية الصحية والمساعدة القانونية. وتوضح المنظمة أنه “من غير الواضح أيضًا كيف سيتم إدارة مركز استقبال اللاجئين في بلد ثالث، حيث أن الدنمارك مسؤولة عن حماية حقوق طالبي اللجوء واللاجئين”، خاصة وأن الدنمارك ستمول تلك المراكز ولكن الادارة ستوكل للدولة ثالثة.
وقالت سلينتي إن “الحقيقة تكمن في أن البرلمان أقر قانونًا لنموذج محتمل لإجراءات لجوء غير موجودة، وبالتالي فإننا لا نعرف كيف سيبدو على أرض الواقع”، فقد صوت البرلمان بشكل أعمى على هذه الاجراءات في وقت حذرت فيه منظمة العفو الدولية من أن أي محاولة من جانب الدنمارك لإرسال طالبي لجوء إلى بلد ثالث ليست “عديمة الضمير فحسب، بل من المحتمل أن تكون غير قانونية”.

ولم يحصل سوى 761 شخصا على حق اللجوء في 2019، وتراجع هذا العدد إلى 600 في 2020، مقابل أكثر من عشرة آلاف عام 2015. وهذا يعني أن نسبة استقبال اللاجئين على عدد السكان الإجمالي في الدنمارك، أدنى بعشر مرات منها في ألمانيا والسويد المجاورتين.

من جانبه قال الأمين العام لمنظمة “أكشن إيد دنمارك” غير الحكومية تيم وايت “هذا المشروع هو استمرار لسياسة رمزية، إنه أشبه بدونالد ترامب وجداره”، في إشارة إلى الرئيس الأميركي السابق الذي انتخب على وعد ببناء جدار على الحدود مع المكسيك لم يتحقق في نهاية المطاف. وتفيد أرقام المعهد الوطني للإحصاءات أن 11 في المائة من سكان الدنمارك (5,8 مليون نسمة) من أصل أجنبي، و58 في المائة منهم يتحدرون من بلد “غير غربي”.

باربارا فيسل/ ريم ضوا (ع.ج.م)

ينشر بالتعاون بين مؤسسة الكومبس الإعلامية و DW

Related Posts