الكومبس – منبر: مظاهرة نازية ومظاهرات مضادة شهدتها العاصمة السويدية أمس السبت (12 نوفمبر 2016) النازيون المنتمون إلى ما يسمى “حركة المقاومة الشمالية” Nordiska motståndsrörelsen تجمعوا بإذن من السلطات السويدية، في ساحة Mynttorget التي يطل عليها البرلمان السويدي من جهة وقصر الملك من الجهة الثانية الشرطة التي توفرت بأعداد كبيرة تكاد تشابه أعداد المتظاهرين أنفسهم، أغلقت مداخل الساحة والطرق المؤدية لها، وأغلقت طرقا عديدة تحسباً لأي احتكاك بين المشاركين بالمظاهرتين.
على مداخل هذه الساحة التي أفرغت وعزلت وتم تأمين حمايتها من قبل الشرطة، حسب الدستور الذي يضمن للجميع ممارسة حرية التعبير، وقف آلاف (بحدود 4 آلاف) المتظاهرين المعترضين على وجود النازيين في شوارع مدينتهم، شباب وشبان في مقتبل العمر يهتفون بحماس وحيوية ضد العنصرية والنازية، ويطالبون بـ “تنظيف” مدينتهم من النازيين.
من بين جموع هؤلاء المندفعين لمواجهة تفشي الفكر النازي والمطالبين بـ “سحق النازية” حسب شعارتهم، تكاد لا تجد أي ملامح شرقية أو غير سويدية، للوهلة الأولى تطمئن لهذا المشهد، الذي يعبر عن رفض المجتمع السويدي للعنصرية ولكراهية الأجانب، ولكن وللوهلة التالية، تفكر بسؤال مهم: أين هم الضحايا المستهدفين من هذا الفكر الخطير؟ أليس المجتمع السويدي هو مجتمع متعدد الثقافات؟ وأن الأجانب يشكلون نسبة تكاد تصل الى 20% من السكان؟ أين هم على الأقل، ممثلين عن هؤلاء العشرين بالمئة في هذه المظاهرة المهمة؟
الطامة الكبرى ليست هنا فقط، بل بما تسمعه وتقرأه من تعليقات باللغة العربية، تساند وتآزر النازيين بكل صراحة ووضوح. صراحة ووضوح التعليقات تجلت أيضا بين “تفهم” البعض وتعاطف البعض الآخر مع النازيين.
المفارقة التي من الصعب أن تجد لها تفسيراً مقنعاً تتمثل في مشاهدة شاب أو صبية سويدية الشكل والملامح والطابع، في يوم عطلة بارد، تصرخ وتصيح بأعلى صوتها للدفاع عن ضحية مستهدفة هي وأطفالها، فقط لأن شكلهم أو أسمائهم لا توحي بصفاء عرقهم السويدي، بينما هذا “الضحية” مختبئ في بيته وينعم بالدفء والراحة، ويتعاطف مع جلاده ومع من يكرهه.
في بعض الأحيان تتملكك الشفقة على هؤلاء الضحايا المتعاطفون مع جلادهم، لأنك تتفهم أن أغلبهم لا يفهمون ما معنى النازية ولم يذوقوا طعهما أو لم يتعلموا من الدروس حول تاريخها الأسود.
البعض من هؤلاء المتعاطفين مع الأحزاب النازية ومع الشعارات التي يرفعونها، يعتقدون أن كرههم المشترك لمجموعة ما يمكن أن يجعلهم في موقع الحليف مع هذه الأحزاب او أن يعفيهم من خطر هذا الحليف المفترض لاحقاً.
من الطبيعي أن تحدد حاليا هذه الأحزاب والمنظمات النازية أعدائها على مقياس الأهداف والأجندات السياسية التي وضعتها لنفسها، فموجة العداء الآن محددة بالمسلمين، ويجري التركيز عليهم، وبتصعيد خطر “الإسلاموفوبيا” وكأن المسلمين لم يذوقوا طعم الإرهاب والظلم والسيطرة مثلهم مثل بقية سكان الشرق، ولكن الدور قادم على الجميع، بما فيهم أيضا اليهود السويديين، وجميع الأقليات.
أصوات عديدة بدأت تتعالى الآن لمنع ما يسمى بـ “العنصرية المنظمة” في السويد أي بضرورة منع إعطاء صفة قانونية وسياسية لأي تنظيم او جماعة تحرض على الكراهية والعنصرية، بما فيها التصريح بتأسيس الأحزاب وبالمظاهرات وغير ذلك.
الأمين العام السابق للصليب الأحمر السويدي بيتر نوبل والذي يحمل دكتورا بالقانون الدولي كتب أمس مقالا تناول فيه الحجج التي تمنع حظر “العنصرية المنظمة” ودعا إلى سن تشريع يحل هذه الأحزاب والمنظمات ووقف نشاطاتها، ونفى أن يكون هناك مخاوف من ذهاب النازيين إلى العمل السري “تحت الأرض” في حال منعهم من مزاولة العمل السياسية والجماهيري، مقارناً بين الأعمال النازية وبين أي عمل إجرامي يحرمه القانون.
مرة أخرى نعود إلى مفارقة الضحية والجلاد، لنعتبر أن الحديث عن النازية وخطرها يتطلب نقاشات عديدة وحوارات على عدة مستويات، والكومبس تفتح صفحاتها دائما لأي نقاش مفيد وفعال.
د. محمود صالح آغا
رئيس تحرير شبكة الكومبس