Lazyload image ...
2012-06-08

طالعنا محاورو حركتي "فتح" و"حماس" في ختام جولتهم الأخيرة، التي انعقدت في القاهرة، بتصريحات تؤكد أن "الأمور تمضي بسلاسة، وبمنتهى الإيجابية، وفق ما هو متفق عليه مسبقاً.."، وأن الحديث عن وجود خلافات "كلام فارغ ولا يستحق الرد"، وذلك حسب ما صرح به رئيس وفد حركة "فتح" إلى الحوار عزام الأحمد.

طالعنا محاورو حركتي "فتح" و"حماس" في ختام جولتهم الأخيرة، التي انعقدت في القاهرة، بتصريحات تؤكد أن "الأمور تمضي بسلاسة، وبمنتهى الإيجابية، وفق ما هو متفق عليه مسبقاً.."، وأن الحديث عن وجود خلافات "كلام فارغ ولا يستحق الرد"، وذلك حسب ما صرح به رئيس وفد حركة "فتح" إلى الحوار عزام الأحمد.

مع شكرنا وتقديرنا للقيادي الفلسطيني عزام الأحمد الذي عودنا في كل جولات الحوارات السابقة على التصريحات المتفائلة، وشكرنا وتقديرنا أيضاً للقيادي الفلسطيني في حركة "حماس" الدكتور محمود الزهار، الذي يطلُّ علينا بتصريحات عكس تصريحات الأحمد، نقول للأسف: تختزن ذاكرة الفلسطينيين كيف تبدّد تفاؤلهم بعد كل محطة من محطات ماراثون حوارات المصالحة الفلسطينية، بدءاً من حوارات القاهرة في العام 1999، إلى حوارات رام الله وغزة 2002-2004، فمباحثات دمشق وإعلان القاهرة 2005 ووثيقة الأسرى للوفاق الوطني 2006، واتفاق مكة المكرمة 2007، وصولاً إلى اتفاق الدوحة 2011 وما تلاه من لقاءات في القاهرة مازالت تتابع فصولاً. ولهذا فإن المزاج السياسي الفلسطيني يظل أقرب إلى تصديق تشاؤم الدكتور الزهار في تعليقاته على نتائج الحوارات، وآخرها قوله في ندوة سياسية نظمتها وزارة شؤون المرأة بالحكومة الفلسطينية المقالة "يستحيل توحيد البرامج السياسية بين حركتي فتح وحماس"، وهو يعبر في ذلك عن قناعة الشريحة الأوسع من قيادة "حماس" في قطاع غزة.

ولأن الشيطان كما يقال "يكمن دائماً في التفاصيل"، سقطت الاتفاقيات السابقة بين حركتي "فتح" و"حماس" في فخ التحايل على الجوهر السياسي للانقسام الداخلي الفلسطيني، والموقف من المفاوضات مع إسرائيل، وإعادة تدوير الخلافات حول توحيد الأجهزة الأمنية في الضفة وغزة، وتطوير وتفعيل بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. ولا تبدو حظوظ الاتفاق المنتظر بين الحركتين أوفر من سابقاته، حيث أكدت مصادر مصرية مواكبة للحوار أن "الخوض في التفاصيل سيشكل إشكالية كبيرة لكلا الجانبين، بل قد يسبب تراجعاً على صعيد المصالحة، خصوصاً الجانب الأمني منها الذي هو من القضايا الشائكة، لذلك فإن معالجتها والخوض فيها الآن أمر مستبعد". وأوضحت المصادر أن "الأوضاع في غزة وفي الضفة ستظل كما هي، لكن تحت مظلة حكومة وحدة.." مضيفة: "إن مهام حكومة التوافق الوطني محددة، فهي معنية بشكل أساسي بإنجاز الانتخابات، والشق الأمني ليس من مهامها..".

تسريبات المصدر المصري تتقاطع مع معلومات خاصة بأن المسكوت عنه في اتفاق الحركتين سيكون أكبر من المصرح به، وأن الاتفاق سيبقي على الانقسام المؤسسي والكياني بين رام الله وغزة ويُركِّبُ عليه طربوش حكومة تكنوقراط مهمتها اليتيمة التحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية في حقول من الألغام قد تنفجر في أي لحظة، أو بالأحرى قد تُجفَّر من قبل أحد الطرفين إذا اعتقد أن مصلحته تقتضي ذلك.

فالانتخابات الرئاسية والتشريعية التي يجري تسويقها كحل سحري للانقسام السياسي والكياني الفلسطيني، هي حل سحري بالفعل، لكن ليس لوأد الانقسام، بل لتكريسه في حال لم تُعقد الانتخابات على أرضية توافق سياسي وطني واسع أخذاً بقوانين مرحلة التحرر الوطني، والتي دونها تبقى اتفاقات المصالحة مناورات لإدارة الأزمة تنقلها إلى أطوار أشد تعقيداً، وربما تتخللها معارك دموية كتلك التي وقعت في أيار/مايو 2007 في قطاع غزة، وانتهت بفرض سيطرة "حماس" عليه، وتنازع الحكومة المقالة فيه مع حكومات رام الله.

ويخطئ من يظن أن ترك التفاصيل للزمن يساهم في تبريدها وحلها، حيث جرِّب هذا في الاتفاقات السابقة وفشل بامتياز، فملف توحيد الأجهزة الأمنية، على سبيل المثال لا الحصر، العقدة فيه ليست إدارية، بل في العقيدة الأمنية التي بموجبها سيعاد بموجبها بناء الأجهزة، وهذا يرتبط بالتفاهمات الموقعة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بإشراف أميركي للتنسيق بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية ونظيرتها الإسرائيلية. والعقدة في تفعيل وتطوير مؤسسات منظمة التحرير ليست في مقدار الحصة التي ستعطى لحركة "حماس" وحركة "الجهاد الإسلامي" بالمؤسسات، بل في ما تطالب به الحركتان من تعديلات على البرنامج السياسي للمنظمة.

كم نوّد أن نكون إلى جانب السيد عزام الأحمد في تفاؤله، وأن نخطئ الدكتور الزهار في تشاؤمه، إلا أن الواقع يبقى هو الواقع.. اتفاق "فتح" و"حماس" منقوص ومسكون بشياطين تفاصيل خلافية، تجعل الانتخابات الرئاسية والتشريعية آخر همِّ الفلسطينيين، وترانا في هذا الحيز أيضاً مع دعوة الزهار لتأجيلها، لأن الانتخابات في ظل الوضع القائم مغرمها غالب على مغانمها.

عامر راشد

أنباء موسكو

8 يونيو 2012

Related Posts