الكومبس – صحافة: نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقال رأي لباحث في شؤون الإبادة الجماعية، اعترف فيه بأنه قاوم الاعتراف بحقيقة ما تفعله إسرائيل في غزة لأطول فترة ممكنة، لكنه لم يعد قادرًا على إنكار الواضح.

وقالت الكاتبة كاتلين جونستون على مدونتها اليوم، إن نشر هكذا مقال هو اعتراف كان من الممكن أن يصدر عن نيويورك تايمز نفسها.

وفي مقال بعنوان “أنا باحث في الإبادة الجماعية. وأعرفها حين أراها”، كتب البروفيسور عمر بارتوف، أستاذ دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة براون، أن “إسرائيل تحاول حرفيًا محو الوجود الفلسطيني في غزة”، وانتقد زملاءه من باحثي الهولوكوست لعدم اعترافهم بالواقع.

“لقد أصبح استنتاجي الذي لا مفر منه هو أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني”، كتب بارتوف. “لقد نشأت في بيت صهيوني، وعشت النصف الأول من حياتي في إسرائيل، وخدمت في الجيش الإسرائيلي كجندي وضابط، وأمضيت معظم مسيرتي المهنية في البحث والكتابة عن جرائم الحرب والهولوكوست. كان هذا استنتاجًا مؤلمًا توصلت إليه، وشيئًا قاومته لأطول فترة ممكنة. لكنني أعلم دروسًا عن الإبادة الجماعية منذ ربع قرن. أستطيع التعرف عليها حين أراها”.

وحسب الكاتبة جونتسون فإن مقاومته هذه كانت واضحة سابقًا. ففي نوفمبر 2023، كتب بارتوف مقالًا آخر لـ نيويورك تايمز قال فيه:

“بصفتي مؤرخًا للإبادة الجماعية، أعتقد أنه لا يوجد دليل على أن إبادة جماعية تحدث حاليًا في غزة، رغم أنه من المحتمل جدًا وقوع جرائم حرب، بل وجرائم ضد الإنسانية.”

وقالت جونتسون، يبدو أنه يرى الدليل الآن، وتوقف عن مقاومة ما كان واضحًا منذ البداية. ويبدو أيضًا أن محرري السيدة الرمادية (Gray Lady، لقب نيويورك تايمز) قد توقفوا عن مقاومتهم بدورهم.

تحوّل في الموقف بعد انحياز طويل لإسرائيل

ولطالما اتُهمت نيويورك تايمز بانحيازها الموثّق لصالح إسرائيل، وقد تجنبت بشكل محموم استخدام كلمة “إبادة جماعية” منذ بداية الهجوم على غزة. حتى في مقالات الرأي والتحليلات، كان الإطار المسموح به للنقاش يقف عند اعتبار الأمر مسألة معقدة تتطلب “جدالًا دقيقًا”، مع عناوين مثل:

• “إسرائيل متهمة بالإبادة الجماعية، والإسرائيليون يرون الأمر قلبًا للواقع. الفلسطينيون يرون العدالة.”

• “المعركة المريرة على معنى كلمة إبادة جماعية.”

وفي الوقت نفسه، شاهدنا عناوين مثل “من رماد إبادة جماعية قديمة، قد تظهر إبادة جديدة” عند الحديث عن السودان.

وتقول كاتلين جونستون إنه فقًا لمذكرة داخلية حصل عليها موقع The Intercept العام الماضي، طُلِب من صحفيي نيويورك تايمز بشكل صريح تجنب استخدام كلمة “إبادة جماعية” وكذلك مصطلحات مثل “تطهير عرقي” و“أراضٍ محتلة”.

“كلمة ‘إبادة جماعية’ لها تعريف محدد في القانون الدولي”، ورد في المذكرة. “يجب علينا استخدام الكلمة في صوتنا الخاص فقط ضمن تلك المعايير القانونية. كما ينبغي أن نضع معايير عالية للسماح للآخرين باستخدامها كاتهام، سواء في الاقتباسات أو لا، ما لم يقدموا حجة جوهرية تستند إلى التعريف القانوني.”

وفي وقت سابق من هذا العام، ألغت منظمة American Friends Service Committee إعلانًا مدفوعًا كان من المقرر نشره في نيويورك تايمز، بعد أن طلبت الصحيفة منهم استبدال كلمة “الإبادة الجماعية” بكلمة “الحرب” لكي يُسمح بنشر الإعلان.

ما الذي تغيّر؟

حسب كاتلين جونستون، فإن تحليل عمر بارتوف بحد ذاته ليس حدثًا استثنائيًا. فهو ينضم فقط إلى جوقة من الأصوات التي سبقت، بما فيها منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية، هيومن رايتس ووتش، خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والغالبية العظمى من كبار المتخصصين في موضوع الإبادة الجماعية.

ما هو مهم فعلاً أن حتى الخبراء الذين كانوا يقاومون الاعتراف بحقيقة الإبادة الجماعية في غزة، بسبب تحيزهم تجاه إسرائيل، قد توقفوا عن ذلك، وحتى وسائل الإعلام الإمبريالية الأكثر تفانيًا في التغطية الدعائية لهذه الإبادة لم يعد لديها مكان للاختباء.

الحقيقة بدأت تجد لها طريقًا

وترى جونستون، لقد خسر المدافعون عن إسرائيل الجدال. قد لا يعرفون ذلك بعد، لكنهم فعلوا. الرأي العام قد انقلب ضدهم بشكل لا رجعة فيه، والناس بدأوا يرون حقيقة ما يحدث في غزة، والمزيد من المروجين للدعاية اختاروا إنقاذ ما تبقى من مصداقيتهم الممزقة بدلًا من الغرق مع السفينة الغارقة.

الحقيقة بدأت تجد لها كلمة وسط الضجيج.

وختمت مدونتها بالقول: استمروا بالدفع. استمروا بالنضال. استمروا بالمقاومة.

إنه يؤتي ثماره.