الكومبس – خاص: في مقابلة خاصة مع الكومبس، تحدث المخرج طارق صالح والممثل فارس فارس عن علاقتهم المعقدة بمصر، والواقع السياسي، وفيلمهم الجديد “نسور الجمهورية” الذي يمثل السويد في ترشيحات الأوسكار لعام 2026، باعتباره الجزء الثالث والأخير من “ثلاثية القاهرة” التي تعكس رؤية فنية جريئة ومباشرة تجاه السلطة والواقع المصري.
طارق وفارس، اللذان لم تطأ أقدامهما مصر منذ أكثر من عشر سنوات، تمكنا رغم ذلك من تصوير ثلاثية كاملة تدور أحداثها في قلب القاهرة، واختارا عن قصد أن يحملا اسم “ثلاثية القاهرة” المأخوذ عن سلسلة روايات نجيب محفوظ، لكنها تعكس واقعاً مختلفاً تماماً وأكثر قتامة.
في لقاء جرى داخل فندق رايسن في ستوكهولم، أحد مراكز مهرجان ستوكهولم السينمائي، قال طارق صالح: “إعادة بناء صورة ذهنية لمكان من الذاكرة أمر مؤلم وأحياناً محبط”. وأضاف: “لا أريد لأفلامي أن تكون تعبيراً عن اللحظة الراهنة فقط، بل أن تصوّر الحالة الأزلية للقاهرة”.
فيلم سياسي بامتياز
الفيلم الجديد “نسور الجمهورية” هو فيلم تشويق سياسي تدور أحداثه في القاهرة، حيث يتورط نجم سينمائي مصري خيالي يُدعى جورج فهمي (يؤدي دوره فارس فارس) في تمثيل دور الرئيس عبد الفتاح السيسي في عمل دعائي تنتجه الدولة، بعد أن تم شراء شركات الإنتاج الكبرى من قبل النظام.
الفيلم يعكس الواقع الكابوسي الذي يعيشه المواطنون تحت أنظمة قمعية، حيث يُجبر الأفراد على أداء أدوار محددة تمليها السلطة. ويظهر السيسي في الفيلم كشبح، في إشارة إلى حضوره الطاغي رغم غيابه عن الشاشة بشكل مباشر.
طارق صالح يوضح: “حتى لو اخترعت رئيساً خيالياً، سيرى الجميع أنه إشارة إلى السيسي، رغم أن الفيلم يناقش شيئاً آخر”.
شخصيات متأزمة في واقع مأزوم
فارس فارس، الذي يلعب دور النجم المتورط في دعاية النظام، يجسد شخصية رجل مضطرب، مدمن كحول، يواعد فتاة أصغر منه بكثير، وعلاقته بابنه متدهورة. ومع ذلك يُجبر على تمثيل دور البطولة في فيلم دعائي للنظام.
“في البداية يقاوم، ثم يدرك بسرعة أن المقاومة مستحيلة”، يقول صالح، مشيراً إلى أن الفيلم يعكس ما يشبه الواقع الكافكاوي الذي يعيش فيه المصريون.

لا يستطيع العودة إلى مصر
بسبب هذه الأفلام، لم يعد طارق صالح قادراً على زيارة مصر. ويقول بأسى: “هذا أكثر ما يؤلمني في حياتي. أحب مصر بكل قذارتها. يسألني البعض إن كان الأمر يستحق. لا، لم يكن يستحق، لكن لم يكن لدي خيار. كان يجب أن تُصنع هذه الأفلام. إذا لم تكن مستعداً للتضحية، فلن يكون لما تصنعه أي قيمة”.
وأشار إلى نقاش دار بينه وبين والده الذي قال له: “أنت فعلت عكس ما قلت، قلت إنك لن تتورط في السياسة”، لكنه أضاف مع ذلك مديحاً للهجة المصرية التي أتقنها فارس لدرجة أن البعض بدأوا بتقليدها.
التحدي في اللغة واللهجة
فارس، الذي تعود أصوله إلى لبنان، تحدّث عن تجربته في تقمص اللهجة المصرية: “في فيلم ’حادثة النيل هيلتون‘، كنت أشعر وكأني خضعت لعملية جراحية في ركبتي وأسير على عكاز. الآن الأمر أسهل. لدي نفس مدرب اللهجة منذ البداية، وبعد كل مشهد أنظر إليه أولاً، ثم إلى طارق لأتأكد من صحة نطقي”.
ويضيف: “اللغة تغيّر الشخصية فعلاً. عندما تتحدث بلهجة مختلفة، تدخل في شخصية مختلفة”.
ضد “تأطير” الواقع
طارق صالح يؤكد أنه لا يسعى إلى تقديم الواقع كما هو، بل يعمد إلى الاصطدام به. يقول: “هناك دائماً نقاش مزعج حول ما هو ’صحيح‘. أنا مهتم بصناعة قصص تصطدم بالواقع لا أن تعكسه. حتى السينما المصرية الحالية بعيدة تماماً عن الواقع”.
ويشرح أنه يحاول في كتاباته أن ينفذ إلى أعماق الخوف لدى شخصياته، قائلاً: “من يخيف أشخاصاً مثل السيسي وبوتين؟ إنهم من هم حولهم، أقرب الناس إليهم. هذا مؤلم للمجتمعات التي تعيش تحت هذه الأنظمة، لكنه كنز لكاتب السيناريو”.

القاهرة… مدينة لا تتغير
ورداً على سؤال كيف يمكنه صناعة أفلام عن مدينة لم يزرها منذ عشر سنوات، يقول صالح: “القاهرة تبدو وكأنها تتغير، مول جديد هنا، حي جديد هناك. لكن المدينة موجودة منذ آلاف السنين. باريس ونيويورك تبدوان بجانبها كأنهما مول تجاري جديد. الزمن الذي نعيشه مجرد طرفة عين”.
ويختتم قائلاً: “الشيء الذي يدهشني في القاهرة هو أن القليل جداً فيها يتغير فعلياً”.
المحرر الثقافي