Lazyload image ...
2012-06-27

تقول أسطورة أوروبية إن أقوام الغجر هم من ملَّة الجان، وتقول أسطورة ثانية إنهم أبناء حواء من جماعها مع آدم بعد موته، وتقول أسطورة ثالثة إنهم سلالة قوم حكم عليهم الله بالتيه الأبدي في بقاع الأرض عقاباً لهم على فِعلة حداد من بني جلدتهم صنع مسامير بأمر من جنود رومان استخدموها في صلب السيد المسيح

تقول أسطورة أوروبية إن أقوام الغجر هم من ملَّة الجان، وتقول أسطورة ثانية إنهم أبناء حواء من جماعها مع آدم بعد موته، وتقول أسطورة ثالثة إنهم سلالة قوم حكم عليهم الله بالتيه الأبدي في بقاع الأرض عقاباً لهم على فِعلة حداد من بني جلدتهم صنع مسامير بأمر من جنود رومان استخدموها في صلب السيد المسيح، بينما تقول أسطورة روسية إن أصول الغجر تعود إلى فتى وفتاة كانا الناجيين الوحيدين من جيوش فرعون التي غرقت عند اجتيازها البحر، وبزواجهما أصبحا بمثابة آدم وحواء لأقوام الغجر.

ومن أساطير الغجر أنفسهم أن جدهم الأول يسمى "كين"، وقد قتل شقيقه وعوقب من الله بأن جعله هائما في الأرض هو وذريته من بعده، في محاكاة لقصة قابيل وهابيل.

ولا تنتهي أقاويل الأساطير عن شعب أسطوري متفرد في مآسيه وتمرده على تفاصيل الجغرافيا، وشبقه في حب حياة بلا قيود، رسمها لوركا في رائعته "أغاني الغجر"، ومكسيم غوركي في "الغجر يصعدون إلى السماء"، وبوشكين في "ملحمة الغجر"، وجورج بيزيه في أوبرا "مأساة كارمن"، وفيكتور هيجو في رواية "أحدب نوتردام".. ومبدعون كثر ممن أدهشهم تمكن الغجر من العيش كشعب عابر للحضارات، حافظ على عاداته وتقاليده ولم تغادره غواية ترحال جلبت لأبنائه الاضطهاد أينما ذهبوا.

تعددت دياناتهم ولغاتهم ولهجاتهم، يعتنقون الإسلام في البلدان ذات الأغلبية الإسلامية، والأرثوذكسية في روسيا والبلدان السلافية، والكاثوليكية في أوروبا الغربية، والبوذية في شرق آسيا، والهندوسية في الهند، والمانوية والزردشتية.. الخ، لكنهم ظلوا على عهودهم في تقديس المرأة والانتساب إليها بدل الرجل، وعشقهم للموسيقى والرقص والأقراط الطويلة والملابس المزكشة والوشم والخيول والصيد والسحر، ووضعهم زعيم القبيلة على رأس الهرم السلطة الاجتماعية الخاصة بهم.

ويبلغ تعداد الغجر الأوروبيين أكثر من اثني عشر مليون نسمة، نصفهم تقريباً في أوروبا الشرقية والنصف الآخر في الغرب الأوروبي، رافقتهم طوال مسيرة تاريخهم الطويل والحافل صورة نمطية تحط من شأنهم وثقافتهم، رغم نجاح فئات واسعة منهم في اكتساب مكانة مرموقة في الأدب والموسيقى وصنوف الإبداع الأخرى. وتعرَّض الغجر على مرِّ التاريخ لعمليات تطهير عرقي وترحيل قسري، وأصدرت بحقهم قوانين عنصرية تبيح قتلهم، أشهرها القوانين التي أصدرها الملك هنري الثامن في إنجلترا عام 1530، ووصف فيها الغجر بمجموعة من الخارجين على القانون والمحتالين، وقانون سنته حكومة البرتغال في أوائل القرن السادس عشر يجرِّم فيه الغجر بالفطرة بارتكاب الجرائم وأعمال السحر. والقانون الذي أصدره أحد ملوك بروسيا في القرن الثامن عشر، ويقضي بقتل كل غجري فوق سن الثامنة عشرة.

وفي العصر الحديث أنشأت الحكومة النازية في ألمانيا مكتباً مختصاً بملاحقة الغجر، وأصدر هتلر في العام 1943 قانوناً حظر فيه أي إشارة للغجر كمجموعة بشرية ذات حقوق، وأمر بعدها باقتيادهم إلى معسكر أوشفيتز ومعسكرات الاعتقال الأخرى، حيث مات الآلاف نتيجة استخدامهم كـ"مادة" تجارب، وأبيد ما يقارب نصف مليون منهم في غرف الغاز.

وللأسف نادراً ما يذكر الغجر كضحايا للنازية والفاشية، ولمجازر الإبادة ما بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر، ولم تعترف الدول الأوروبية بمسؤوليتها الأخلاقية عن تلك المجازر، بل قامت الكثير من الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة بسن تشريعات جديدة تستهدفهم، وتنفيذ عمليات ترحيل وطرد بحقهم، تغاضى عنها الاتحاد الأوروبي، أو أدانها بشكل خجول في بعض الحالات النافرة.

أكبر هذه العمليات تلك التي باشرت فيها فرنسا بتدمير مئات مخيمات الغجر وطرد سكانها خارج الأراضي الفرنسية، في إجراء عنصري وصفه المخرج السينمائي الفرنسي الغجري المشهور توني غاتليف بأنه "طلب من شعب الغجر بالاختفاء وعدم التواجد في بلد ساهموا في ثقافته". وكانت إيطاليا قد أقدمت على إجراء مماثل قبل عامين.

وفي الدانمرك التي شهدت في القرن التاسع عشر مذابح ضد الغجر، لا يزال العنف والتمييز قائماً ضدهم حتى اليوم، وكذلك في هنغاريا، حيث حاز حزب "جوبيك" اليميني المتطرف على شعبية واسعة برفعه لشعارات عنصرية معادية للغجر. كما يعاني غجر بلغاريا من الاضطهاد وأوضاع معيشية بائسة، ودون استفاضة، تنتشر ظواهر تنميط صورة الغجر سلباً، ويجري التمييز العنصري ضدهم، في معظم البلدان الأوروبية الغربية والشرقية على حدٍ سواء، بما يعيق عمليات اندماجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، وتغيير المفاهيم السلبية السائدة عنهم.

ويسجل في هذا المجال تقدم نسبي للتشريعات في أسبانيا وخطط الحكومات الأسبانية لدمج ثاني أكبر تجمع في أوروبا يبلغ مليون نسمة، بات نصفهم يمتلك منازل خاصة، ويحصل ما يقارب خمسة وسبعين بالمئة منهم على دخل مادي منتظم، وتتولى الدولة برامج تأهيل تمس خمسة وثمانين بالمئة من المحتاجين لها في أوساط الغجر، لكن التشريعات والخطط والبرامج بمجموعها لم تصل بعد إلى مستوى إلغاء التمييز بشكل كامل في مناحي حياتهم.

أمام مأساة الغجر وتراجيديا اضطهادهم المزمن في أوروبا تبرز أهمية أن يتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات رادعة للحكومات التي تشجع على التمييز بحقهم وتنمي مشاعر العداء ضدهم، فبيانات الشجب لا تغني ولا تسمن من جوع، وستبقى الديمقراطية الأوروبية مثلومة مادام الحقوق الإنسانية للغجر منقوصة بالفقر والتهميش والعنصرية وسن قوانين تتعارض مع حقهم في الحياة الكريمة.

بعين سينمائية صور المخرج الغجري الفرنسي غاتليف مشهد ترحيل الغجر من فرنسا: "أجبروهم على الخروج من أكواخهم، ومن منازلهم الكرتونية في الغابة وتحت الجسور، وعلى الطرق السريعة.. أطفال استيقظوا للتو وهم نصف عراة، أمهات يحملن أطفالهن بين أيديهن.. الذعر في كل مكان، لم يكن لديهم الوقت للقيام بجمع أمتعتهم وحاجياتهم وسط حالة من الخوف والهلع..". وكأن غاتليف يحاكي بأدواته الفنية كمخرج معاصر قول الشاعر لوركا: "آه يا أسى الغجر أيها الأسى النقي المتفرد أبداً.. يا أسى درب خفي.. وصبح بعيد".

عامر راشد

أنباء موسكو

26 يونيو 2012

Related Posts