Lazyload image ...
2012-07-12

تدفع الأزمة الإقتصادية المستمرة في أوروبا، وبروز ظاهرة "فوبيا الإسلام"، إلى تنامي الأحزاب اليمينية المتطرفة، المعادية للمهاجرين عمومًا، وللإسلام والمسلمين خصوصاً. وفي مؤشر على تصاعد قوى "التطرف"، في دول الشمال الإسكندنافي، يتوقع مراقبون أن تشهد العاصمة السويدية ستوكهولم في الرابع من آب/أغسطس القادم، صدامات عنيفة غير مسبوقة بين تجمع لمجموعة من الأحزاب اليمينية، مع جماعات يسارية مناهضة لها.

نزار عسكر – إيلاف

تدفع الأزمة الإقتصادية المستمرة في أوروبا، وبروز ظاهرة "فوبيا الإسلام"، إلى تنامي الأحزاب اليمينية المتطرفة، المعادية للمهاجرين عمومًا، وللإسلام والمسلمين خصوصاً. وفي مؤشر على تصاعد قوى "التطرف"، في دول الشمال الإسكندنافي، يتوقع مراقبون أن تشهد العاصمة السويدية ستوكهولم في الرابع من آب/أغسطس القادم، صدامات عنيفة غير مسبوقة بين تجمع لمجموعة من الأحزاب اليمينية، مع جماعات يسارية مناهضة لها.

في ستوكهولم أعلن تجمع يميني يُطلق على نفسه تنظيم "مناهضة الجهاد"، الذي يضم العشرات من الأحزاب والمنظمات العنصرية، المنحدرة من مختلف الدول الأوروبية، عن تظاهرة كبيرة في قلب ستوكهولم، في الرابع من آب/أغسطس القادم، تزامناً مع أكبر تجمع للمثليين، يُقام في العاصمة سنويا، ويُعرف بـ (Pride Parade) وذلك لإستغلال تواجد مئات الآلاف من الناس في هذا المهرجان.

وتلتقي هذه الجماعات على معاداة الإسلام والمسلمين، وتسعى إلى إقناع المجتمعات الأوروبية، بأن المهاجرين المسلمين، هم سبب الأزمات التي تعيشها مجتمعاتهم. وتضخ وسائل الإعلام التابعة لها يومياً، كل ما من شأنه تشويه صورة المهاجرين، ومراقبة المخالفات التي يقومون بها، حتى وإن كانت بسيطة جداً يرتكبها في سياق الحياة العامة، الأوروبي قبل المُهاجر.

لكن هذه الجماعات تستغل ببراعة قيام "بعض" المسلمين بارتكاب جرائم إرهابية، مثل قيام تيمور عبد الوهاب بتفجير نفسه في كانون الأول/ديسمبر 2010 بقلب ستوكهولم، لحشد التأييد لبرامجهم السياسية العنصرية.

وستشارك في التجمع اليميني المنتظر شخصيات متطرفة جاءت أسماؤها في الصفحات التي نشرها القاتل النرويجي بريفيك.

لمن ستكون الغلبة؟ اليمين المتطرف أم الإسلام المعتدل؟

حرب اليمين المتطرف لا تقتصر على الإسلام والمسلمين فقط، فهي على عكس ما يعتقد الكثير من العرب، تشمل أيضا المسيحيين المشرقيين المهاجرين، وحتى اليهود.

يقول محمود آغا، رئيس تحرير موقع الكومبس، alkompis.com وهو موقع سويدي باللغة العربية، يعنى بقضايا المهاجرين، من ستوكهولم لـ "إيلاف" إن "هناك نوعين من التطرف اليميني في السويد وأوروبا: الأول تقليدي قديم يتمثل بالنازيين الذين يعتبرون اليهود أعداء القوميات الأوروبية وأفكارهؤلاء معروفة."

أما النوع الثاني، بحسب آغا، فهو "جديد نسبيًا يعتبر الإسلام والعرب الخطر الحقيقي على الثقافة الأوروبية خاصة بعد تنامي عدد ودور المسلمين في أوروبا". ويشير إلى أن "المفارقة هي أن هؤلاء النازيين الجدد يلاقون دعمًا من بعض الجهات والمنظمات اليهودية التي تخشى هي أيضًا من تعاظم دور الإسلام خاصة جيل الشباب الجديد، وكسر احتكار الرواية الصهيونية حول الصراع العربي – الإسرائيلي، هذا التعاون يتم على أساس أن العدو مشترك، مع أن لا أحد من هؤلاء اليهود، أشخاصاً أو منظمات، يُعلن ذلك."

ويعتقد محمود آغا أن اليمين المتطرف يستفيد من أخطاء بعض الجهات الإسلامية التي "تجهل طبيعة المجتمع الأوروبي، وطريقة التعامل معه، ولكن هناك في المقابل جهات إسلامية تجيد لعبة الديمقراطية الأوروبية وتستفيد مما هو متاح لها من هوامش كبيرة للتواصل مع الجاليات المسلمة والتأثير بها وعليها".

ويرى أن أوروبا الرسمية تعي هذا الاستغلال من قبل اليمين المتطرف، ولكن السؤال بحسب آغا هو: من يستطيع أن يصل إلى أوروبا الشعبية، ويؤثر على الرأي العام، ويُحسن إستغلال الإعلام والدعاية؟ اليمين المتطرف أم الإسلام المعتدل؟

اليمين المتطرف يتغذى من الأزمة الإقتصادية

الأزمة الإقتصادية التي تضرب أوروبا تترك بصماتها المعقدة على مزاج وميول المجتمعات الأوروبية المُنتجة.

فالصحافي في الإذاعة السويدية (Sveriges Radio) فراس جنبلاط، يرى أن جانباً كبيراً من الأمر مرتبط بالأوضاع الصعبة التي تمر بها الأسواق العالمية عموماً، والأوروبية تحديداً.

ويقول جنبلاط لـ "إيلاف": "الدراسات والأبحاث الإقتصادية والإجتماعية، تربط بشكل مباشر، بين تردي الأوضاع الإقتصادية، وبين نمو ظاهرة التطرف، حيث أن المجتمعات تُعبّر عن عدم رضاها عبر التصويت للأحزاب او الجهات التي تُسّوق للأفكار التي تُثير نقاشًا سياسيًا، أو تضع اللوم على فئة معينة من المجتمع".

ويُضيف: "التجربة التي عاشتها أوروبا مع النازية، بالإضافة إلى أحداث الحادي عشر من أيلول، وظاهرة التطرف الاسلامي، وكذلك إرتفاع حدة المشاكل الإقتصادية، جعلت بعض الأحزاب تشير إلى جهات معينة في المجتمع، كسبب مباشر وراء عدم الإستقرار الذي يشهده العالم، سواء أكان أمنيًا أم سياسيًا أم إجتماعيًا".

ويستشهدُ جنبلاط باليونان كمثال على ما يقول فهي "تعاني من أزمة إقتصادية خانقة جعلت حزب اليمين المتطرف "خريسي آفيي"، يحقق نتائج كبيرة في الإنتخابات الأخيرة منذ حوالي شهرين". لكنه يستدرك: " أن لكل دولة أوروبية ميزاتها الخاصة التي تجعل القوى اليمينة فيها تحقق تقدمًا، مثلاً حزب "يوبيك" في هنغاريا، والدفاع الإنكليزي في بريطانيا، والجبهة الوطنية في فرنسا."

بالنسبة إلى اليمين المتطرف في إسكندنافية لا يعتقد جنبلاط أنه "ظاهرة متنامية كما هو الحال في الدول الأوروبية الأخرى، ربما بإستثناء الدانمارك التي كان لحزب الشعب فيها تأثير كبير على سياسة البلاد منذ 2001، ولكنه أمر انتهى بعد الإنتخابات الأخيرة العام الماضي".

ويشير إلى أن السويد شهدت موجة متطرفة بداية التسعينات بسبب الأزمة الإقتصادية التي أصابتها، والتي أدت إلى وصول حزب الديمقراطيين الجدد إلى البرلمان، وكذلك إلى استقالة الحكومة برئاسة كارل بيلدت آنذاك. ويضيف "أن هذه الظاهرة عادت إلى الواجهة خلال السنوات الـ 4 أو 5 الأخيرة وأسفرت عن وصول ديمقراطيي السويد إلى البرلمان عام 2010 للمرة الأولى في تاريخه، إلا انه وكما ترى، إنه مُهمش لا يستطيع ممارسة اي تأثير على السياسة، أما النروج لديها تجربة مع الحزب التقدمي الذي كان الإرهابي انديش بيرينغ بريفيك منضمًا اليه قبل أن يتم فصله منذ فترة طويلة. الحزب يُعتبر ثاني أكبر حزب في النروج، إلا أنه لا يملك تأثيرًا على الحكومة.

وفي فنلندا، فإن القوى اليمينية ليست متطرفة كما هو الحال مع الأحزاب الأوروبية الأخرى، بل إن حزب الفنلنديين الحقيقيين يُعتبر حزبًا شعبويًا سجل نتائج كبيرة في الانتخابات البرلمانية الاخيرة عام 2011 إلا أن تطرفه موجه ضد الإتحاد الأوروبي وبقاء فنلندا فيه".

بعض المسلمين يساعدون المتطرفين في التهجم على الإسلام

الناشط المدني مدير مؤسسة النور للثقافة والإعلام في السويد أحمد الصائغ، يرى أن اليمين المتطرف لم يجد صعوبة في إتهام الإسلام والمسلمين بالإرهاب، "لأن بعض المسلمين كان لهم الدور الأكبر في المساعدة على هذا التصور من خلال ما يقوم به البعض من تفجير وقتل، ما ولّد صورة غير واقعية عن الشخصية المسلمة".

ويستشهد الصائغ في حديثه لـ "إيلاف" بما قام به تيمور عبد الوهاب بتفجير نفسه في وسط ستوكهولم، محاولاً قتل أكبر عدد من الناس، وما تعرضه أفلام "المقاومة الاسلامية" من صور بشعة لقطع الرؤوس وما يرافقها من بيانات بالقتل والتعذيب والتهديد والوعيد".

ويعتقد الصائغ أن كل ذلك "أعطى صورة بأن الاسلام هو دين إرهاب وقتل بعكس ما جاء في رسالة الاسلام السمحاء، إضافة إلى أن فتاوى بعض المؤسسات الدينية أصبحت عكازا يتّكىء عليها من يريد أن يصور للعالم بأن الاسلام هو الخطر الأكبر القادم".

ويطلب الصائغ من الجاليات المسلمة الابتعاد "عن كل ما يثير الشك في قلوب الآخرين والتركيز على الإسلام دين المحبة والتسامح والسلام، والحث على الإندماج والتواصل مع المجتمع السويدي والأوروبي لزيادة الثقة بين الأوروبيين والمسلمين، وتنظيم أعمال ثقافية مشتركة ليتعرفوا على الثقافة الاسلامية والعربية عن قرب، إضافة إلى ضرورة تفعيل دور المرأة المسلمة من خلال وجودها وحضورها الفاعل في الفعاليات التي تقام واعطائها الفرصة الحقيقية لاظهار حقيقة المرأة المسلمة للاستفادة من علمها وثقافتها".

حل الأزمات الإقتصادية يسحب البساط من تحت أقدام اليمين

الناشط السياسي والصحافي يوسف أبو الفوز قال لـ "إيلاف" من فنلندا: "إن صعود أحزاب اليمين عموماً، والمتطرف في العقود الثلاثة الأخيرة، في عموم أوروبا، يتعلق بعوامل إقتصادية وسياسية، فهو لم يأتِ بشكل مفاجئ. إضافة إلى العوامل الذاتية التي تعيشها عموم احزاب اليسار وحاجتها إلى الإصلاح الداخلي، كما أن انهيار الاتحاد السوفياتي شكل صدمة فكرية وسياسية لقوى سياسية عديدة والشارع الاوروبي عمومًا، وبدأ ذلك يترك تأثيره على صناديق الاقتراع".

ويتفق أبو الفوز مع آغا وجنبلاط، بأن الأزمات الإقتصادية التي أفرزت جيشًا من العاطلين عن العمل، لها التأثير المباشر على تنامي اليمين، خصوصًا أزمة اليورو، وارتفاع أسعار الغذاء والنقل والسكن.

ويعتقد أبو الفوز أن "ايجاد حلول ناجحة لهذه الأزمات، بل وحتى حلول جزئية كفيل بفقدان اليمين التأثير في الشارع، وهناك مؤشرات عديدة على هذا بدليل حصوله في العديد من البلدان الاوروبية وبداية استعادة قوى اليسار لقوتها في الشارع، وبالتالي تأثيرها في المجتمع والسياسات الإقتصادية والاجتماعية."

Related Posts